16‏/02‏/2013

- صرخة الصحراء .. في ذاكرة راقان





    أواخر عام 2008 م وبالتزامن مع ازدهار العلاقات الليبية الفرنسية وإرهاصات دخولها القفص الذهبي والتعاون الأمني، وتصاعد الوعود الاقتصادية والحديث عن المنافع المتبادلة ، كتبت بنوع من المناكفة مقالا تحت عنوان " احتلال فرنسا اقليم فزان وتعويض ليبيا ". نشر بعدة صحف ، وكان جسرا لتواصل وتعارف مثمر مع الخبير النووي العراقي/ الجزائري الاستاذ الدكتور عبد الكاظم العبودي، استاذ الفيزياء الحيوية والمختص بتأثيرات الإشعاع على الخلايا الحية والباحث بقسم التقانات الحيوية بجامعة وهران بالجزائر .. وهو باحث ومؤلف رائد نشر الكثير من الدراسات حول هكذا موضوعات ،  بدءا من كتابه الأول الذي أصدره في العام 1993 والموسوم :  " بشر نعم ... فئران مخبرية لا  .. جرائم اليورانيوم المنضب في العراق" ،  متناولا فيه أوضاع التلويث الإشعاعي ومخاطره ، لا في العراق آنذاك وحسب ؛ بل شملت موضوعاته أحوال الجزائر وفلسطين والصومال وسائر البلدان العربية الأخرى ، والتي وجد فيها البروفسور العبودي حالات عدة مقلقة ،  تشير الى وجود تلوث اشعاعي محتمل .  ثم اصداره  لكتابه التالي في العام 2000 الموسوم بـ :   " يرابيع رقان .. جرائم فرنسا النووية في الصحراء الجزائرية " ،  وهما  إضافة الى مقالاته وبحوثه المنشورة يعدان المرجعان الأساسيان اللذان كانا ولا زالا مرجعين لكل من كتب فيما بعد حول موضوع التجارب النووية الفرنسية بصحراء الجزائر وجرائم الإشعاع في الوطن العربي ، نشر بعدهما العديد من الدراسات الميدانية ومتابعاته حول كل من العراق والجزائر خاصة ، راصدا ومتابعا أحوال التردي والمخاطر البيئية والصحية في المناطق التي تابعها وكتب عنها وحاضر فيها ، كما اشرف على عدد من الدراسات الجامعية بجامعة وهران خلال أكثر من عقدين متتاليين .
     عزمنا جميعا على إثراء هذا الموضوع ومتابعته وفق الامكانيات المتاحة في ظروف كانت تحاصرنا من كل جانب.. واخترنا ان تكون لنا صفحة على شبكة المعلومات أسميناها " صرخة الصحراء " لتوثق للكتابات والابحاث والمقالات التي تصدر حول تلك الموضوعات ومقارباتها البيئية والصحية والقانونية والاجتماعية ، في محاولة لفضح تلك التخرصات والاساليب التي تغطيها وتتكتم عليها ظروف لا زالت  تفرضها العديد من الحسابات السياسية وتقاطع المصالح الدبلوماسية والناجمة أيضا عن الضغوط التي تلقيناها من اطراف محلية ودولية عدة ، تمت بهذا الشكل او ذاك ، خصوصا  من أصحاب الارتباطات الخاصة بالملف وعلاقاته المتشابكة ، والناجمة كذلك عن الاجتهادات غير الصائبة لبعض الأطراف المحلية ، ممن لهم مصلحة بإبقاء الموضوع في خانة النسيان ومحدودية التداول ، إن لم يتم السكوت عنه  وطي صفحاته نهائيا . ومن الجانب الآخر..  كنا ولا زلنا نرى ان البحث في هذا الموضوع والتوسع في متابعته ونشر مستجداته يعد مساهمة قيمة نحو إثراء الذاكرة التاريخية لشعبنا في مجال الوعي والإدراك لحجم  الابادات والنكبات الكبرى التي شهدتها مناطق واسعة من بلادنا .
     بالمقابل انجزنا صفحة لنا على موقع التواصل الاجتماعي  الفيس بوك تمت الدعوة الى تشكيلها في مجموعة " رقان في الذاكرة " ، لتكون رديف لنشاطنا على صفحة " صرخة الصحراء" و " جرائم فرنسا "  وحلقة تواصل بين من يعنيهم الأمر من خلال المتابعته اليومية  لإثراء الموضوع والكتابة عنه وجمع ما يمكن توثيقه من معطيات  وافلام  ومقالات وأخبار مستجدة وما ينشر هنا وهناك  في ارجاء الوطن العربي والعالم .
     وعندما أصبحت صفحتنا الرئيسية " صرخة الصحراء " تلقى قبولا لدى المهتمين والباحثين بمتابعة الملف .. لم نتوقف عن مراسلة جهات عدة ذات صلة وعلاقة بالموضوع ، الذي بات يتحول بفضل جهودنا المشتركة، الى قضية رأي عام . حاولنا ولا زلنا نبني صرحا من الإرادات والعزائم . توجهنا في نشاطنا الى الإعلام والى حرم الجامعات بكل تخصصاتها، والى المنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ، رصدنا العديد من المساهمات والمشاركات ، منها ذات الطابع الرسمي الحكومي كتلك التي تم تنظيمها برعاية سامية للسيد عبد العزيز بو تفليقة رئيس الجمهورية الجزائرية ودعمه لعقد مؤتمرين دوليين في الجزائر العاصمة قبل سنوات بحضور دولي لافت للأنظار تجلى من خلاله الموقف الرسمي المعبر عن إرادة الدولة الجزائرية بعدم السكوت عن الموضوع استشعارا لفداحته ومأساته ، التي بدأت تتجسد أمام الجميع في مظاهر مقلقة من واقع سجلات ارتفاع حصيلة الضحايا والاصابات السرطانية وأمراض أخرى شملت كل الاعمار ومختلف الاجيال وعديد المناطق ، ما يعني ان الموضوع بدأ يفرض تناوله ويعكس  فداحة اثاره ككارثة بيئية وإشعاعية ، لها تفاعلاتها المحلية الإقليمية وآثارها الوخيمة على مستقبل تلك المناطق التي تعرضت للتفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية وامتدت الى أحوازها في سائر أرجاء الصحراء الإفريقية ولعديد بلدانها وأقاليمها المطلة على الصحراء والمسماة بدول الساحل .
   وهكذا أصبح الموضوع وبجهد متناسق ومتواصل يفرض نفسه على السياسيين والمؤرخين والبرلمانيين والدبلوماسيين والمعنيين بتطور ومستقبل العلاقات مع الدولة الفرنسية ، التي لازالت تصم آذانها لسماع أنين الآخر  على الضفة الجنوبية من المتوسط ، وتتجاهل أصوات خبرائنا وإعلامنا حتى هذه اللحظة .
        لا زلنا نتواصل وبنفس العزيمة لكي نوسع من خلق رأي عام محلي ووطني واقليمي يكون ضاغطا على مجريات تطور هذا الملف ونتائجه ووضعه على المستوى الدولي باستحقاقه كجريمة ضد الانسانية وحرب ابادة منظمة لا تسقط بالتقادم ، وهو كملف وقضية لا يقل أهمية عن ملفات هيروشيما ونياغازاكي وتشرنوبيل وفوكوشيما ؛ كونه لا يعكس حالة سجلت لحوادث نووية طارئة جرت في توقف او انفجار داخل مفاعلات نووية أصابها خلل ما ، كما في حوادث نووية مسجلة ومعروفة في العالم مثل: " ثري مايل " الامريكي ، و" تشرنوبيل " السوفيتي باوكرانيا ، و" فوكوشيما " في اليابان ؛ بل ان تفجيرات فرنسا النووية في الصحراء الجزائرية هي تفجيرات عسكرية  واسعة النطاق كانت مغامرة وجريمة مع سبق الاصرار  اجرتها سلطات عسكرية ، احتلالية ، على ارض ليست لها ، وقد جلبت لساكنتها وفوقها دمارا شاملا ، وبالطبع بمشاركة دولة احتلالية اخرى التي هي اسرائيل . وهكذا كانت مساعينا محاولة لكشف المستور والمسكوت عنه هنا وهناك .
   عندما اضطرت فرنسا عام 2010 الى اعلان ما يسمى " قانون موران"  واعدة بتعويضات لضحايا التفجيرات والتجارب النووية الفرنسية للعاملين من أفراد القوات المسلحة الفرنسية المنفذة لتك التفجيرات  ولسكان مناطق المحيط الهادي " الباسيفيك " ، سكان بولونيزيا ، والإشارة ، بشكل خجول ، الى ضحايا التجارب النووية الفرنسية على الاراضي الجزائرية من سكان الصحراء . جاء ذاك القانون الذي اعلنته سلطة الرئيس الفرنسي السابق  ساركوزي ووزير دفاعة موران في كثير من فقرات شروطه انتقائيا وعنصريا استهدف اية فرصة لاحقاق حقوق الجزائريين وسكان الصحراء . ورغم تلك الشروط المجحفة والبعيدة عن الحقائق العلمية فان المبلغ المعتمد للتعويض لجميع الفئات المنوه عنها في البيان الرناسي كان مبلغا متواضعا وغلافا ماليا ليس ذي قيمة وقدره 10 ملايين يورو.
      لقد افرد الدكتور العبودي الكثير من التنبيهات الرافضة لمناورة الإدارة الفرنسية منوها الى عدم جديتها في قضية الاعتراف الكامل بالجرم ، لكونها استبعدت في الاساس قضيتين هامتين : الاعتراف بالجرم والاقرار المحق لحقوق الضحايا ، وخاصة على الضفة الاخرى من المتوسط . وقد أكدت المعطيات السياسية والأحوال الجارية في المنطقة صحة توقعاته : من ان مقترف الجرم لا يزال يحوم حول موقع جرائمه في الصحراء ، لكنه لا يمتلك حتى الآن الشجاعة الكافية للاقرار بها ، والإقدام على مراجعة تاريخية وسياسية مسئولة تليق بحقوق الانسان وبالمستقبل المنتظر ، لانصاف الجميع ممن شملهم الخراب والدمار النووي والكيمياوي الشامل ، ومنهم شعوب دول الجوار الجزائري وخاصة من ناحية الجنوب والجنوب الشرقي للجزائر.
   ولا زلنا نواصل ، جهودنا التي باتت مرتكزاً لحملة وطنية واقليمية وحتى دولية لفضح مستجدات  الموقف الفرنسي من جهة ، وتسجيل ورصد ما يجري عند المناطق المنكوبة ، متجاوزين بصبر الحالة العامة القائمة في الاقليم وأحوال الدول العاجزة عن تحريك مثل هكذا ملف دوليا ، ناهيك عن التضييق على تشكيل منظمات المجتمع المدني النشطة وغير المسيرة من قبل ادارات السلطات لكي تأخذ زمام المبادرات الشعبية في بلداننا دورها في تمثيل الضحايا واشراكهم في منظمات معترف بها ولها مكانتها في الحوار والتواصل مع العالم ولوضع الملف على طاولة الاعتراف العالمي به كاحدى المشكلات البيئية المعقدة  ذات المخاطر المفزعة .
     ونحن، وإن كنا ندرك مديات اليأس من تجاوب جهات محلية ووطنية واقليمية ودولية  لمثل هذه الجهود  مسبقا ، بحكم المعطيات السياسية والمصالح الراهنة المرتبطة وواقع المرحلة ؛ إلا اننا نشعر بشيء من الثقة والامل في ان الموضوع لم يعد مجرد مناسبة تاريخية او احتفالية ظرفية .. موقعنا وصفحتنا وكتاباتنا هنا وهناك حول الموضوع تتجاوز الظرفية الاحتفالية الى الاستشعار بأخطار الموضوع الآنية والمستقبلية وبما يمس جوهر الاستقلال وبناء الدولة الوطنية ذات السيادة .
   وبمرور خمسة سنوات على نشاطنا عبر الشبكة المعلوماتية .  لا بد ان نسذكر هنا عدد من الأنشطة والفعاليات والمؤسسات التي توجهنا اليها طلبا للعون والتعاون والمشاركة ، ورغم يقيننا من انها لم تتحرر بعد عن الوصايات الحكومية الرسمية بشكل كامل ، لكننا كنا ولا زلنا نعقد العزم على إحراج تلك الجهات ودفعها الى المصداقية ، للتأكد من مدى صحة إعلاناتها وادعاءاتها ومطالباتها باسترجاع الحقوق الانسانية والدفاع عن المظلومين وفرض التعويض للضحايا ومعالجتهم بما يليق بالكرامة الانسانية وقيمة الحياة .
     كثيرة هي الأنشطة التي بادرنا اليها، لكننا سنتوقف الى البعض منها: رسالة مناكفة ارسلت لرئيسة جمعية " واعتصموا للاعمال الخيرية والتنمية " - على سبيل المثال - شهر مارس 2009 م  معنونة بـ  : " في مناسبة الذكرى التاسعة والاربعين للتفجيرات النووية الفرنسية .....  جاء في مضمونها ....كلنا امل في توظيف خبراتكم القانونية، ودرايتكم بمكونات المجتمع الفرنسي ، والمكانة المرموقة التي تحضون بها على المستويين الإقليمي والدولي ، لمساندة ملف " تعويض شعب الصحراء "  هذا على مستوى الساحة في القطر الليبي . لقد ذهبت مراسلاتنا التي لم تستثن مؤتمر الشعب العام ، الى مؤسسة سيف الابن ، إلى غيرها من مؤسسات اكاديمية وجامعية ،  أدراج الرياح ، الكل يتوجس من نبش ما يعكر صفو العلاقة الحميمية مع فرنسا التي كان يرى البعض انها كانت في مهدها . ، قبلها قام الاستاذ العبودي بدوره عندما ناشد بكل الوسائل المتاحة له جمعيات ومؤسسات وطنية جزائرية من برلمانيين وجامعيين وحقوقيين لكي تتوثق المساهمات وتتبلور الافكار عنها لدى كل  تلك الجهات ، ولتوفير بنك معلومات ودراسات ووثائق وشهادات تكون معطيات لملف متكامل يستحق التقديم الى لجان حقوق الانسان والوكالة الدولية للطاقة الذرية والى العالم والى فرنسا خاصة كملف لازال اعداده يتطلب الجهد ، وسيكون هاما واساسيا لوصف معاناة سكان الصحراء وجحيم حياتهم .
     اليوم نعود لنستذكر تلك المحاولات  بمناسبة مرور الذكرى 53 للتفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء والذكرى السنوية الخامسة لموقعنا " صرخة الصحراء " والسنوية الاولى لمجموعتنا " رقان في الذاكرة " .. وقد بلغ عدد المشاركات على موقعنا " صرخة الصحراء"  745 مشاركة .. منها ... مقالات ، ودراسات ، وتوثيق للقاءات حوارية ، وشهادات، وتوصيات مؤتمرات .. الخ .. وقد تجاوز عدد زوار الصفحة حتى تاريخه 74 الف زائر . ولا يقل ذلك في صفحتنا ومجموعتنا " رقان في الذاكرة ".


     اننا اذ نتقدم بوافر التقدير لكل زوارنا من طلبة الجامعات الى الإعلاميين والمهتمين بالعمل الصحفي والى البحاثة والدارسين حضورهم ودعمهم  ومتابعتهم .. والى كافة اعضاء فريق " رقان في الذاكرة ". لا يفوتنا ان نتوجه بالمناسبة الى  ضحايا تلك الرعونة النووية والكيمياوية الفرنسية ولكل من طالت حياتهم وحياة ابنائهم واجيالهم من اهلنا في المناطق المنكوبة تلك المآسي  والآلام والامراض والتدهور الاقتصادي والبيئي والصحي بسبب تلك الجريمة النكراء .. والى كل ضحايا رقان واقليم توات وولاية ادرار واقاليم الساورة والواحات والى مناطق الهوقار في عين إيكر بولاية تمنغست  وسكان مناطق حماقير ووادي الناموس وبني ونيف بولاية بشار في الجزائر والى سكان الغرب الليبي في ادري وبراك وسبها ومرزق ووادي عتبة والقطرون واوباري وغات والعوينات الى الكفرة وتازربوا وربيانة ، والى اهلنا الرحل في كل تخوم الصحراء وأحوازها الافريقية من جنوب المملكة الغربية الى تشاد والنيجر ومالي  .. الى الاجيال الماضية والحاضرة والمقبلة .. ضحايا التجارب النووية والكيمياوية والصاروخية الفرنسية بالصحراء على امتداد عشرات العقود من الازمنة المنسية تحت ركام جرائم الاحتلال الفرنسي .. والى كل اهلنا في عموم الصحراء . نشاركهم الاسى في مصابهم الجلل .. وكلنا أمل ان يأتي اليوم الذي تتكشف فيه كل الحقائق وينصف الضحايا في بلداننا  .. رغم كل ذاك التعنت الرافض لفتح الأرشيف .. والعمل على تطهير المناطق التي لازالت ملوثة كيميائيا واشعاعيا ، والزام المجرمين الكشف عن مواقع دفن النفايات بكل اشكالها المشعة والكيمياوية ، ورفع ما تبقى منها مكشوفا على الارض .. والاسراع  الى تعويض الساكنة ، وتقديم مستلزمات الرعاية الصحية والعلاج وبناء المستشفيات المتخصصة ، وتدريب الكوادر والإطارات الوطنية لأخذ دورها المحسوس في الكشف والمتابعة .. والمطالبة بصيغ واضحة من التعاون العلمي والبحثي عن طريق جامعاتنا ومؤسساتنا الوطنية الأخرى للاستفادة من النتائج العلمية المتوصل اليها من وراء تلك التجارب .. مهما طال الزمن .

     نستذكر ايضا هنا هاجسا آخر كان ماثلا اوآن كتابة المقالة ، يتعلق بما اشيع اواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي عن نقل اليورانيوم من مناطق تبستي عبر صحراء الجنوب ، وبالنظر الى المخاطر غير المدركة من وراء هكذا خطوة ، استثمرنا فرصة انعقاد ندوة اشرف على تنظيمها ( مؤتمر الشعب العام ) يونيو 2009 تحت عنوان " حقوق الإنسان في الحياة في عالم خال من أسلحة الدمار الشامل "  بمدينة سبها ، وعبرنا  من خلال اتصالات هاتفية باللجنة المنظمة عن الرغبة في المشاركة وامكانية ان يتزامن حضور الاستاذ الدكتور عبد الكاظم العبودي مع اجراء مسح لمناطق صحراء الجنوب لقياس نسبة التلوث الإشعاعي الناجم عن التجارب النووية الفرنسية ، لاعتبارات تتعلق بتزامن التفجيرات مع هبوب رياح نقلت الغبار المشع عبر اراضي اقليم فزان ليصل الى نجامينا عاصمة دولة تشاد الشقيقة بعد 13 يوما ، وكان امتداد الغمامة النووية قد بلغ 80 كم طولا ، من واقع تقارير تحدثت عن متابعة الطائرات الفرنسية والأمريكية لحراك الغمامة النووية .. كما ان الخطر بات متحركا وواسعا وشاملا وليس ثابتا كما اريد الايحاء له ، بالنظر الى حركة الرمال والرياح ، وان دقائق الرمل  وحركة العديد من نتائج الانشطار النووية من السيزيوم والسترونشيوم والكاربون المشع ستظل في المحيط والاجواء وتحتفظ بطاقاتها الاشعاعية لمدد تصل الى 24 الف سنة ، واذا ان اغلب التجارب والتفجيرات النووية الفرنسية قد استعملت البلوتونيوم مادة للانشطار النووي في تفجيراتها ، وما كشف عنه مؤخرا عن استخدام  البلوتونيوم ايضا بتجارب التفجير البارد وفي مواقع العديد من الآبار في حقل بولين  وادرار تيكرتين في عين ايكر وغربها وفي مواقع الانفاق تحت الارض والجبل ، علما بأن نصف العمر الزمني لنشاط البلوتونيوم يصل الى 4,5 مليار سنة . كل تلك الحقائق وضعت امام المسؤولين، ساسة وباحثين وادارات جامعية ، وللاسف ما ان استعد البروفسور عبد الكاظم العبودي لحزم امتعته ، فوجئنا باهمال طلبنا وعدم اصدار الدعوة له دون ابداء اي مبرر، رغم الموافقة مسبقا على ذلك والاتفاق على ابلاغه بالحضور .. ويبدو ان الغرض من اقامة تلك الندوة لم يكن يتناغم مع العنوان بقدر ماكان يهدف الى تعاطي سياسي اعلامي لإضفاء مسحة انسانية على النظام تظهره في ثوب المناهض لأسلحة الدمار الشامل والأنشطة النووية ، استكمالا او تبريرا لخطوة تسليم المعدات النووية للولايات المتحدة الأمريكية بشكل متخاذل ومن دون اية احترازات وشروط او حتى حقوق للاموال والتجهيزات العلمية التي يمكن استخدامها لاغراض بحثية اخرى  .

     بعد تطور الاحداث الليبية وصولا الى الانتفاضة المسلحة وعندما تم التدخل الاجنبي وخاصة الدعم الجوي لقصف عدد من المواقع وترسانات الاسلحة التي يمتلكها النظام ، عدنا وفي الساعات الاولى للتدخل العسكري الامريكي والفرنسي الى تنبيه الرأي العام ووجهنا نداء الى العالم والى كل من يهمهم الامر ، حذرنا من اية استخدامات للاعتدة والقذائف التي تشتمل في تراكيبها على اليورانيوم المنضب ، وقد وجه البروفسور عبد الكاظم العبودي نداءه المعروف الى العالم لحظتها لتفادي وقوع كارثة تلويث اشعاعي اخرى على الاراضي الليبية ناجمة عن الافراط في القصف والاستخدام الواسع للاعتدة المشعة ، كالتي حدثت في العراق في سنوات التسعينيات بعد غزو الكويت وفي العمليات العسكرية خلال الغزو الامريكي للعراق... ولا زال هذا الموضوع حتى الساعة مجهولا في ليبيا لغياب المتابعة والدراسات والكشف الاشعاعي لمناطق القصف الجوي في مدن ومواقع ليبية عدة .
      أخيرا وبعد انتصار ثورة السابع عشر من فبراير اصبحنا نلحظ بين الحين والآخر ايماءات مزعجة تتحدث عن مخلفات لمواد كيماوية ونووية تكتشف هنا وهناك ، ما دعانا الى دق اجراس الخطر ، وكان الدكتور العبودي سباقا الى التنويه في مقالة له بعنوان ( ليبياوالعراق مقارنة بين مخاطر التلويث الاشعاعي والكيماوي ) مارس 2012  . وبالمقابل كتبت بتاريخ ( 01‏/04‏/ 2012 ) مقالة بعنوان ( مقاربات حول واقع التلوت البيئي في ليبيا بين الامس واليوم ) .. ونشرت جميع هذه الاعمال بصحف مختلفة في حينها .

    لا يزال يحدونا الأمل  في تتبع الآثار  المرتبطة بالاشعاع النووي والتلوث البيئي بمناطق الصحراء .. وكذا الامراض التي لا زالت تنهش الساكنة من اهل الصحراء .. السرطانات .. الربو .. السل .. الجدري .. الرمد .. التشوهات الخلقية والجينية. حالات الاجهاض. انخفاض معدلات الخصوبة الخ .. اكتب هذه الكلمات وانا أعاني من ورم السرطان .. واتمنى الشفاء .

عابدالقادر الفيتوري .. جامعة سبها .. الجنوب الليبي 
16 فبراير 2013