21‏/11‏/2012

- كتاب مذكرات سجين ليبي )


هذه  مذكرات سجلت خلال  تفجر الثورة الليبية ، كنا نتوق الى الارتقاء بها لمستوى كتاب . بعنوان ” مذكرات سجين ليبي – اربع عقود داخل الزنزانة ” .  ذلك لم يحدث ، المرض حال دون ذلك . ودون تنقيحها وضبطها . وإذ لا مناص . الآن أعود إليها لأنشرها كما هي يوم ان نسجت باقبية طرابلس المحاصرة . نشرت مقدمة  العمل على مدونتي  هذه بتاريخ 20 /  8/ 2011 .  كنا يومها قد وصلنا نالوت . الاتصالات مقطوعة ، ولا مكان للانترنت سوى بالمستشفى العام ، او المركز الاعلامي .  اجواء رمضان الليلية الحافلة ببهجة الانتصار . اطلاق رصاص كثيف من كل الاتجاهات . اطفال يهرعون ويرددون ” القذافي ورل ” . الكل يتجه صوب وسط المدينة .. اطفال ، نساء ، فتيات ، شباب ، شيوخ .. طلبنا ترجمة ( ورل ) لنعرف الحدث . وتبين انه هرب .. وكل هذه الجموع الهادرة تصرخ .  الفرحة عامرة وشملت الجميع .. والحدث يستحق .. قبل قليل وصل نبأ سار .. هرب القذافي وكفانا شره . وليته فعلها حينها ولم يخيب امالهم ويغتال فرحتهم .  شكرا لاهل نالوت دون استثناء لايواءهم اسرتي واطفالي خلال الفترة من 19 /8/ 2011 الى 29 / 8 /2011 .

207

مقدمة
” لا يخشى المرء أن يحلم ولا أن يثوق إلى ما يود أن يراه يحدث له في حياته ، ولكن مع مرور الزمن تبدو قوة غامضة في محاولة إقناع المرء باستحالة تحقيق صيرورته الخاصة ” . ( 1 )
يا لها من مأساة .. لقد اجتهد قاطني سبخات النظام بما يكفي لإخفاء الحقيقة ، وانشغلوا بملء جيوبهم وترف مأواهم وقد غضوا أبصارهم عن بشر تحولوا إلى أشباح يلهثون بحثا عن اعتراف بحق المواطنة ، وصموا أسماعهم عن عويل أطفال يتضورون جوعا وتشردا . وإمعانا منهم في رش الملح على الجرح ، سحقوا بوحشية مفرطة وغير مسبوقة كل من سولت له نفسه التفوه بكلمات العتاب والشكوى ، أو أن صبره قد نفد ولم تسعفه قوى العزم على أن يتألم في صمت . ويخفي ضجره من شدة الإحباط والظلم الوضيع . لم يسبق أن عانى الناس بؤسا بهذا العمق . أربع عقود من التوجع والأنين المحزن لشعب أسير نير الدكتاتورية العسكرية . شعب سجين وطنه . وفي غياهب السجن تتماهى المشاعر ولا فرق . قال شاعر أفغاني من داخل سجنه :
أريني يا بلادي ثرى أرصفتك
حيث لا يجرؤ احد على السير وهو مرفوع الرأس
وحيث يحمل إليك المحبون الحقيقيون ولاءهم
وهم يمشون خلسة على أطراف أصابعهم من الخوف
لقد سدت الأحجار الطريق
وأطلق سراح الكلاب
من يا ترى سوف يتولى الدفاع عنا ؟
أين يا ترى سوف نعثر على العدالة ؟ ( 2 )
لقد ألفت حالة الذبول والأرق ، وعصفت بي الأنواء والرياح السوداوية حتى لم تبق أيامي إلا عبثا ، وأطبقت ضروب الألم والعذاب ، واستولى الضجر والاكتئاب ، وكأنه انحدار لابد منه ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا أرى في الغد ما يغريني البتة ، أتنهد بغير إرادة مني . حال من لحقه اليأس من فرص السلام . وفي الأفق ضباب وغيوم . فيا أيتها الأوقات الغوالي التي طالما أسفت عليها ، أعيدي إلى مجراك وأسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت .
أي نتيجة تلك التي نجني ثمارها اليوم لحقبة من العمل السياسي امتدت لأربعة عقود إذا كانت النتيجة هي جوهر المهم في الفعل السياسي .. بلاد مفجوعة تتسأل . تتألم بحرقة .. وغيوم مربّدة تبسط ظلها الثقيل ، مما يغدو معه القبض بأسى على دفة الزورق في عباب القلق الطامي مهمة عسيرة .. تعاظم الخرق يا صديقي , وخرجت الأحداث من عقالها ، ولن يجرؤ احد على أن ينتزع نفسه من الزوبعة ، وبات من الواجب أن يتصرف كل على حده كما لو كانت سلامة البلاد معلقة على سلوكه الخاص .. وسيظل الوطن – وقد دخل في طور المحاق – ينزف جرحه الدامي ما لم يتخلص من جلاده .
شر الإرهاق الافتقاد إلى الحرية ، وليس ثمة طريق مختصر لنيل الحرية . لا املك إلا أن اشعر بالأسى مما شاهدته من آلام من حولي . إننا نمخر بالسفينة في تيار مليء بالأمواج العاتية ، ولابد من مجهودات جبارة لإنقاذ السفينة ، سفينة مصيرنا .