31‏/03‏/2012

ليبيا والعراق مقارنة بين مخاطر التلويث الاشعاعي والكيماوي





ليبيا والعراق مقارنة بين مخاطر التلويث الاشعاعي والكيماوي
والابتزاز المستقبلي بالمخاطر المحتملة

منذ اليوم الأول لبدء عمليات القصف الجوي من قبل قوات الناتو سبق لنا أن حذرنا من مخاطر إشعاعية محتملة في ليبيا جراء استعمال أنواع معينة من الاعتدة لأسلحة قصف بها الحلفاء عددا من المواقع الليبية، وأشرنا إلى عدد من الأمراض المحتملة التي يمكن أن تنتج عن ذلك القصف لو استمر على نطاق واسع، وحذرنا حينها من يعنيهم الأمر، من دول الناتو والولايات المتحدة وحتى الدول المجاورة لليبيا من احتمال تفاقم مثل هذا الخطر الإشعاعي الذي يمكن أن يهدد المدن الليبية التي جرى فيها القتال والقصف وقد يمتد انتقال النويدات المشعة الى أجواء وتراب الدول المجاورة لليبيا ومنطقة شمال المغرب العربي في حالة استمرار القصف على نطاق واسع.
وقد نشرت مقالتي تلك في الاول من نيسان/ افريل2011 ، ومعها وجهت ندائي إلى كل دول العالم والهيئات الدولية العالم وتداولتها الصحافة ونقلتها العديد من ووكالات الانباء[ راجع الرابط]http://www.islamtimes.org/vdcdj909.yt0xz6242y.html 

داعيا الجميع تحمل مسؤولياتهم لحماية الشعب الليبي قبل فوات الأوان والعمل من اجل منع الكارثة الإشعاعية المحتملة في ليبيا. والمقالة منشورة وموجودة في مدونتي


وتناولتها ونشرتها الكثير من المواقع الالكترونية والإعلامية الهامة في العالم العربي والعالم، ونقلت صحيفة الخبر الجزائرية نص النداء. أصدرنا ذلك النداء حينها تلبية للواجب الإنساني المطلوب منا كباحثين عرب لنا الخبرة والتصور عن تلك المخاطر المنتظرة لو تطورت الحالة الليبية الى مثيلتها في العراق. وحرصنا على الاستدلال بالمقارنة بين الحالتين الليبية والعراقية بفضل الوعي والادراك لدينا من تجربة سابقة لنا في التعامل مع مثل هذه الكوارث الإشعاعية التي عانينا من مراراتها ونحن نراقب تطورات الوضع في العراق في تسعينيات القرن الماضي لنا وما عاناه شعبنا وبلادنا المحتلة العراق لاحقا والى اليوم، وبالاستفادة من محصلة غنية بحوث العلماء والاطباء العراقيين ومن دراساتنا وكتبنا المنشورة السابقة لملف جرائم إستخدام أعتدة اليورانيوم المنضب في العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 وفي استعماله في عمليات القصف الجوي والصاروخي للعراق في السنوات التالية، خلال سنوات الحصار الأمريكي الجائر على العراق الذي دام أكثر من 12 عاما، واستكمل بجريمة الغزو العسكري المباشر للعراق ربيع 2003 من قبل القوات الامريكية وحلفائها من دول الناتو وغيرها.
لقد أصبح العراق البلد الأكثر تلوثا في العالم بالإشعاع والمواد الكيميائية السامة الأُخرى وتجربته مرة وفريدة. وها هي نفس الأسلحة ونفس الأعتدة القادمة من مخازن الناتو ومن الترسانة الأمريكية والغربية تتوجه مرة أخرى نحو ليبيا وتستخدمها طائرات قوات الناتو وهي من نفس الأعتدة المشعة في عمليات واسعة من القصف الصاروخي والجوي على مواقع ليبية لتستهدف الدروع والدبابات ومخازن الأسلحة والملاجئ العسكرية والمدنية، بما فيها المطارات الليبية، لإحداث اكبر قدر ممكن من التدمير بهذه الأعتدة المحرمة دوليا لتجريبها في تدمير شامل لعديد المنشآت المدنية والعسكرية الليبية، ولتستخدم قوات الناتو وتجرب أجيال جديدة من تلك الاسلحة وفحص مدى قدراتها الخارقة في تدمير أسلحة الجيش الليبي الذي أطلق عليه الغرب تسمية جديدة سماها "كتائب القذافي".
إن استعمال مثل تلك الأعتدة المشعة تركت وراءها آلاف الأطنان من شظايا القنابل ورؤوس الصواريخ ونفايات الأعتدة المشعة باليورانيوم المنضب. كل قذيفة منها كانت تحتوي على كميات من اليورانيوم المشع بلغت في مجموعها الكلي مئات الأطنان المترية. كما إن المواقع العسكرية الليبية السابقة التي استهدفها القصف ظلت غير معروفة، وفيما إذا كانت تحتوي على مخازن للأسلحة والمواد الكيميائية التي استوردها النظام الليبي وكانت تحوم حولها الشكوك ويثيرها الإعلام الغربي عندما يدخل في صراعات مع النظام الليبي السابق في العقود الاربعة الماضية.
وتؤكد المشاهدات والملاحظات الطبية إن ألأمراض الناجمة عن التعريض الإشعاعي تبقى واحدة ومتكررة، وباتت معروفة من قبل الخبراء الفيزيائيين والأطباء المختصين وعلماء الأوبئة والكوارث الصحية والبيئية، وهي نتاج تلويث أسلحة حربية تدميرية مباشرة ومنها أيضا تتبقى مواد متنوعة يمكن ان تفعل تأثيراتها الضارة لآلاف السنين. كما ان عملية نشرها أو التجاهل عن وجودها كمواد ذات نشاط اشعاعي من جهة وذات تأثيرات سمية عالية من جهة أخرى. تعتمد خطورتها على مستوى التعريض الإشعاعي للأفراد لها بعد القصف، وحسب الموقع المنكوب، وحجم التلويث الاشعاعي والكيميائي وطبيعة تفاعل موادها وطاقاته المنبعثة في كمات الإشعاع مع مكونات البيئة من ماء وترب وهواء، وكذلك تزداد مخاطرها على فترة التعريض الإشعاعي للأفراد وتواجدهم في البيئات الملوثة، وهي تفعل فعلها التدميري لمكونات الحياة والخلايا الحية سواء نتجت في الحالات الناتمة عن تفجيرات نووية أو حوادث نووية، أو التعرض إلى مواد ونفايات نووية إشعاعية بسبب الإهمال في صيانة مخازنها أو تركها عرضة للنهب والتماس معها من قبل السكان.
كل هذه الحالات تؤدي إلى الإصابات بمختلف السرطانات المبكرة والمتأخرة، منها السرطانات المكتشفة مباشرة كسرطان الدم والعظام والغدة الدرقية ومنها التي ستبقى متأخرة إلى آجال أخرى قادمة، ومنها تنجم عن اصابات جينية وكروموسومية ستظهر في أجيال لاحقة مختلفة ضمن مناطق التلويث أو خارجها بسبب الإقترانات الجنسية والتزاوج بين الأفراد وتنقلهم. ومن الأمراض المباشرة لها سرطان الدم والغدة الدرقية والرئة والقصور الكلوي والعقم والإجهاض المبكر والولادات المشوهة وضعف الجهاز المناعي، مثل تلك الأمراض سجلت على حد سواء عند الحيوانات أو البشر.
وبسبب القصف بالأعتدة المشعة يجري تدمير المحيط الحيوي وتلويثه بنظائر مشعة ذات أنصاف أعمار إشعاعية طويلة جدا وقصيرة ومتوسطة. كما يمكن لدقائق اليورانيوم المنضب المشعة التي تتركها إنشطارات القذائف والأعتدة الحربية الانتشار بسرعة كبيرة تقطع خلالها مسافات بعيدة، بحكم حركة الرياح وظروف المناخ، وخاصة في المناطق الصحراوية المفتوحة وبفعل ظروف إرتفاع درجة الحرارة وهبوب العواصف الغبارية. كذلك يمكنها الانتقال إلى الأجساد البشرية عبر التنفس أو السلسلة الغذائية، ومن خلال تلويث المياه السطحية والجوفية او عبر العديد من الاغذية التي تجمعها في تراكيبها وتتناقلها الكائنات النباتية والحيوانية فيما يسمى بالسلسلة الغذائية مسببة عوامل إضافية ممرضة ومعقدة بفعل آليات الإصابة الناجمة عن التعريض الإشعاعي الداخلي وما ينتج عنه أيضا من سرطانات وامراض عدة أخرى.
إن ما سُجل في العراق من أرقام مرعبة لتعداد الضحايا، تجاوز المليون ونصف من البشر، غالبيتهم من فئة الأطفال، بحكم إنهم من الفئات الأكثر نموا، وخلايا أجسادهم حساسة جدا للإشعاع حتى ولو كان فترة التعريض لجرعات إشعاعية واطئة أو منخفضة.
وفي الحالة الليبية الراهنة، كما هو الحال مع سيناريوهات الحرب على العراق، لابد من التنويه هنا ان الولايات المتحدة قد سربت مسبقا عددا من الوثائق الممهدة لاحتمال تعرض ليبيا إلى كارثة إشعاعية أو كيميائية قبل عمليات قصف الناتو بسنوات، ونسبتها إلى حوادث إهمال السلطات الليبية لحاويات تحتوي على اليورانيوم المخصب من مفاعل تاجوراء الليبي، التي قيل عنها إنها تركت في العراء، وهي في حالة مخزنية يُرثى لها، وقيل عنها أيضا: (... أنها لم تنقل إلى روسيا في موعدها، حسب الاتفاق المبرم بين ليبيا مع الولايات المتحدة) عندما رضخ القذافي وطلب بنفسه تصفية المشروع النووي الليبي بمبادرة شخصية منه وقراره بتسليم معداته ومواده إلى الغرب مجانا. وقد وصفت تسريبات ويكيليكس حينها أيضا، (... من أن هناك قلقاً متزايدا حول مصير مجهول لمواد كيميائية وإشعاعية يمكن ان تتسرب إلى أيادي غريبة)، يستخدم فزاعتها النظام الليبي لإيهام الغرب انه لم يصفي كل ترسانته النووية أو الكيميائية بسهولة باتفاق واحد مع الولايات المتحدة.
وعلى قاعدة لعبة " توم وجيري" الكارتونية؛ فالقط الأمريكي كان ممثلا ببوش وإدارته، وشخصية الفار الليبي كان مُمثلاً بالقذافي وعائلته وأبنائه وأركان نظامه من اللذين قبلوا اللعب مع الأمريكيين في لعبة " الغميضة"، والكل كانوا مدركون لحدود اللعبة وأثمانها، وانهم سيلعبون في بقية الوقت الضائع أو لسنوات طويلة حسب الارادات الدولية وقراراتها.
ظل ملف وورقة تخزين ما تبقى من المواد الإشعاعية أو الكيميائية الليبية وتقديمها للتفتيش إلى الخبراء الأوربيين، عند الطلب الملح، لإتلافها أو نقلها عند الضرورة إلى مكان ما أو إعادتها إلى مصادرها الدولية لعبة متفق عليها مع نظام القذافي. وكان شرط إتلاف تلك المواد أوتسليمها لتلك التي باعتها الى نظام القذافي بمثابة مكافئة مالية ومادية تقاسمتها الدول والسركات التي تاجرت معه وسهلت له تصدير تلك السموم مقابل سلب أموال الشعب الليبي بمليارات الدولارات للتباهي بها كمشاريع لا جدوى منها سوى البطولات الفارغة للاستهلاك المحلي.
وقد استمتع العقيد القذافي وبطانته بمثل هذه اللعبة لإيهام العالم وشعبه انه دولة عظمى ولو من غير نووي حقيقي. وفي السنوات الأخيرة  أتخذ سياسات ومنحى آخر وادعى انه يحاول تفادي ضربة عسكرية محتملة لبلاده من قبل الغرب، كما حدث في العراق، وان الحكمة دعته حينها إلى التعقل وتسليم كل شيء إلى الغرب طواعية، ومن دون أي مقابل مادي أو معنوي أو حتى سياسي، سوى الوعد ببقائه على سدة الحكم وتبرئته من تهمة الارهاب الدولي، وجرى تقديمه كمثل لطاغية من طغاة العالم الثالث يرعي للشرعية الدولية ويخضع للشروط الامريكية حين بدأ يتراجع عن طموحاته الواهمة في بناء امبراطوريته الليبية او الافريقية في وقت عصيب. وهكذا قدم القذافي نفسه نموذجا للاعتدال حسب الطلب الامريكي ويمكن من خلال تجربته أن يدعو بقية الطغاة الآخرين الاقتداء به كمنقذ لشعبه من ضربة حرب محتملة تُشن عليه من قبل الغرب والولايات المتحدة. لكنه مثل النعامة التي دفنت رأسها في الرمال وتركت صناديق المواد الاشعة والكيمياوية في عشها وحول بيوض أنسالها القادمين.
كما جرى تلميع دور سيف الاسلام القذافي ووصفه بأنه داهية أخرى، يمتلك شيئا من الذكاء والعقلانية تارة والمراوغة والحيلة تارة أخرى وهو يسعى بإخفاء بعض المواد الخطرة والمساومة بها مع الغرب ليكون الوريث القادم لحكم ليبيا. وثائق ويكيليكس تحدثت عن تعنت القذافي الأب تارة حيلة ابنه سيف الإسلام تارة أخرى، وصورت النظام الليبي بالثعلب الماكر، من أنه ليس بتلك السهولة في قبول الخضوع التام للإملاءات الأمريكية على نظامه في الخضوع لجملة الشروط المتتالية عليه أو تنفيذ تلك الاتفاقات التي اتفق بها مع الأمريكيين سراً وعلانية.
لقد ورد من خلال نشر وثائق ويكليكس في نوفمبر 2009 انه: " [... كانت الخطة تقتضي أن يشحن اليورانيوم على متن طائرة شحن روسية ضخمة، وهي من ضمن طائرات قليلة متخصصة ومجهزة بالمعدات لنقل مواد نووية على مستوى العالم، وفي العشرين من نوفمبر، وقبل يوم واحد من مغادرتها إلى منشأة نووية في روسيا، قام مسئولون ليبيون، وبشكل غير متوقع بإيقاف تلك الشحنة، من بدون شروح مسبقة حين أعلنوا أن اليورانيوم سوف لن يُسمح له بمغادرة ليبيا، وقد تركوا السبع دانات" العلب" الحاوية على ذلك اليورانيوم، بحاوياته ذات وزن خمسة أطنان للواحدة منها في العراء وتحت حراسة بسيطة، وهي مُعرضة للسرقة من طرف تنظيم القاعدة، الذي كان لازال ناشطا في المنطقة، أوالسرقة بواسطة حكومة خارجة عن القانون قد تكون علمت بوجوده"].
بطبيعة الحال حمّلت تلك الوثائق نظام القذافي مُسبقا المسؤولية الناجمة عن كافة الأخطار النووية المحتملة بسبب مثل ذلك الإهمال لخزن وتواجد مثل تلك المواد الخطرة إشعاعياً على ليبيا وعلى العالم. وقد نقل موقع "ويكليكس" ومجلة أتلانتيك في وثائقهما المنشورة المتسربة عن وثائق الادارة الامريكية وسفاراتها أخباراً عن: (... قيام دبلوماسيين روس وأمريكيين بالتفاوض مع ليبيا لمدة شهر ويوم للإفراج عن ذلك اليورانيوم وشحنه إلى الخارج... وفي نفس الوقت قام المهندسون من كلا البلدين بالعمل على تأمين تلك المواد النووية وحمايتها من السرقة والتسريب، وهي مخاطر حقيقية كانت محتملة الوقوع طالما كانت تلك الدانات" العلب" موضوعة في العراء).
وفي الواحد والعشرين من ديسمبر2009 سمحت ليبيا أخيرا للطائرة الروسية بنقل "الدانات"، لينتهي رسميا ما أطلق عليه برنامج ليبيا للأسلحة النووية، ومعها ما تبقى مما يسميه القذافي والغرب من لعبة الابتزاز النووي الليبي التي كان يلعبها كل طرف للأغراض التعبوية والسياسية والإعلامية على حساب تعاسة الشعب الليبي والتفريط بأمواله وتنميته الحقيقية. بطبيعة الحال لم يسرب موقع ويكيليكس وغيره كل شئ عما جرى فعلا خلف الكواليس الامريكية، كما يتوهم البعض، بل تم حذف بعض التفاصيل الفنية لهذا الموضوع، بالإضافة لحذف أسماء كل المسؤولين الأمريكيين في ليبيا ممن تابعوا الملف أو ما سمي بتصفية " مشروع القذافي النووي".
وكما تُلوح الأوساط الأمريكية والأوربية باحتمال فتح أمثال ملفات لوكربي من جديد لإدانة نظام القذافي بجرائم ذات صلة بالإرهاب الدولي، فلا يستبعد أن تثار قضية إخفاء بعض المواد النووية والمشعة والكيميائية في صحارى ليبيا، كتهمة جاهزة تستخدم ضد مصالح وتطلعات الشعب الليبي في كل وقت. وتستغل قضية الإشارة إلى طريقة خزنها السيئة، وعدم حراستها او سقوطها بيد القاعدة... الخ. كحجج للتخويف والترهيب وحتى للمساومة أو تبرير التفتيش للأراضي الليبية في كل وقت يشاؤون.
لقد بدأت تتكشف للعالم، سواء عن طريق الصدفة أو عن طريق التفتيش، العديد من الحالات التي تتواجد فيها مواد كيميائية خطرة متروكة من دون حراسة أو متروكة في العراء الليبي، ومنها الحالة التي كتبنا عنها في موقع مجموعتنا " رقان في الذاكرة" على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" عن توارد لأخبار مصورة عن مثل [ خزانات غاز الخردل التي بدأ الغاز يتسرب منها في ليبيا] راجع المواقع:
وسبق أن علقنا عليها برسالة موجهة إلى الأستاذ عبد القادر الفيتوري المشرف على موقع "صرخة الصحراء" ونُشرت على الموقع هذا الأسبوع ، كما أُرسلت تلك الرسالة إلى جهات عدة معنية بمثل هذا الأمر ، نلخص منها ما يلي.
اكتشف فصيل من وحدات الليبيين الثوار أربعة صهاريج مملوءة بغاز الخردل، منها تظهر في الصورة بأنها باتت مثقوبة بفعل فاعل، ويتسرب منها الغاز بشكل مباشر، وهي متروكة في العراء من دون حراسة أو تطهير أو معالجة. الرسالة والفلم الذي نشرناه حال وصوله الينا على صفحتنا في الفيسبوك وعلى موقعنا "صرخة الصحراء" سيزيد من قلقنا وأحزاننا على المصير الليبي بعد التغيرات العاصفة في البلاد والانفلات الأمني السائد، ومثل هذه الأخبار تكشف عن مدى الإهمال الذي لا يمكن السكوت عنه بأي شكل من الأشكال في ليبيا وغيرها. يكفينا ما حدث من مأساة لإستعمال غاز الخردل أو غيره من الغازات السامة في مدينة حلبجة العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية شمال العراق قبل عقود مضت. الكل يحاول اليوم تبرئة ساحته ونفسه من المسؤولية ويدين الآخرين بإثبات أو بدونه. لكن حقيقة ما جرى من قتل وإبادات وفضائع باستخدام الاسلحة الكيمياوية والغازات السامة خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية يثير الاشمئزاز والإدانة، وتدعونا جميعاً لوقف الموت المجاني المستمر في هذا القطر العربي أو ذاك.
الموت هنا وهناك تم ويتم بدم بارد في مدن وجبهات وساحات وصحارى ومواقع، القليل منها معلومة وأكثرها ظلت مجهولة، إلى هذه الأيام، ويصعب على المرء والمراقب وحتى الهيئات الوطنية والدولية المتخصصة إحصاء ضحاياها.
وكما تُركت مواقع عدة من غير حراسات بسبب سقوط الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي على العراق وتم نهب المواقع العسكرية والمدنية تكرر ذات السيناريو في ليبيا. هناك مدن اختنقت ومات سكانها بصمت ونسيان مريب بالمواد الكيميائية وتسرب الغازات السامة، ومنها الخردل،والسيرين وغازات أُخرى تمتلأ بها خزائن الطغاة والأعداء من كل صوب.
علينا أن نعترف لشعوبنا، مهما كان ثمن الصراحة المرة، بأن البيئة قد تلوثت ويموت الكثير من الأحياء والضحايا من أهلنا بصمت بسبب تلوث البيئة ومكوناتها، وتتضاعف الحالة وتتراكم بشكل متوالية هندسية بسبب إهمال السلطات السابقة والجديدة لواجباتها؛ فرغم علم العديد من الحكومات بالوضع الكارثي الموروث عن عهود سابقة وما نتج عن الحروب والصراعات والغزوات لازال التجاهل هو الحال السائد، ولم تجر أية عمليات للتخلص من تلك النفايات الضارة بشكل علمي ومدروس والعمل على تطهير المناطق المنكوبة. وبانتظار القيام بذلك لابد من رصد ميزانيات لأعمال باهضة التكاليف. ومثل هذه العمليات تحتاج إلى خبرات دولية وهيئات متخصصة. ووقائياً لا بد من عزل تلك المناطق وتسييجها وحراستها بشكل تام، وحتى يمكن إجراء عمليات إخلاء سريع وإجلاء السكان من المناطق الملوثة والمنكوبة. كما أن الجهل والتكتم الواسع على تأثيرات السموم الكيميائية وانتشارها دون حدود ورقابة هو السائد والغالب والمطبق على إعلام دولنا وحكوماتنا فلا بد هنا من إجراء توعية اعلامية واسعة تشمل تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات ومنظمات المجتمع المدني.
الحالة الليبية مأساة عربية أخرى تتكرر بجهل وتناسي أخطار مثل هذه السموم، فالكثير من الشواهد تشير إلى أن عملية تركها وبهذه الصورة الفظة قد تم بعناية وتدابير مقصودة وتنفيذاً لمآرب عدة ستكشف عنها الأيام، وستبقى غامضة الى حين في الوقت الحاضر. من يتصور أن موقعاً واحداً فقط، كالذي شاهدناه على مواقع اليوتيوب جاء من ليبيا يمر أمام مشاهداتنا هكذا من دون شعور بالخيبة والذنب وتتداوله مواقع الاعلام وكأنه مشهدا عادياً. ولأننا نجهل أخطاره القاتلة والكامنة في درجة سميته فنحن متهمون إما بالغباء أو اللامبالاة. المشهد يبدو من بين عشرات المواقع الأخرى المجهولة يكشف عنه فلم قصير ومتحدث غير مختص، لكن ماسمعناه منه من طلب الاستغاثة ان الرجل كان مدركاً لفداحة الأخطار المرتقبة وهو يطالب نخوتنا بالاستغاثة السريعة لحماية أرواح الأبرياء. فلم قصير ببضعة دقائق يلخص حجم واحدة من المآسي العربية المنسية في أطراف المدن الليبية، وحين يظهر شبح الموت أمامنا مجسداً في حجوم كبيرة من الصهاريج والخزانات المملوءة بغاز الخردل، انه خطر لايستهان به ولن يغفر الله لنا بلادتنا. منظر أحد الخزانات الأربع يبدو مثقوباً ويغلق المتحدث في الفلم الثقب بغصن رفيع، وبدأ المنظر خطراً حين تدفق غاز الخردل بلونه البني واضحا. الفتحة المثقوبة برصاصة، كما تظهر في الصورة يتسرب منها غاز الخردل بكثافة عالية نتيجة ضغط الغاز في الصهريج الممتلئ عن آخره والذي بدأ عليه التآكل والصدأ بفعل تفاعلات المحيط والرطوبة والمواد الكيميائية. مشهد مأساوي حقاً عندما يستنجد السكان العزل من دون أن يستجيب لهم أحد، طالما ان الحكومة وفصائل الثوار المسلحة في ليبيا لاهون في عد المغانم المادية والسياسية والوظائف والامتيازات الجديدة واقتسام ما تبقى من تركة نظام القذافي.
يكفينا أيها السادة ما حدث في مأساة موقع التويثة النووي العراقي بعد التاسع من
أفريل / نيسان 2003 عندما غفل العراقيون عن صيانة وحماية استقلال بلادهم وترك البعض منهم الأمريكيين يسودون ويحكمون العراق بحجة " إسقاط نظام طاغية" أو " نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق"، لكنهم وبعد احتلالهم بغداد بيومين، كانت وجهتم الأولى بها هو مبنى وزارة النفط العراقية والمركز النووي العراقي في جنوب بغداد في منطقة التويقة، إضافة الى خزائن المتحف العراقي وكنوز الحضارات العراقية. السكان المحليون القاطنون بجوار المركز النووي العراقي، وهم في غالبيتهم من فقراء وسكنة أحزمة الفقر المتناثرة في محيط منشئآت المركز النووي العراقي في التويثة، جنوب بغداد، لم يحلموا يوما من الاقتراب من أسوار المركزن فكيف وهم يرون القوات الامريكية شجعهم المرتزقة والعملاء المرافقون لهم كسر الابواب والشروع بنهب المركز النووي ومحتوياته بموافقة أمريكية.
هو مشهد من مشاهد فضاعة الاحتلال الامريكي وجرائمه المخططة ضد العراق، موضوعة منذ عقود رأيناه مجسدا ومنقولا على المباشر عندما تركت القوات الأمريكية السكان وهم يدخلون دون منع أو رقابة الى المركز النووي. تثبت شهادات موثقة " أن هناك من المرتزقة المدربين المرافقين للدبابات الأمريكية هم من وجه المخربين والغوغاء وقادهم إلى حتوف الموت في تماسهم المباشر مع المواد النووية الخطرة، وهم من تركهم ينهبون بنايات المركز النووي، ويحملون منه ما أرادوا من الأواني والمعدات والخزانات المملوءة بالمواد المشعة بعد أن تم تفريغ حمولتها في العراء، وفي ساحات المركز النووي".
شمل التلويث الاشعاعي محيط المركز السكاني حتى إمتلئت شوارع الأحياء والمزارع القريبة من موقع التويثة بالمواد السامة والإشعاعية القاتلة، كما صورت كامرات التحالف الأمريكي ووكالات الإعلام المرافق لدبابات الاحتلال أولئك الفقراء التعساء وهم يحملون الى بيوتهم غنائمهم من بقايا اليورانيوم المخصب من دون علمهم بالمخاطر ليعجنوه مع رغيف خبزهم ويشربوه في مياههم الملوثة، نعم تلك صورة الهدية الامريكية لتحرير العراق مجسدة في إقتسام كميات من ما يسمى بـ "الكعكة الصفراء" في أرجاء المكان الذي تركته القوات الأمريكية بعد أن مكنت الجهلة من التخريب والنهب. هربت القوات الامريكية بجنودها وخافت من الاقتراب من بقايا ركام المكان الذي كان معلماً علمياً، تخوفت الوحدة الامريكية الغازية للمركز النووي من الأخطار التي ستلحق بجنودها فغادرت المكان ليقتل العراقيون بخسة ولؤم.
تم ذلك أمام مرأى وأنظار وخبراء القوات الأمريكية وبعلم فرق تفتيش أسلحة الدمار الشامل الأممية والأمريكية التي هاجمت المكان وزارته اكثر من مرة علنا و بغتة في ليل الغزو والسنوات السابقة خلال فترة الحصار، فقد سبق للولايات المتحدة والامم المتحدة أن تعرفت على مكوناته خلال جولات فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية واطلعت على تقارير الجواسيس الذين لبسوا بزات الفرق الاممية كخبراء نوويين.
كان بليكس والبرادعي وبتلروغيرهم في مقدمة الجواسيس وهم يعرفون بالضبط ماذا كان يتواجد في ذلك المكان. وكما اعتقلت قوات الاحتلال في الساعات الأولى من دخول بغداد عدداً من علماء العراق، وطردت ما تبقى من الخبراء النوويين العراقيين من المركز من الذين حاولوا منع التخريب المتعمد عندما رأوا المركز النووي يُنهب من قبل الدهماء والمخربين فهبوا بأجسادهم وأياديهم العارية لحماية منشآتهم العلمية والنووية الوطنية التي بنوها وطوروها خلال أكثر من ثلاث عقود متتالية.
لقد احتل الغوغاء والسُراق والجهلة والنهابون والفضوليون والعملاء بنايات المركز النووي العراقي في التويثة، وتم نهبه وتخريبه بحضور وحدة المارينز المتخصصة ومعها خبرائها النوويون والكيميائيون، وبذلك نفذت الادارة الامريكية واسرائيل واحدة من مهام الاحتلال بتنفيذ مهمة التخريب الكامل للمشروع النووي العراقي السلمي. وبعد انسحاب الوحدة الأمريكية وخبرائها ممن كلفوا بمعاينة المركز حال دخوله ومن ثم تخلوا عن حراسته عندما سجل الإشعاع المتسرب عن تبعثر المواد النشطة إشعاعيا. هل هي صدفة؟ أم عمل منظم؟ أم جهل بالأقدار القاتلة والمبيتة للمستقبل؟.أسئلة سيجيب عنها المستقبل؟.

القوات الأمريكية التي بررت احتلالها للعراق تمسكت بحقها في التفتيش عن مواقع أسلحة الدمار الشامل وإلغائها والتخلص منها، وهي كانت مطلعة على ظروف المركز ومحتوياته من خلال تقارير فرق التفتيش التي زارته طوال 12 سنة من المراقبة الاممية. وعندما غزت القوات الامريكية العراق ودخلت بغداد في الاسبوع الاول من نيسان/ افريل 2003 سارعت الى تفتيش المركز بعد احتلاله عسكريا في الساعات الأولى لوصولها، وهي التي سمحت وقررت بالعبث والتخريب لمحتوياته رغم معرفتها المسبقة بالأخطار الناجمة عن التلويث الإشعاعي وانتشار المواد الخطرة في محيط بشري كثيف بالسكان.
ويقيني ان ذلك قد تم عن دراسة وسابق قصد ومعرفة وإدراك بالعواقب الوخيمة الناجمة عن انتشار التلويث الإشعاعي والكيمياوي في العراق، حتى يمكن للجهات الامريكية لاحقاً إلصاق المسؤولية على عاتق العراقيين وعلمائهم وقادتهم السياسيين. يمكنكم ان تجدوا عدداً من المقالات التي كتبناها ونشرناها في حينها على عدد من المواقع الالكترونية بعنوان "كارثة التويثة النووية في العراق"، والتي ناقشنا فيها وفضحنا ما جرى من إجرام متعمد في تلويث منطقة التويثة وجنوب بغداد، وما سببته تلك الجريمة الإشعاعية من التلويثات الإشعاعية الخطرة من وفيات وسرطانات وقتل مروع بالسكان المحليين على أطراف ومحيط مدينة بغداد الواسع.
وقد فسرنا ذلك حينها بالأدلة والقرائن الاهداف والمقاصد والغايات الامريكية في تدمير العراق وتحويل شعبه الى حالة بائسة من المرض والفقر والتشرد، وجاءت الوقائع التالية في سنوات الاحتلال التسع المتتالية لتؤكد للجميع بأن الأمريكيين قد سمحوا لمثل هذا التلويث والتخريب للمركز النووي العراقي وغيره من المراكز العلمية والجامعية عن قصد وسابق معرفة وإدراك للمخاطر المحتملة، وهم حين شجعوا بعض السكان المحليين وبتحريض من عملائهم والفرق المتخصصة والمدربة على نهب ما تبقى من ممتلكات المركز النووي العراقي أكملوا الجزء الثاني من الجريمة في قتل وتصفية المئات من الكوادر العراقية والعلماء الذين يمكن ان يقفوا بوجه الكارثة. هكذا خططوا ليغطوا بذلك على جريمتهم النكراء المعروفة باستخدامهم المفرط لأعتدة اليورانيوم المنضب في عمليات القصف الواسعة منذ العدوان الثلاثيني على العراق صباح 17 جانفي 1991، وخلال عمليات القصف في سنوات الحصار الظالم على العراق ما بين سنوات (1991 ـ 2003) وعندما قرروا غزو العراق فقصفوا أعداداً متزايدة من الأهداف المدنية والعسكرية في بغداد وخارجها من اقصى شمال العراق الى جنوبه، فتسببوا في واحدة من أكبر الكوارث النووية والإشعاعية على الكرة الأرضية بانتشار مئات وآلاف الأطنان من أعتدة اليورانيوم المنضب، وكي يختلط الحابل بالنابل نجح الأمريكيون في أن يختلط العامل التدميري الإشعاعي بالكيميائي وحتى بالجرثومي لتكتمل عمليات الإبادة المنظمة لشعب العراق خلال سنوات الحصار وبعدها سنوات الاحتلال وسوف تستمر المأساة الى عقود أخرى من السنين ما بعد الاحتلال.
بالمثل جرى في ليبيا، ولو بأسلوب وظرف وتوقيت آخر، وبتعمد ترك مثل هذه المواد الكيميائية الخطرة في العراء وفي أكثر من مكان في ليبيا وهم يعلمون مواقعها وكمياتها وأنواعها، ويعلمون أيضاً انها تركت في مناطق مكشوفة، ومنها الكثير الذي سيقع في متناول أيدي السكان العاديين، وقد تركت المواد الخطرة، كغاز الخردل، من دون حراسة ومراقبة او حتى معالجة كيمياوية أو دفن أو تطهير، وهي بمجملها حالات تعبر عن جريمة دولية منظمة لا تخلو من غرابة التكرار المتعمد من قبل بعض الوصايات الدولية المسؤولة عن مثل هذه الحالات، كالوكالة الدولية للطاقة الذرية وهيئات البيئة والصحة والزراعة وغيرها من منظمات الأمم المتحدة. ما يجري في ليبيا جرى قبله في العراق بشكل أشبه بالاستنساخ.
ان من فتشوا عن أسلحة الدمار الشامل في ليبيا من خبراء الناتو وهيئات الأمم المتحدة وغيرهم، وما جرى تسريبه من معطيات متفاوتة الدقة في وثائق ويكيليكس وقرأها العالم على الشبكة المعلوماتية حتى قبل سقوط نظام القذافي، قد تناسوا مثل هذه الحالات الخطرة بعد رحيل القذافي، وسكتوا عن المطالبة بحماية السكان من أخطار الكوارث النووية والكيميائية المحتملة الناجمة عن تسرب تلك المواد الخطيرة وسيادة الانفلات الأمني في ربوع ليبيا الشاسعة. وحتى تلك المعلومات التي جرى تسريبها ونقلها الإعلام المُعولم بأشكال وصيغ ولأهداف عدة، كان ظاهرها العام هو العمل على إدانة نظام القذافي وكشف مدى استهتاره في التعامل عند امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، والعمل على تصويره كنظام مغامرا قد يلحق الأذى بشعبه أو بمصالحهم ومجتمعاتهم ورعاياهم ، أو يحاول أن يبتزهم بامتلاكه الأسلحة النووية والكيميائية، رغم علمهم الكامل بأن إداراتهم السياسية لمثل هذه الأزمات قد أحكمت التسيير والتحكم بالقذافي ونظامه وجعلته ينتقل تدريجيا تحت الإشراف الطوعي والمباشر لدوائر الغرب وسياساته وخبرائه .
مثل هذه الأمور ستبقى مقلقة عندنا اليوم، بانتشار مثل هذه المواد من دون رقابة وطنية أو دولية محكمة، وبقاء مثل هذه الحالات سلاح ذو حدين بيد الغرب ودوائره السياسية، فمن جهة يمكن أن يستغلها بأنها مواد خطرة قد تقع بيد الإرهاب وعصابات القاعدة و بها سيبرر تدخله في الشأن الليبي والإفريقي. ومن ناحية ثانية سيبررها الغرب أنها جرائم ضد الإنسانية ستبقى جزءا من تركة وإهمال نظام القذافي وحكمه، وتعكس عدم احترامه لحياة مواطنيه ورعيته ونظافة بيئته. وسوف يستعمل الغرب مثل هذا الحدث وغيره في سياسات تستنزف الدولة الليبية الجديدة بحجة فضح تركة نظام القذافي وتجريده من أسلحة الدمار الشامل التي كانت ليبيا متهمة دائما بحيازتها ويطالب الحكومات الليبية القادمة على تقديم ولاءات الطاعة للنظام الدولي الجديد والسماح بتفتيش الأراضي الليبية في أي وقت والقبول باستخدام الخبراء والشركات الغربية في مقاولات تطهير الأراضي الليبية من التلويث الإشعاعي والكيميائي.
ان عددا من الشركات الغربية بدأت تتحدث عن مطامعها في تقديم مشاريع ستستغل مثل هذه الاكتشافات عن وجود انتشار لمواد كيميائية وأسلحة خطرة وبدأت بتقديم عروضها في العمل في ليبيا الجديدة وتعد بأنها قادرة بخبراتها على تطهير مثل تلك المواقع المشتبه بها. مثل هذه الأعمال والمقاولات ستكون باهضة التكاليف والأثمان وستضاف إعتماداتها المالية إلى الفاتورة الثقيلة التي دفعتها وستدفعها الخزانة الليبية من ما تبقى من مدخرات الاحتياطات المالية الليبية المستنزفة اليوم لصالح العديد من الجهات والمصالح الدولية الطامعة بسلب ليبيا وتجريدها من كل حدب وصوب.
نتفق أن نظام القذافي يتحمل كثيرا من الآثام والجرائم المعروفة التي اقترفها في سني حكمه، وهي مسجلة في حسابه ووثائق تجريمه منذ سنوات طويلة، لكن ترك مثل هذه الأخطار البيئية المحتملة وخاصة تلك الناجمة عن تسربات وانتشارالمواد المشعة أو الكيميائية، كغاز الخردل وغيره، الى مكونات البيئة الليبية، بعد سقوط النظام لا يعفي السلطات الليبية الجديدة من أخذ مسؤوليتها عن عدم الإحتراز المبكر لهذا الموضوع والانتباه له، وسوف تتم محاسبتها عن عدم المتابعة لتركة النظام السابق وما خلفه من كوارث نتيجة استهتاره وعبثه. كما لا يمكن التغافل عن إقدام عصابات النظام السابق وعملائه ومناصريه في استخدام مثل تلك المواد في أعمال خطرة وإجرامية ضد خصومهم والحكم الجديد إذا ما توفرت لديهم الفرصة السانحة. كما أن ترك مثل هذه المواد الخطرة في متناول سهل بيد السكان العاديين، وهي عرضة للعبث بمصير الحياة أو تركها قريبة من عبث الجهلة والفقراء والأطفال اليافعين، الذين يجدون في مثل هذه الاسطوانات والخزانات والحاويات والصهاريج والمعدات الأخرى، ومنها المضخات والمكائن وتحويلها إلى السوق، حيث سيستخدمها البعض مواداً للاستعمالات المنزلية والحياتية الاخرى أو بيعها في أسواق الخردة ورميها في مكبات النفايات الحديدية، ومنها ما ستتسرب إلى أماكن أخرى وحتى إلى دول مجاورة، وبذلك سيتضاعف معها حجم الأخطار المحتملة، ويتوسع معها حجم ومساحات التلوث الكيميائي والإشعاعي للبيئة الليبية والإفريقية.
لابد من دعوة الحكومة الليبية الحالية والهيئات الدولية للقيام بواجباتها وتحميلها كل المسؤولية السياسية والقانونية لأجل حماية السكان ومنع تلوث البيئة الليبية على نطاق واسع. ويمكن ان ترسل مثل هذه الوثائق والأفلام والشهادات والتقارير التي يجري تداولها اليوم بشكل متزايد إلى هيئات البيئة والصحة والدفاع المتخصصة وإشراك هيئات الأمم المتحدة ومن يمثلها في ليبيا والجامعة العربية في إيجاد الحلول والشروع في التخلص من المواد المضرة منها وإجراء التطهير اللازم.
لا يمكن التعايش مع مثل هذه الأخطار القاتلة أو التغافل عنها ولو لأيام وساعات؛ لأنها ستبقى كارثة مفتوحة على كل الاحتمالات في كل وقت ومكان، وخصوصا أن قضية التعامل مع تسرب الغازات الكيميائية السامة والخانقة باتت مشكلة دولية مقلقة للجميع.
إن ما اكتشف في هذا المكان الذي شاهدناه في الصور الموثقة الأخيرة، ومن خلال مشاهدة الخزانات والصهاريج الأربعة، نقدره بأنه يعادل آلاف الألتار من غاز الخردل المتروك في العراء من دون رقابة أو حراسة. كما أن تسربه يكفي لإبادة سكان مدينة متوسطة الاتساع، ويمكن أن تتجاوز الكوارث وأخطاره المميتة والقاتلة مساحات خطرة أكبر من موقع تواجد تلك الصهاريج؛ إذا ما ترافق انتشار الغاز القاتل مع مواسم هبوب الرياح في يوم عاصف.
وكما حدثت عمليات نهب المفاعل النووي العراقي بحضور ووجود القوات الأمريكية، فإن ما يتكرر الآن في ليبيا من مشاهد العثور على مواد تدخل في صناعة واستخدام الأسلحة الكيميائية غير بعيد عن تلك اللعبة الأمريكية القذرة. فمشاهد العثور على مواد كيميائية خطرة وتركها بيد الجمهور وفي مناطق مكشوفة وخطرة على حياة السكان هي ذاتها رصدناها وسجلناها في العراق، فالقوات الأمريكية كانت متسامحة مع الغوغاء وهم يهاجمون وينهبون المخازن العراقية، وكانت متواطئة مع اللصوص والمغامرين في محاولات نهبها ونقلها وحتى تخزينها، كما أنها تركت آلاف الأطنان من خزين قواتها بعد الانسحاب ووقعت اتفاقات مشبوهة مع حكومة المالكي للتخلص أو دفن تلك النفايات الكيميائية القاتلة في العراق وحتى في محيط القواعد الأمريكية في الكويت وقطر والبحرين والشمال السعودي، وكثير من التقارير تشير إلى تسرب جزء كبير من تلك المواد المشعة إلى بيوت المواطنين لتركها في العراء، كما تمت سرقة المعدات النووية والأجهزة والمخابرالعراقية وسقوطها بيد اللصوص والنهابين وتجار الخردة وحتى إلى أيدي الجمهور العادي الذي اكتسح بالأمس مركز التويثة النووي العراقي ونهبه عن آخره، بما فيه الشبابيك والأبواب وأقفاص الحيوانات ومجاميع الحشرات التي كانت تحت التجارب وتكرر ذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية من بعض القواعد التي استقرت بها طوال السنوات التسع السابقة.
أدى حادث تلويث التويثة الكيميائي والإشعاعي وما جاورها ونهب المخازن العسكرية والمدنية ألأخرى إلى مشاكل بيئية وصحية خطيرة وواسعة ببغداد وغيرها من المحافظات يتم السكوت عنها من قبل أطراف عدة متواطئة حول هذا الموضوع. واليوم تكتشف مواقع عدة جرى فيها طمر النفايات الكيميائية لتي تركتها القوات الأمريكية في صحارى العراق وغير بعيد عن المدن العراقية المكتضة بالسكان. وسوف يعلن عن اكتشافها مستقبلا بأنها تركة من نفايات النظام العراقي السابق عندما يحاول الأمريكيون تبرئة أنفسهم من تلك الجرائم.
وحول الوضع الليبي كانت هناك تلميحات وردت في نصوص ويكليكس المسربة من وثائق الإدارة الأمريكية تنص صراحة بالإدانة المسبقة للنظام الليبي وتبعاته وسوف يستخدمها الأمريكيون في أي وقت يشاءون وكذلك الغرب عندما يفتحون الملف البيئي الليبي. نقتبس إلى بعض من تلك التسريبات من موقع الويكيليكس: (... إن الزعيم الليبي معمر القذافي كان على استعداد لان يترك كميات من اليورانيوم العالي التخصيب في بلاده عرضة لاستيلاء الإرهابيين عليها، أو تعرضها لانصهار مدمر، لكي تتعلم الأمم المتحدة درساً أراد أن يلقنها إياه).
كما أشارت تلك الوثائق أيضا إلى: (... أن شحنة من سبعة براميل معدنية ـ تزن كل منها خمسة أطنان مختومة لغايات النقل، وليس التخزين ـ تُركت في باحة إحدى المنشآت النووية الليبية، من دون حراسة، إلا من حارس مسلح واحد. وفزع منها دبلوماسيون أمريكيون وروس وسارعوا الى محادثة مسؤولين ليبيين حول هذا الأمر، بينما حذر علماء: من أن اليورانيوم داخل البراميل كان بدرجة عالية من الإشعاع، وان حرارته بدأت ترتفع بسرعة... وكانت تلك المواد في الأصل جزءاً من خطة القذافي لإنتاج أسلحة نووية). النصوص كثيرة لكن صيغتها تعبر عن أهداف مستقبلية مبيتة عند اللزوم.
هل سيعاد سيناريو اتهامات العراق ونظام الرئيس صدام حسين في العراق بحيازته على الأسلحة النووية في الوقت الذي كان الشعب العراقي يموت يوميا بالإشعاع الناجم عن قصف أعتدة اليورانيوم المنضب الأمريكية، وتسرب المواد المشعة والكيميائية من المراكز النووية العراقية والمخازن العسكرية والمدنية المنهوبة أمام أعين وكامرات القوات الأمريكية الغازية، إلى المحيط الحيوي للمدن والى أيادي السكان
ا.د. عبد الكاظم العبودي

ليست هناك تعليقات: