03‏/10‏/2012

- 3 - صديقي وكتابي



3 – صديقي وكتابي

     شيء من قصة كتابي الذي حمل عنوان " المذهب الظاهري والمنطق " (1) - دراسة تهتم ببيان العلاقة بين المنطق وأصول الفقه – اثأر فضول صديق بقى على الدهر صديق لي . واستنفر حفيظته بالسؤال . فما أن  أنهى  قراءة فصول الكتاب وتفكيك متضمناته . قال : الكتاب ذرة نفيسة لكنني لا أرى تفسيرا مناسبا  لعبارة الولاء في الافتتاحية والتي تقول :

إلى الذي ظلت نفحات فكره تبرا منثورا
تكسو الأرض بأزاهيرها
وتعبق السماء برياحينها
 
     لعلك كنت خائفا إلى حد بعيد ، ولربما ارتعدت من تلك العقلية المؤمنة بفكرة الإبادة بالجملة في معسكرات الاعتقال ، وكأنك تبحث عن ترياق ضد الحماقة الإنسانية . أم كما يقال " خير الوفاء النصيحة " عملا بالمبدأ الذي ركن إليه اغلب الفقهاء : ليس على العالم أن يثور على الحاكم حتى ولو تفاقم جور هذا الأخير . بل عليه أن يقدم إليه النصيحة على النحو الذي لا يثيره ولا يستثير رعيته  ؟
     قلت : ليس ببعيد من هذا  : فعهد الدولة العامرية الذي يعد أزهر عهود العرب في الأندلس حتى أضحى الأندلس فردوس زمانه في البلاد الإسلامية - موضوع الكتاب - ، يحمل الكثير من العبر التي تتماهى في وقائعها أربع عقود من الاستبداد . وكذا نهاية التوريث وما أفضت إليه من فرقة سياسية أنتجت ما عرف تاريخيا " دول الطوائف " . وكأنها النهاية عينها ، في أسوأ صورها ، حالة التشتت والانقسام .  مع فارق .! فمن الاستبداد ما هو منتج ، ومنه ما هو عقيم . وان كان كلاهما يفضي بالضرورة إلى خاتمة مرعبة ، ومشهد دامي لا إنفكاك  عنه . إنها الصيرورة التاريخية .
   قال رجل لهارون الرشيد : يا أمير المؤمنين إني أريد أن اعظك بعضة فيها بعض الغلظة فاحتملها . قال : كلا ، إن الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو اشر مني . قال لنبيه موسى عليه السلام إذ ارسله إلى فرعون : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى ) . (2)
     ثم أردف  قائلا : تذكرني فعلتك إلى حد بعيد بحالة السأم التي تناولها احد ابرز المثقفين العرب المعاصرين عندما اعتبر جهد المثقف نحو تقويض السلطة السياسية المفرطة أو المستبدة من طرف الكاتب أو المثقف تنضوي على خطاب شعبوي ، ونوعا من التطلع إلى دور لا يجد له سندا تاريخي في تراثه  . حين يقول : " " هناك دعوى يدّعيها مثقفونا لأنفسهم ، من أنهم قادة الفكر ، وان لهم دورا حاسما في عملية الريادة والتغيير الاجتماعي والسياسي .. والواقع أن حديث مثقفينا عن أنفسهم يحمل نبرتين متنافرتين : فهم من جهة يرون في أنفسهم أنهم الرواد ، وان لهم رسالة ، وأنهم صناع الوعي بالتغيير . ولكن حديثهم يحمل أيضا ، من جهة أخرى وفي الوقت نفسه ، نبرة المرارة ، إذ هم عادة يتأسون من عدم الاعتراف لهم بهذا الدور ، وأنهم لا يؤثرون كبير تأثير في واقع الأمور ، وأنهم ليسوا عنصرا فعالا في التأثير في القرار السياسي ، ولا في الرأي العام .
    .. والواقع أن حديث المثقفين العرب عن دورهم جاء من مصدرين : من كتاب القرن الثامن عشر – عبر وسائط وأصداء في الغالب – ومن مصدر ماركسي يبدأ بأطروحة ماركس الشهيرة عن فيورباخ ، من أن مهمة الفلسفة ليست تفسير العالم ، بل تغييره ، .. وقد نتج من هذا كله لدى المثقفين العرب خطاب شعبوي عن ضرورة تبني المثقف قضايا الشعب ومطامحه .
والسؤال : ما هو السند الذاتي للمثقف العربي في تراثه الثقافي حين يدعي لنفسه دورا او حين يطمح إليه ؟ " . (3)
    قلت : ليس ببعيد من هذا ، بل وفيما ذكر ما يعزز خيار التوجه إلى صانع القرار لا إلى الرأي العام . وان كان الكاتب عندما يعود بنا إلى مصادره ينقل لنا  حقيقة تفيد أن التأثير سيأتي عاجلا أم آجلا ، لكنه يشترط وجود ما نفتقد وجوده اليوم ، مجتمع مدني قادر على التأثير والوقوف كسلطة قائمة في مواجهة سلطة حاكمة .  حين يستشهد قائلا : " منذ القرن الثامن عشر بدأ الكتاب يتحدثون عن الظاهرة الجديدة ، ظاهرة الرأي العام ، كسلطة للمجتمع المدني في مواجهة سلطة الدولة ، وهو ما يعبر عنه احد كتاب القرن حين يقول : ( إن مملكة أهل الفكر ، وان كانت غير مرئية ، لهي أوسع الممالك وأقواها . وان أهل الفكر هم الذين يحكمون لأنهم يصنعون الرأي العام الذي باستطاعته عاجلا أو آجلا أن يتغلب أو يمحو كل شكل من أشكال الجمود ) " . (4)
   " هناك افتراض اساسي بين المثقفين مؤداه ان كل ما يحققونه من نجاح انما يحققونه بالخداع والمساومة " (5) . تأمل معي المشهد الثقافي العام عصر الانقلابات العسكرية في توصيف لمفكر معاصر واحد اعلام الحقل الفلسفي ، ومحصلة الصورة القاتمة في اعتمادها على تجنيد المثقفين ضد مصالح شعوبهم ، ومحاصرة العامة بالخاصة ، وتزييف وعي الجماهير من خلال وضع الاعلام في ايدي مثقفي السلطان . وهو يتسأل عن جدوى تدريس فلاسفة التنوير وتحرير الأذهان بأفكار الحرية والعدالة والمساواة . لينتهي الى اقرار حقيقة تصف المشهد في العموم : " كان الضباط الاحرار بلا مفكرين احرار ثم صاروا ضد المفكرين الاحرار من الجيل السابق ومن هذا الجيل حتى اختفى المفكرون الاحرار من جيلنا واصبحنا موظفين لدى ( الثورة ) ، نقف خلفها بدل ان نكون في مقدمتها ، مبررين لقراراتها بدل ان نكون ناقدين لها " . (6)
    بهذه المقاييس يمكنك أن تقول أنها كانت القبلة التي تعني قبول عرض الخطوبة ، او " قد خامره شيء من التقية ، جريا على عادات الكثير من المفكرين هذه الايام . فالتقية اصبحت موضة دراجة يعمل بها اكثر الناس " (7). فالكاتب حين يفلس فما عليه إلا توقيع الصكوك ، وان كان ثمة روائح تنبعث بخمود نثن للحياة أشبه بتلك الروائح المنبعثة من الماء الراكد . فذاك يعود في شيء منه إلى ميل الإنسان إلى أن يكون على طبيعة محيطه . ولئلا يكون مثخن الجراح والناس يهرعون في مسيرات مليونية إلى حتفهم ، ينبغي ان يكون مجنونا . فلا ريب أن المجانين اسعد المخلوقات حظا . ففي السياسة كما يقول " روسو " مرجع كل أمر ، وأنه كيفما يعمل ، فإن الشعب ، أيّا كان ، لا يغدو إلا على ما شاءت نظم حكومته أن يغدو عليه ". (8) فحال الناس أمام الطاغية وهو يصدع بأمر نزواته الغاشمة ، أشبه بوضع مسافرين عبر غابة وقد هاجمهم قاطع طريق . وأرغمهم على إعطائه كل ما يملكون ، وبعد أن جردهم متاعهم ، طلب إليهم أيضا نقل ما غنمه منهم إلى حيث يريد . قطعا سيوافقون للإبقاء على حياتهم .  وفي العموم " الناس .. لا رأي لهم وإنما يرددون ما يروق لحكامهم ان يلقنوه لهم ، وما يكلفونهم به " على رأي بروتاجوراس . (9)

    إن إرادة  الطاغية المستبد وقدرته على الإكراه تلعب دورا أهم مما يضطلع به العقل والحقيقة في تكوين الآراء المسيطرة .. لا اخفي إن كثير من المثقفين هموا بمطالعة الكتاب بعناية لوقع العبارة ، متسائلين في صمت : إلى أين يزحف هذا اللص ؟ ، وذاك لأنهم يمقتونه ، .. ولا ادري إن كنت قد أرهقت نفسي فزاغ بصري فبت لا أرى شيئا وانأ اختار التسلل والإيغال في سرداب هائل عظيم . فقد جيّرت افتتاحية الطبعة الثانية للكتاب بعبارة بديلة أكثر وضوحا في التورية ، تقول : " مدين له بما أنا عليه " . وهي ذات العبارة التي نطق بها احد ابرز أزلام هتلر مبررا موقفه أثناء مثوله أمام محكمة " نورمبرج " المختصة بالنظر في محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية  . ولعل العبارة راقت للصديق هذه المرة ، وحظيت بشيء من القبول لديه عندما همهم برأسه قائلا : أننا حقا مدينون له بما نحن عليه من عوز وفقر وقهر ، وتجهيل وقتل وتنكيل ، واستبداد ليس له مثيل . وفي كل الأحوال ، الوفاء ملزم عندما يعهد به لمن هم أهل له .
     إنها يا صديقي شكلا آخر من أشكال حزننا الشديد المشرد ، ومدح أشبه بذم يجد العزاء فيما يقوله ويلسون عن مدائح ريلكه : " من الطبيعي أن يحس الإنسان بالتأزم إذا كان يقف بين كرسيين ، لأن عليه أن يقرر على أي كرسي سيجلس ، فإذا فضل الكرسي المنخفض ( كما فعل لورنس ) فيجب عليه أن يجلس على ذلك الكرسي ، أما إذا قرر أن يجلس على الكرسي العالي فعليه أن يبذل مجهودا إراديا ليحقق حالة الإدراك الجديدة ، وليحاول أن يسيطر على تجربته بدلا من أن يسمح لها بالسيطرة عليه . وقد تكون هذه طريقة غير شعرية في التعبير عن الفلسفة الكامنة في ( المدائح ) ( وقد تكون تبسيطا أكثر مما يجب طبعا ) ، إلا إنها اللغة التي يجب أن تتقدم الشروع بالعمل " . (10)
    إنها حالة عسر هضم عقلي تصيب فقط أولئك المرهقون بأمر ما ، يشغلهم ويقلقهم الخلاص منه قلقا جنونيا .  وقد يكون خلاص المرء كامنا في السلوك الشائن المتطرف وفي اللأاكتراث للنتائج . وعندما يطبق صمت خانق ، وترخي غيمة معتمة من همجية منتصرة بسدولها لتكثف إجراءات إسكات الخطاب الحر . تتلعثم الشفاه النابضة بالثقافة والفكر النقدي ، وترتسم ابتسامة باهتة وارتياب من أثر الصدمة ، يفقد معها المفكرين والكتاب المرعوبين حالة التوازن ، وقد يختار الجسور منهم حالة التملص المستتر بالإذعان  .

   أدرك انه قرأ الكتاب بعناية ، والكتاب بين يديه ، وهذا ما كنت أصبو إليه بادي ذي بدء ، ولعلني جرحت معزة نفسه بلا رحمة عندما مددت له يدي ، وحتى إن  لم يتعض ، وأخذته العزة بالإثم ، فقد كان الأمر مزعجا ، بل ومرعبا بالنسبة إليه ، وبلغ منه ما دفعه إلى الانتفاض ، لتتعطل جميع الجامعات في ذلك اليوم الذي تفرغ فيه وخصصه ليوجه عبر الدائرة المغلقة لجميع أساتذة الجامعات ، وهو يرغي ويزبد  ويتوعد كل من يظن أن بإمكانه زعزعة الاستقرار الفقهي المالكي في شمال إفريقيا ، لقد ألمني انه لم يقوده تفكيره لغير وهمه بأنني داعية للمذهبية . وإن كنت لا استبعد أنه رأى شيئا من التورية في العبارة ترشّد فكرة أو تتهمه بالضلال عن أفكار أشبه بتبر منثور حوتها دفتي الكتاب ، تكسو الأرض بأزاهيرها ، وتعبق السماء برياحينها . ولابد انه انتظر أن تتضمن قائمة المصادر والمراجع ذلك التبر الذي ظن لأول وهله أنه نطق به في قصاصاته الخضراء . وهو ما لم يحدث ، وما لم يجده .
     من اعتراه اليأس من استعمال القوة يجد نفسه مضطرا لتسول حريته . فالإرهاب الفكري يقف عاصفة هوجاء تجتث كل ما اتصل بمخالفة المناخ الفكري السائد ، والآراء التي تحرك المياه الفكرية الآسنة . ما كان لي اختراق ذلك الكل من السواتر وأسوار الدمى المحيطة به دون إعلان الولاء ، إنهم من صدق فيهم قول " موشي ديان " عن العرب جملة ، " إنهم قوم لا يقرأون " ، ولعلهم انتشوا طربا وهم يقدمون إليه صنفا من ولاء الرعية . لقد نهشت أفئدتهم عبارة  الافتتاحية فظنوا أن حسن تدبيرهم آت أكله حتى أعيت ثمار الفاكهة الشجرة . إنهم أشبه بجماعات البابون ، ومن طبيعة مجتمع البابون أنه يمشي دائما وراء واحد ، ومن طبيعة هذا الواحد أنه لا يقاتل بل يحمي نفسه من القتل . بهذا وصفهم النيهوم ، فأجازوا له طبع الكتاب على حسابهم . (11)
    أمور جمة يمكن استدراكها ، فعندما تقدمت بنسخة من الكتاب لطلب الموافقة على الطبع ، أفادني من عهدت إليه المهمة بتعذر ذلك ، لاحتواء المخطوط على مسائل فقهية وسياسية ، وما أن اطلع المسئول الأول على العبارة ، وكنت قد تقدمت إليه طلبا للاستفسار عن التلكؤ في منح الموافقة ، رفع سماعة الهاتف على الفور وطلب تحرير الموافقة في الحال دون أية مراجعة ، واستلمت الموافقة خلال نصف ساعة فقط . قال سارتر " في اللحظة التي نحن فيها ، الطريقة الوحيدة للتأثير على الرأي العام ، هي ان تتجاوزه إلى ابعد مما يتصوره " .
    
    عندما تكون على استعداد للسير في قاع البحر ، تعتقد أنهم سيتركون لك هناك فرصة تعلم صيد الحيتان ، ولو بلغت مجلسه لشكوت إليه مظلمة أستاذي نبيل الشهابي ، ومظالم أخرى لحقت بيّ أفقدتني ما املك ، وربما اخترت أمر آخر . لقد خاب ظني وأنا أتطلع إلي مؤانسته بعبارات النصح  ، لا على مستوى الفهم الفقهي والمذهبي ، بل على مستوى العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية ، حتى بدأ لي صواب الفكرة القائلة " الحقيقة عديمة الفائدة بالنسبة لبعض البشر ، تماما كالمكتبات بالنسبة للبقر " . ولا مجال لإعادة جملة الأفكار والإيماءات في هذا المنحى ، يمكنك في ذلك مراجعة الكتاب ثانية ، سأكتفي هنا فقط لأذكرك ببعض منها :

·      - دالت الدولة العامرية المتخفية تحت الراية الأموية ، وسعدت قرطبة بالنصر الأموي .كانت العامة أكثر سعادة على حين تحفظت الطبقة الوسطي ولم تظهر مناصرتها للمهدي ، إذ أنها أحست بخطر هذه الثورة على مستقبلها منذ البداية . ذلك انه عندما دخل المهدي برجاله مدينة الزاهرة أمر بنقل الأشياء الثمينة فيها ، ولم يمانع في النهب والتدمير . وما أن ارتقي سدة الحكم لم تتبين فيه الفضائل المطلوبة في الحاكم ، بل كان قاسيا ، أحمقا غارقا في ملذاته "اعتمد على قوته التي تتألف من أراذل العامة واسافلهم ، وعارض بهم أجناد الدولة . أهل الدربة والحنكة ، واستوزر رجالا من الطبقة الدنيا ، وعلى هذا النحو اعتبر العامة من أهل قرطبة تولية المهدي انتصارا لهم " . (12)

·      - " لعلنا لا نعدو الصواب بقولنا أن المذاهب الفقهية والكلامية إضافة إلى الفرق والمذاهب غير الإسلامية كانت تعكس اتجاهات سياسية سائدة في الأندلس ، وان هذه الاتجاهات السياسية كانت تستخدم الفكر ، كما كان الفكر والمفكرين يستخدمون الانقسامات السياسية . لعل الوصول للسلطة أو توجيه صاحب السلطة نحو هدف أو غاية معينة كان هدفا من الأهداف التي سعي لها بعض حملة الفكر في الأندلس . ويبدو أن الفقهاء استغلوا صلتهم بالناس القوية ليؤكدوا على دورهم السياسي وفعاليتهم في الحياة السياسية الاندلسية ." (13)

·      - " أننا نري من يهادن اجتماعيا وسياسيا فئة أو مجموعة من الناس لا يري رأيهم ولا يقبل فكرهم متحاشيا أن يهاجمهم رأسا وبقوة ". (14)

·      - "  قال الإمام أبي عبد الله الحميدي "كان المستكفي في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها وكان متغلبا عليه طوال مدته ، لا ينفذ له أمر ، ولا عقب له " . عندما شعر المستكفي باهتزاز عرشه ، سلك مسلك العنف والإرهاب والسجن خاصة مع أولئك الذين كان لهم شأن في الحكومة السابقة . وقد نال أبن حزم حظه من ذلك والقي في السجن . لكن لم يطل عهد المستكفي حيث ثار عليه أهالي قرطبة وأتيح لابن حزم أن يخرج من السجن . ويحدثنا ابن حزم عن محنته هذه المرة . قال : "إني كنت معتقلا في يد الملقب بالمسكتفي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أؤمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت ، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه وكان العيارين قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله واستولي على الأمر .." . (15)

·      -  " فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في  البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل " . (16)

       ثمة مثل يقول : " الناس على دين ملوكهم " . وقول عز الدولة مبررا موبقات ولايته :  " ما زوى عني ما طرق هذه البلاد .. ولعمري ان الغفلة علينا أغلب ، والسهو فينا اعمل ، ولكن فيما ركبتموه مني تهجين شديد ... وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم ، وولايتي لأموركم  : كلا ، ولكن كما تكونوا يولى عليكم ، هكذا قول صاحب الشـريعة فينا وفيكم ، والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم ، ولولا أني كواحد منكم لما جعلت قيما عليكم ، ولو خلا كل واحد منا بعيب نفسـه لعلم أنه لا يسـعه وعظ غيره " . (17) إلى غير ذلك من حذلقات مستكينة تؤطر لتجدير الاستبداد ، والصبر على العبودية والاستعباد ، أو بالأحرى تشرّعن له . تقول : " أن الصبر على طاعة الحاكم الجائر أولى من الخروج عليه " .
      ألا ترى يا صديقي كم يلق ترديد هذه الأقوال استحسانا على السنة العامة ، وكم تشتهي تمثلها . فما دهاك لان تحمل على من توجه لولي الأمر صاحب العقد والحل بالنصيحة ، أليس في فعلته خدمة العامة . ألا تستلزم مناصحته الإقرار له بالولاء والصوغ بلسان دليق كي تجد لها القبول وتظفر عنده بأذن صاغية ؟ . قال سقراط : " ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو ، ولكن بشكل من يسعط ويكوي بعلاجه داء بصديق له " . (18)
    بلغة الإشارة لوح نحوي بيده اليسرى مغاضبا ، ومط شفتيه لبرهة من الزمن مرددا قولة هلفسيوس : " من يطالب حاكما مستبدا بالأنوار ، يكن كمن يتوقع معلولا بلا علة " . (19)
    قلت : هذا صحيح في الغالب ، إلا أن العلاقة بين الطغاة ومحكوميهم يؤرقها  سياق العادة ، كما يصعب تصور ألا يكون الإحراق صفة النار . واكرر يجب على المرء أن يأمل . ألم يزعجك ذلك الكم الهائل من الفقهاء والمثقفين وذوي الكفاءات العالية وهم يعلنون الولاء ويهللون للتوريث تحت ذرائع الإصلاح . هل تقر فعلتهم أم أنهم كمن يتوقع معلولا بلا علة ؟! .
     دعني أذكرك بخاطرة لبسكال حول التوريث أو حق الحكم بالميلاد . يقول : "  إن أبعد أمور العالم عن العقل تصبح أقربها بسبب فوضى البشر. أي أمر أقل صواباً من اختيار ولد الملكة البكر ليسوس الدولة ؟ لا يختار أعرق المسافرين نسباً لقيادة السفينة .. وقد تكون هذه الشريعة مضحكة وجائرة. ولكن بما أن الناس هم كذلك أيضاً ، وسيبقون كذلك أبداً، فإنها تصبح معقولة عادلة ، إذ من عساهم يختارون ؟ أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة ؟ هنا تقع الواقعة فوراً إذ كل يدعي أنه الأفضل وكذلك الأمهر. فلنربط هذه الصفة إذاً بما لا يقع الجدل حوله. أنه بكر الملك. إن الأمر واضح ولا منازعة البتة ، والعقل لا يستطيع أفضل من ذلك ، لأن الحرب الأهلية أعظم الشرور " . (20)
        أن يقارع مفكر أو مثقف أو كاتب بقلمه طاغية بغية أن يصرعه ، خيار قل رواده  في زماننا على ما يبدو . ولعل في لعبة التهامس البديل المناسب لتهيئة الطغاة وتبصيرهم إن صح الإقرار بأن الفكر في خطر . لا أكتمك القول إنني تسمرت برهة عند قراءتي للعبارة التي افتتح بها الدكتور " عبدالله بونفور" مداخلته تعقيبا على " حوار المشرق والمغرب " بين قطبين من أساطين الفكر الفلسفي المعاصر بالوطن العربي . المفكر المغاربي والفيلسوف محمد عابد الجابري ، ونظيره المفكر المصري حسن حنفي . يقول : " لما انتهيت من قراءة الحوار الذي دار بين ( حنفي ) و ( الجابري ) غمرني خوف شديد ، خوف على إجهاض الفكر أكثر مما هو عليه الآن في البلدان العربية ، خوف مرير لأننا أمام مثقفين بارزين في الساحة العربية ، يريدان أن يصير المفكر حاجبا وخادما عند الأمير ، وان يصبح الفكر وصفة يوظفها الأمراء والسياسيون في ممارساتهم السلطوية  " وكذا ما توصل إليه المفكر " جورج طرابيشي " في تقيمه للحوار واتهامه للانتلجانسيا العربية بالإضراب عن التفكير ورفضها لأداء وظيفتها . وكما يقال .. إذا كان كبير القوم للدف ضاربا فلا تلمن صغار الصبيان على الرقص . لا ضير .. فطالما المناخ الفكري أو البيئة المنتجة ملغمة ، والفكر يعاني حالة إجهاض وإضراب وحرج وولادة متعسرة . لن يبقى سوى لعبة التهامس حيث تقدم الوصفات ملثمة بالولاء للسلطة المنفذة . (21)
     يمكننا النظر من زاوية أخرى ، فنحن أمام حالة مرضية تعاني اشق الأمراض العصابية " الطغيان " ، وان لا سبيل إلى  العلاج أو العودة بها إلى الوضع السوي بغير اعتماد أساليب التحليل النفسي ، أي المحادثة وتبادل الكلام بكلام . وبالنظر إلى صعوبة التعاطي المباشر ، تبقى الكلمة المخطوطة السبيل المتاح . الكلمة أساس ذي قيمة عالية في التطبيب النفسي . بالكلمة يستحوذ الخطيب على الباب سامعيه ويوجه أحكامهم وقراراتهم . وبها يوجه الطبيب النفسي مسار أفكار المريض . إن القوة السحرية للكلمة المخطوطة بديلا عن تبادل الكلام بكلام ، وان ظلت قاصرة ، فلا يعني ذلك أنها محدودة التأثير ولا تفيء الغرض ، الذي هو توجيه مسار أفكار المريض وكذا انتباهه وسلوكه نحو وجهة سوية . ولا يخفى مدى استفحال المرض وتأزم الحالة المزمن موضوع العلاج ، والأثر المأساوي الناجم عن انعكاس زلات اضطراباتها على المحيط المجتمعي . وأكثر من ذلك .. لقد بلغ به التأزم لأن يعتقد في السحرة والسحر الاسود مخلصا (22) ، وجاب اصقاع الارض من الهند الى مجاهل افريقيا بحثا عن ضالته ، وبلغني ان من السحرة من يقايض به زعماء على شاكلته ، ومنهم على سبيل الإعارة ، وآخر هدية من زعيم إفريقي الى قرينه . فآثرت ان اوشح واجه الصفحة الاولى وافتتاحية الكتاب بالآية القرآنية : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا  } (23) .. لا ضير إن اقتضى واجب المعالجة اقتفاء سبل لا تتفق والمحددات التي ترسم مسبقا الصورة المثلى للعلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية  . أو لعلها المثلى بحكم ظروف الحالة وواقع المحيط .  
   
      هكذا تدرك الأمور .. فعندما تتحول تربة الوطن إلى صحراء مقفرة ، وسماؤه إلى عتمة قاتمة .. تختنق حناجر الكتّاب ، ولا يعد بوسعهم التنفس ورصف الكلمات في آن واحد . ولو تابعنا التاريخ العربي وطبيعة السلطة القائمة نلحظ ان " هناك قادة عسكريون قفزوا الى السلطة واغتصبوها . وهي بالتالي انماط من السلطة قمعية لا تحترم شعبها ، ولا تحترم القيم ولا الثقافة . ومثل هذه السلطة تريد من المثقف ان يكون بوقا وان يكون دوره اقل من دور وعاظ السلاطين .. هل نطمح لدور للمثقف والثقافة في ظل هذه السلطة ؟ .. انها صاحبة الرأي وصاحبة القرار ، وتعتبر ان أي محاولة للمشاركة في الرأي او القرار هي اعتداء على السلطة " (24) ولعله أمر مدهش ، ومغامرة غير محسوبة العواقب بالتأكيد ، عندما يكتب الكاتب وهو يضع حياته في كفه . أليس كذلك ؟ .  تأمل فحوى هذه القصيدة من النص المقدس للعقيدة الثاوية في الصين  :

كيف تسنى للأنهار والبحار العظيمة أن تحقق سيادتها
على مئات الجداول الأقل منها شانا
على الحكيم من تم لكي يكون فوق الجميع
أن يحادثهم كما لو كان اقل منهم شانا
وان يضع نفسه في مرتبة اقل منهم لكي يكون اكبر منهم
وسوف يجنبهم الآلام لأنه سيكون أول من يتصدى لها . (25)

     ألا ترى بعد هذا إنهم معذورين ، وأنهم عبروا عن حسن نواياهم في محاولة لعتق الوطن من عنق الزجاجة .. كانوا يأملون ، كحال العولمة " ينبغي الخروج منها لا عليها " . وكنت مثلهم أأمل ، وفي ليلة 20 / 8 / 2008 دونت كلمة تأبين ووداع ، وانأ أترحم واستشعر أن كل الشعارات التي رفعت مؤخرا قد أجهضت ، وبواكير الملل واليأس التهمت النفوس .. منابر سياسية .. بنية تحتية وفوقية .. مليون محفظة لمليون فقير اقر الطاغية الأب بواقعهم . بنية تعليمية متطورة وحاسوب لكل تلميذ .. الإقرار بأخطاء الماضي .. جبر خواطر .. الخ . كم كان مشهدا جميلا توشحه فضيلة الاعتراف بالذنب..  .وما كان لصورة جذابة كهذه إلا أن تخدع غريق متعلق بقشة . في تلك الليلة أعلن الابن الوريث ، رائد الإصلاح والوفاق أو المرحلة الجديدة عن استقالته ، واعتزاله الشأن العام . كانت أشبه بليلة حداد . مع أن الأيام أثبتت أنها لا تعدو مراوغة سياسية . ولكن كم كان يمكن لها أن توفر علينا – بمنظور اليوم - من ألآم حروب وفظائع وجرائم .  كم هو مؤرق أن تصحو على وقع وابل الصواريخ وفرقعة التفجيرات ، وهي تنهش اللحمة الوطنية والترابية لبلادك . بالتزامن مع تعالى صرخات الأطفال .. وولولة حناجر النساء .. وفقدان حالة الاستقرار والسلم الاجتماعي .
        لم اكتب مذكراتي لأخفي حماقتي . فقد اشتد بي الوجد وغمرتني نشوة الأمل وانا ارقب من بعيد ، جنة الوعود في جماهيرية الفردوس وشعبها البرجعاجي كما صورها الابن المنقذ الوريث . كنا في انتظار إطلالته تلك الليلة ، وما سيحمله خطابه من ترميم لما سبق له الوعد به . وما أن تبين تسلله إلى زوايا أخرى ، ولم يوفي بشيء مما وعد به ، خاب الأمل من جديد.. كتبت  تحت عنوان " في وداع سيف الإسلام " :
كلمة الوداع
في القاهرة بسبها كان اللقاء ، لقاء الوداع ، وكلمة الوداع . بعد عطاء دون كلل أو ملل ، وبعد كد البدن ، وتجرع الأسى ، ومقاساة الحرقة ، ومض الحرمان ، والصبر على ألوان وألوان . وقد نديت أكبادا ، وأقررت عيونا ، وبيضّت وجوها ، وحكت طرازا لا يـبليه الزمان ، ولا يتطرق له الحدثان . قارعت سـباع ضارية ، وكلاب عاوية ، وعقارب لسـاعة ، وأفاعي نهاشـة . قومّت زيغهم ، وقلمت أظفارهم . بعد أن بسطوا سـلطانهم ، وحددوا أنيابهم ، وقويت أسنانهم ، وفتحت أشداقهم ، وطالت أعناقهم ، وعظمت آفتهم ، ودب داؤهم ، وعسر دوائهم . وأبطرهم سكرهم حتى صاروا يجهلون أقدارهم . قوم عقولهم مغمورة بشهواتهم ، همهم تعجيل حظ وإن كان نزرا ، وإستلاب درهم وإن كان زيفا . طولوا وهولوا وطرحوا الأشواك في الطريق . وجهلوا أن وراء ذلك ما يفوت ذرعهم ، ويتخلف عن لحاقه رأيهم ونظرهم ، ويعمى دون ذلك بصرهم . والعقل الحصيف يدرك أن الذين لا يعروهم الخجل مما يقترفون من أفعال أشد سواد من الليل ، لن يتورعوا عن سلوك أي سبيل ليبقوها طي الكتمان بعيدة عن النور . ودعتنا وقد حال بنا الزمان إلى أمر لا يأتي عليه النعت ، ولا تستوعبه الأخبار ، ونحن ندفع كل يوم إلى طامة تنسى ما سلف . أوردتنا ولم تصدر ، وأملتنا نرتجى ما قد وقع اليأس منه ، واعترض القنوط دونه . فعدمتنا عقلا سائسا ، وحزما حارسا ، وطريقا قويما . ما أحوجنا لأن تكون بيننا ... لكن هيهات هيهات .. غاب سيف الإسلام .. غاب في الأبدية .. عودوا إلى غيكم وما كنتم عليه .. ربيعكم أزهر من جديد .. هللوا لانتصاركم .. فلا جرم وقد أعضل الداء ، وأشكل الدواء ، وغلبت الحيرة ، وفقد المرشد ، وقل المسترشد .. ليبيا الغد لكم .. فوداعا لكم ولها .. وأظن أن الليل قد تمطى بصلبه ، وناء بكلكله .. وفى مناسبة الوداع أهدى لكم هذه الأبيات :
رأيت في النوم أنى راكب فرسا
ولى وصيف وفى يدي دنانير
فقال قوم لهم حدق ومعرفة
رأيت خيرا وللأحلام تعبير
رؤياك فسر عند " سيف " تجد
تعبير ذاك وفى الفال التباشير
فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا
وعند مثلك لي بالفعل تيسير
ذلك أعجب حلم ساقه النوم السقيم . قولوا أضغاث أحلام ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ...
والى أن يغيب المرء يرجى ويتقى
ولا يعلم الإنسان ما في المغيب
*****
     بلاد مفجوعة تتسأل . تتألم بحرقة .. وغيوم مربّدة تبسط ظلها الثقيل ، مما يغدو معه القبض بأسى على دفة الزورق في عباب القلق الطامي مهمة عسيرة .. تعاظم الخرق يا صديقي , وخرجت الأحداث من عقالها ، ولن يجرؤ احد على أن ينتزع نفسه من الزوبعة ، وبات من الواجب أن يتصرف كل على حده كما لو كانت سلامة البلاد معلقة على سلوكه الخاص .. وسيظل الوطن - وقد دخل في طور المحاق - ينزف جرحه الدامي ما لم يتخلص من جلاده .. لقد كان في جهودهم استشراف لإعصار يتقلب في الحومة ، وسعي محمود لرتق الفتق ، واهجيه لاذعة للاستبداد . تقاطروا من كل فج عميق ، ونفذوا إلى البقاع حيث تقسو الحياة ، لئلا يتوارى الأمل .  
     يقول جان بول مارا ( 1743 – 1793 ) والذي يماثل الاستبداد بشيخوخة الأمم : " الشعب المفتقر إلى الأنوار والمعارف ، فريسة أبدية للأشرار الذين يحكمونه . ولأن الشعوب لا تملك فكرة واضحة عن الحرية وعن الطغيان يستطيع المستبدون آن يبقوها في حالة العبودية . إن حماقة الشعوب تخدم على الدوام مصلحة الحكام .. وان أخشى ما يخشاه الطغاة المدركون لما تنطوي عليه مطامعهم من ظلم وإجحاف ، آن يسترد الشعب المستنير حقوقه المشروعة . لذلك تراهم يسعون جاهدين إلى الحؤول بينه وبين التثقف والتعلم : فينفون الآداب عن دولهم ، ويحظرون على رعاياهم السفر إلى الخارج ، وينزلون اشد العقوبات بكل من يرفع صوته عن الحرية  أو آن يحاول فضح جرائم الحكم ومنكراته ، ويكتمون أفواه المستاءين ، ويبدلون قصار جهدهم للحيلولة دون استيقاظ الشعب من سباته العميق " . (26)
     وهؤلاء وقد أدركوا حالة الاغتصاب هذه التي تعرض لها شعبهم لعقود ، رأوا من واجبهم أن يكونوا إلى جانبه في محنته ، أنهم النخب التي اختارت سبيل المغامرة الممكنة الوحيدة ، الحوار الهادئ والحجة الثاقبة  ، لئلا يصل الاحتكار مداه الأقصى . فليس هناك ما يقضي على الهراء مثل تعريضه للهواء . وعلى رأى ( فانون ) : " النخبة المثقفة في مسألة العنف ليس لها وجه تعرف به ، هي عنيفة في الأقوال ، إصلاحية في المواقف والأعمال " . (27)
     قال : نعم كانوا معذورين عندما اختاروا اضطهادهم بيسر ، والعبودية تحت وهم الحرية . حالهم كمن ألقى بنفسه في البحر خشية أن يتبلل . إن أي انثناء بالنسبة لي ، يجر إلى الانهيار . " إن عظمة الإنسان قائمة على انه معبر .. أحب من يخجل من سقوط زهرة النرد لحظة فيرتاب بغش يده " . (28)  
    قلت : كل ما هو سنة قد أوجد من قبل . كم من السنين يا ترى لبثناها ونحن نعيش أشبه بنزلاء مصحة المجانين في رواية كين كيسي " طار فوق عش الواقواق " . تجرعنا مع طول الدهر ، هوس الخوف من الحرية . انك تذكرني بـصاحب رواية " مدن الملح " الذي رغم بصيرته السيكولوجية الحادة التي تفسر شعبيته الهائلة في العالم العربي ، لم يرى من ألوان الطيف سوى الأبيض والأسود . فنال جزاءه : حرم من الجنسية ، وطرد بسبب كتابته لتلك الرواية . (29)  لقد توقعت ما هو أسوا ، وقد كان .
      لم يبقى إلا أن نقلب الصفحة ، فما أن يتنفس الفجر يستشعر الكاتب براح الحرية ويصير بوسعه أن يتنفس . ولك يا صديقي أن تذهب كل مذهب ، فقد ألفت حالة الذبول والأرق ، وعصفت بي الأنواء والرياح السوداوية حتى لم تبق أيامي إلا عبثا ، وأطبقت ضروب الألم والعذاب ، واستولى الضجر والاكتئاب ، وكأنه انحدار لابد منه ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا أرى في الغد ما يغريني البتة ، أتنهد بغير إرادة مني . حال من لحقه اليأس من فرص السلام . وفي الأفق ضباب وغيوم . فيا أيتها الأوقات الغوالي التي طالما أسفت عليها ، أعيدي إلى مجراك وأسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت .

-------------------------------------
(1)   كتابي " المذهب الظاهري والمنطق عند ابن حزم " منشور بالكامل على موقعي بشبكة المعلومات الانترنت . رابط  الموقع
(2)   ابن عبدربه الاندلسي ، العقد الفريد ، دار الكتاب العربي ، لبنان . ج : 3 . ص : 165
(3)    على اومليل ، السلطة السياسية والسلطة الثقافية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت . ص : 9
(4)    المصدر السابق . ص : 243
(5)    كولن ولسون ، رحلة نحو البداية ، دار الاداب ، بيروت . ص : 318
(6)   حسن حنفي ، موقفنا الحضاري ( بحث ضمن فعاليات المؤتمر الفلسفي العربي الاول - الاردن ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت . ص : 29 . فيما يخص المشهد الليبي يصنف ضمن هذه الفئة ( الموظفين ) طائفة من ذوي الاقلام التي تجيد رصف الكلام ممن يوصفون بـ " كتبة المؤخرات " . وكذا من جندوا لمحاصرة العامة من الازلام القتلة ( حملة مؤهلات دقيقة وعالية ) مقابل تقلدهم لمناصب قيادية ووزارية .
(7)   حافظ الجمالي ، مداخلة ضمن فعاليات ندوة " المثقف العربي دوره وعلاقته بالسلطة " ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط  . ص : 40
(8)   جان جاك روسو ، الاعترافات ، ت .خليل سركيس ، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع ظن بيروت . ص :378
(9)   افلاطون ، محاورة بروتاجوراس ، ت : محمد كمال الدين ، دار الكتاب العربي ، القاهرة . ص : 51
(10)                       كولن ولسون ، سقوط الحضارة ، ت : ..... ص 87
(11)                       الصادق النيهوم ، القرود ، المنشأة العامة للنشر والتوزيع ، طرابلس . 1983 . ص : 119
(12)                       كتابي : المذهب الظاهري والمنطق عند ابن حزم . ص : 21
(13)                       المصدر السابق . ص : 39
(14)                       المصدر السابق . ص : 44
(15)                       المصدر السابق . ص : 27
(16)                       المصدر السابق . ص : 28
(17)                       ابن حيان التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة ، ت : احمد أمين واحمد الزين ، دار مكتبة الحياة ، بيروت . لبنان .  ج 3 . ص 158
(18)                      المصدر السابق ، ج 2 . ص 37
(19)                      ف . فولغين ، فلسفة الانوار ، ت : هنريت عبودي ، دار الطليعة ، بيروت . ص : 162
(20)                       بسكال ، خواطر ،
(20)  حوار المشرق والمغرب ، برعاية مجلة " اليوم السابع " . نشر مكتبة مذبولي . القاهرة . ص 163
(21) " من اخطر ابعاد السحر في افريقيا ما يعرف بالسحر الاسود Black Magic  او ما يلحق من اذى عن طريقه ، ومن التطرف فيه ان الامر قد يصل الى التضحية البشرية واكل لحوم البشر Canabalism  وهو الامر الذي حورب بشدة من جانب السلطات المختلفة استعمارية كانت او وطنية افريقية . ومن الملاحظ ان الحكومات الافريقية على اختلافها سعت منذ الاستقلال لمحاربة السحر والشعوذة .. وقد نجحت في اغلب الحالات في التغلب على السحر الاسود . ولجأت بعض الحكومات الى الضرب بشدة على يد السحرة الى حد التشريع بسجن ممارسي السحر ومتبعيهم ، بل وذهب الحال في بعض الحالات الى احراق ممارسي السحر الاسود بالذات نظرا لخطورته " . انظر : حورية مجاهد ، الاسلام في افريقيا وواقع المسيحية والديانة التقليدية ، ص : 71 . يرى البعض ان فرعون استخدم تأثير السحر الأسود في سلب قومه الإرادة ، فأطاعوه واعتقدوا بإلوهيته . ويرى آخرون ان الاشتغال به كان وراء اختفاء قارة الاطلنطس وحضارتها .
(22) سورة الجن ، الآية :
(23) ناجي علوش ، مداخلة ضمن فعاليات ندوة " المثقف العربي دوره وعلاقته بالسلطة والمجتمع – مايو 1985 " . المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط ، المغرب . ص : 47
(24)  طارق على ، صدام الأصوليات ,  ت : د. طلعت بدر ، المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر ، طرابلس . 2006 . ص : 334 . تجدر الإشادة هنا بجهد الصديق العزيز الأستاذ الدكتور طلعت مراد بدر في ترجمة الكتاب والتعليق . وهو صاحب التجربة الطويلة بالجامعات الليبية لأكثر من 25 عام . وسآتي على ذكر جوانب من تجربته في الجزء الثاني من الكتاب ، ولعمري لا زلت أطالبه بكتابة حفريات في ذاكرة تلك الحقبة ، بما فيها ظروف تأليفه لكتاب " الصحراء " – الصحراء المغربية والبوليساريو – بمعرفة مؤسسة الطاغية الثقافية ، ورسائل الإجازة الدقيقة والعالية التي اشرف عليها ، وحواديث الدكتور نبيل الشهابي ، وتجاربه مع مختلف الجامعات : سبها ، طرابلس ، سرت ، البيضاء .  لقد عبر في افتتاحية الترجمة عن سمت العلاقة مع المؤلف : " المؤلف والمترجم هنا عدوان لدودان يتقاسمان فراشا واحدا .. هو النص " . ولا تخلو العبارة من إيماءة لرفع الحرج الواقع عن التكليف من قبل مؤسسة الطاغية .
(25)  ف . فولغين ، فلسفة الأنوار . ص : 245
(26) فرانتز فانون ، معذبو الأرض . ص : 51
(27)  فردريك نيتشه ، هكذا تكلم زرادشت ، المكتب العالمي للطباعة ، بيروت . ص : 33
(28)  طارق على ، صدام الأصوليات . ص : 110 .  " مدن الملح " رواية نالت شهرة واسعة للروائي السعودي عبدالرحمن منيف  . جدير بالذكر : ما يورده المؤلف طارق علي في حق ابن حزم – موضوع كتابنا - . إذ التهمة في تقديره لا تستثني ابن حزم نفسه . يقول " لقد كان ابن حزم وابن سينا وابن رشد يمثلون اتجاهات معينة للفكر شبه الرسمي خلال الخمسمائة عام الأولى للإسلام . ولقد أثار على الأخص الآخران حفيظة التقليدية الإسلامية . إلا أنهم مثلهم مثل جاليليو من بعدهما آثروا الحياة ، ومواصلة بحوثهما بدلا من الاستشهاد  " قارن : ص : 79 ..  وهو ما يستشف أيضا من كلام ابن حزم ، متحسرا يواسي نفسه على ضياع ملك بني أمية بالأندلس :
                         فلا تيأسي يا نفس عل زماننا                يعود بوجه مقبل غير مدبر
                        كما صرف الرحمان ملك أمية             عليهم ولودي بالتجمل والصب

ليست هناك تعليقات: