23‏/08‏/2013

- ذهب ولم يعد !!






    فوجئت بالأمس ان احد اصدقائي المرموقين اختار استخدام اسم مستعار ، بعدما كان حاسر الوجه في حواراته عبر مواقع التواصل الاجتماعي .. سألته : واجاب :
-       الاسماء المستعارة عدنا الى حيث كنا ولا فرق ..!!
-       لست متفائلا  لدرجة الاعتقاد ان امم عانت القهر منذ مئات السنين وبعضها آلاف السنين ( مصر) من الممكن ان تتجاوز كل هذا الركام من القهر الذي سحق الاخلاق ، وتتحول الى  امم متمدنة في زمن وجيز , لقد انفجر جوع مخيف للسلطة والمال والنفوذ, هذا كل ما حدث .
-       صدقت .. وبنهم لا نظير له .. الوطن اوطان .. تحالفات قبلية وجهوية وحزبية مصلحية ..  انا ومن بعدي الطوفان .. وكأن الوطن يعرض في سوق النخاسة .

-       لذلك بالنسبة لي الفرار الفرار ههههههههههههههه

-       افكر ايضا في الامر .. العودة لما كنا والتحدث دون تحفظ .. لكنني اتذكر ان هذه الطريقة لم تنجح ذات يوم .. واجهزة ايغل لا تزال موجودة وتعمل ههههه .

-       غياب السلطة او الدولة بالشكل التقليدي فرصة وتجربة لا تتكرر .. فرصة لتأمل الانسان على حقيقتة ..  الانسان لا يخفي حقيقته في حالتين : القوة الشديدة او الضعف الشديد .

-       القوة كابحة في كل الاحوال .. ومعاندتها مغامرة ... احيانا يبدو لي ان حالة التجهيل التي مر بها الشعب اساس المعضل .. التعليم يدجن الانفس والشعوب .. والجهل يدفع بها الى التوحش .

-       بغض النظر عن الاسباب والتي في مقدمتها  التدمير الممنهج الذي مارسه  النظام المنهار  ، ما حدث كشف عن خلل عميق في الهوية  والاخلاق في الذات .

-       وهذا مؤلم .. لم نكن نتوقع ان منظومة الاخلاق بهذا المجتمع منهارة الى هذا الحد .. تتردد عبارة بلد المليون حافظ .. نفاجأ بتعذيب الاسير .. والنهب القسري للمواطن والوطن .

-       القهر يفسد الاخلاق  ، نتيجة طبيعية لاربعة عقود من الامتهان .

-       القهر والفقر والجهل .. واربع عقود من التوجع .. ولحظة انفلات مفاجئ .. لا ندري الى اين .. وعسى القادم خير .

-       عسى ..


-       ذات يوم قال ثائر رمز وصاحب تجربة طويلة مع العمل الثوري ، يدعى تشي جيفارا :     " كي تكونوا ثوارا جيدين عليكم بالتعلم كثيرا حتى تتقنوا التكتيك الذي يتيح لكم فهم الطبيعة والتأثير عليها . و أذكروا أن أهم ما في الحياة هو الثورة ، وأن كل واحد منا على حدة لا يساوي شيئا " .. ولكأنني ارى نكوص ثائر .. لقد عرفتك صديق من بين قلة نادرة .. رفض عروض المال والمناصب والمراتب بالأمس ، رفض المقايضة وشراء قلمه .. وها هو يغادر مرة اخرى .. مختفيا عن الانظار ..  لقد اصاب جيفارا في نصحه : " إن كل واحد منا على حدة لا يساوي شيئا " .. ابقى .. او دعنا نغادر سويا . انتظر عودتك .. لا تتركنا وحدنا ... لكنه ذهب ولم يعد .

19‏/08‏/2013

ايام في فزان - 2





   في فترة تالية .. اعلن عن دعوة مدرسي مرحلة ما فوق الالزام ، لاداء دورة تدريب عسكري ، كنت حديث التخرج ، هذا الصيف فقط .. يوليو 1980 .. يقضي البرنامج بالجمع صباحا الساعة السادسة ، وينتهي بنهاية الدوام الساعة الثانية والنصف ظهرا ، كانت حرب تشاد في اوجها ، وبدأ المعسكر يفرغ ، ذهبت سرية ، ولحقتها اخريات ، وآمر المعسكر هو الاخر ، والكل متجه جنوبا ، بقينا نحن وعدد قليل من ضباط الصف بصفة مدربين ،  فك وتركيب الاسلحة الخفيفة والمتوسطة .. ارتباك وترقب ، كل ذلك العدد الذي بعث الحياة بالمكان .. ذهبوا جنوبا .. وجوه الجنود وهم مغادرون ترى فيها معنى الوداع في اسوأ صوره ، اخبار زملائهم من الجبهة تتحدث عن صحراء تشتعل .. وها هم قد قفلوا .. وذاك ما ينتظرهم .. الصيف .. جغرافيا المكان .. المسافات الطويلة .. حرب وقتل ودماء .

- ايام في فزان


 374557_584800471532483_9697016_n
     في قرية نائية بالجنوب الليبي .. صحراء فزان .. اسمها ” الزيغن ” .. تفتحت عيني على الكون والحياة .. الزيغن حيث ولدت .. واحة الجدور.. في الصباح نذهب الى المدرسة ، وفي المساء عادة ما نكلف برعي الماشية .. الغنم .. هناك بالمزرعة  القزمية طرف الواحة ..    وفي البراح حيث تتوافر عشبة العقول الصحراوية .
   مدرسة ابتدائية مكونة من خمس فصول ، هي المؤسسة التعليمية الوحيدة .. بالاضافة الى المحضرة .. وتختص بتحفيظ القرآن عن ظهر قلب .. ودون البحث في شروحات او أي تفسيرات .. موعد التدريس يبدأ من بعد صلاة الظهر .. الى وقت صلاة العصر .. وفي الصيف بالذات ، الشمس حارقة .. وشيء من عصبية مزاج المعلم ” الفقيه ” .. والعقاب الجماعي .. و” الفلقة : حبل قصير في شكل نصف دائرة  ، طرفيه مشدودة الى العصا .. “.. اثنان من زملائك يطلب اليهم شد ارجلك بالحبل ، وتدوير العصا بقوة .. عضة القبضة تلزمك على فرد ارجلك بثبات .. وتتهيأ افضل لاستقبال ضربات عصا الفقيه .. تتألم ما يكفي ، وتتعود .. كنت اتلكأ في الذهاب .

       الطوب الرملي لبنة البناء ، منازل القرية ، احياءها ، شوارعها ، تكاد تتشابه في التفاصيل ، الطوب مادة البناء ، جدوع النخيل تقوم بديلا للاعمدة العلوية والساندة ، اغصان النخيل ضفيرة السقف ، سعف النخيل نشارة لصم الفتحات الصغيرة ، ثم طبقة من الطين المجون الخطوة الاخيرة لانجاز السقف .
    ترتفع جدران البناء بوضع اللبنة تلو الاخرى في عمل دؤوب يستغرق وقتا ، الطوب المستخدم والمسمى ” قالب ” عبارة عن طين معجون كبس في قوالب ، وترك حتى يجف .. وقليل هم من يتخدوا من الاحجار بديلا عنه ، لصعوبة التعامل معها في اعمال البناء ، وما يحتاج تجهيزها من اعمال تهشيم وتصغير لحجمها ، وعمليات نقلها الى المكان ، ففي العادة لها مقاطع واراضي تتوافر بها ، اى محاجر ، بعيدة بعض الشيء على حدود امتداد القرية .
    الجري هو الرياضة المفضلة لدينا ، ولا معرفة لنا بكرة القدم ولا الطائرة  إلا من خلال ساحة ارض جوار المدرسة ، تبرع بها مواطن لتكون ساحة لعب لكرة القدم ، نصبت بها علامات المرمى لوحتين
   في الجري حيث نتسابق ، حديث في المأتور عن فائدة دم ديدان الابل ” القراد ” في زيادة المهارة .. نقول عنها ” دلم ” و ” ذمل ” وذمامل ..  الابل على مقربة منا في اطراف الواحة .. نذهب هانك الى مراتعها ، ونقوم بتخليصها من تلك الديدان ، كنا اطفال صغار ، تألفنا معها حتى بات قدومنا مرحب به ، فنحن الاصدقاء الذين قدموا لتخليصها مما يزعج وحدتها وسكونها ، حشرة القراد ، الصغيرة الحجم ، المؤدية ، والقادرة على التكور ليتضاعف حجمها اكثر من عشرة اضعاف حجمها الاصلي ، بفعل كمية الدم التي امتصتها من الناقة او الجمل .. كتلة من الدماء ، مجرد قمع رأسها على باطن الرجل ، تنفجر دما اسود قاني .. نلطخ قاع ارجلنا به ، ونجرب من جديد ، هل حقا زادت سرعة عدونا .. وبقية الزملاء يقدرون . 
   الجري حفاة .. والارض طينية حجرية .. في معتزل قلب الصحراء .. لا معرفة لنا بالكهرباء والاسلاك .. ولا الهاتف .. عدة ابار مبعثرة وسط القرية وفي شوارعها ، كافية لسد حاجة القرية من المياه العذبة ، عمق البئر من 3 الى 5 امتار في العادة .. وفي مواطن من الواحة ، بالغابة ، يمكنك ان تبحث بيدك لمسافة دراع لترتوي ، قليلة هي المواضع ، وفي العادة يكون الذئب هو المكتشف ومن قام بمهمة الحفر ، تقف لترى الماء يتفجر في بقعة صغيرة وسط الرمال ، ويمد اليك بيسر ، وسط براح قاحل لم تقوى على معاندة ظروفه المناخية وارضه العطشى سوى اشجار الطلح والنخيل .
DSC_0031
    إن السفر من خلالك شر لا يقطعه إلا السير .. هكذا المثل الذي يردده أهل الصحراء في مناجاتهم لها .

     الزيغن … إحدى واحات فزان تتموقع في أحضان الصحراء بالطرف الشمالي لوادي البوانيس الذي يشمل أيضا مناطق  : سبها ، وسمنو ، وتمنهنت إلى الجنوب.

    مثلت في الماضي نقطة التقاء القوافل العابرة للصحراء والقادمة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال . إذ تتوسط المسافة بين وديان الشاطي ومرزق . تفصلها عن زويلة وتمسة اللتان تمثلان الطرف الشمالي لوادي مرزق 130 كلم . وعن مناطق اشكده وقيره وبراك الطرف الشرقي لوادي الشاطي 50 كلم . كما إنها على مسافة 75 كلم عن مدينة سبها حاضرة الإقليم إلى الجنوب . وفي الشمال حيث واحة الجفرة على بعد 300 كلم . والفقها شمال شرق بمسافة 130 كلم . وقد منحتها حالة التواصل مع كل هذه المناطق المترامية أشبه ما يكون ببوابة الصحراء أو بداية الطريق إلى الجنوب حيث فزان وبلاد السودان ( أفريقيا السمراء ) .

     في واحة الزيغن… القرية تتوسط غابات النخيل التي تنتشر في مساحات شاسعة وممتدة إلى مئات السنين حيث شكل التمر إلى جانب الحبوب الغداء الرئيسي والطابع المميز للنشاط الاقتصادي . إضافة إلى الرعي الذي تيسر مهمته توافر الكلأ من عشب العقول والضمران التي تغطي هي الأخرى مساحات مناسبة للرعي وإن لم تكن تثنى الأهالي عن التوجه شمالا نحو مناطق سرت والهاروج في حالات الندرة ، لنفس المهمة ولهمة المقايضة بمنتجات تلك المناطق .

     بين الصخور والكثل الجبلية ذات اللون الأسود الغالب والتي تهدي لك بين الحين والأخر تحفة من المتحجرات النباتية أو الحيوانية ، وبين الكثبان الرملية التي هي أشبه بالأمواج وقد توقفت في بحر الرمال ، ترى همسا يؤيد الفرضية القائلة بان رمل الصحراء من إنتاج البحر .. ومهما كان أكيدا أن الماء قد اوجد الكثبان في الصحراء ، فانه أكيد أيضا أن الرياح هي التي منحتها شكلها الخارجي ومنحتها لقبها ــ عرق ــ سيف ــ خشم .

      بين هذا وذاك .. وحيث لا يبقى لك إلا الصوت البعيد للأشياء غير المحدودة .. تقف شجرة النخيل .. الوصفة هبة الطبيعة للحياة في الصحراء .. تصارع قسوة الطبيعة لترسم دورة التناغم بين الحياة والموت ، في لوحة ربانية رائعة الجمال ، يملؤها الوفاق والتنافر ، فاللون الأخضر لون الأمل والحياة في طلع النخيل يداعب كثبان الرمال و قفر الماء .
 SWScan00027
عام 1964
      لا تزال ماثلة تلك الأكوام الصغيرة من الصخور التي رسمتها جحافل غرستياني على صدر صحراء فزان وهي تقتفي المسالك في اثر خفاف الجمال … ولا تزال الصحراء تردد بكائيته الشهيرة ” إن لك سحر الأشياء الخفية التي إن قبضت لا ترحم ” … ولا تزال الصحراء تبعث برسالاتها إلى أولئك الذين تتملكهم الرغبة لان ينعموا من الصحراء بتلك الخلوة التي تحرر الذاكرة من ضغط الشعور بأشياء العالم … فلا شيء أكثر وقعا في النفس من ذلك الصمت الذي يغلف الصحراء … حقا إذا كانت الدهشة أول المعرفة فالصحراء الدهشة بعينها .
    في المدرسة نصطف صباحا لتحية العلم ، والنشيد الوطني : 

يا بلادي بجهادي وجلادي              ادفعي كيد الأعادي، والعوادي
واسلمي
اسلمي طول المدى             إننا نحن الفداء
ليبيا ليبيا ليبيا
يا بلادي أنت ميراث الجدود             لارعى الله يداً تمتد لك
فاسلمي،
إنا -على الدهر- جنود         لا نبالي إن سلمت من هلك
وخذي منا وثيقات العهود               إننا يا ليبيا لن نخذلك
لن نعود                للقيود
قد تحررنا وحررنا الوطن
ليبيا ليبيا ليبيا
جرد الأجداد عزماً مرهفاً         يوم ناداهم منادٍ للكفاح
ثم ساروا يحملون المصحفا             باليد الأولى، وبالأخرى السلاح
فإذا في الكون دين وصفا               وإذا العالم خير وصلاح
فالخلود         للجدود
إنهم قد شرفوا هذا الوطن
ليبيا ليبيا ليبيا
حيّ إدريس سليل الفاتحين              إنه في ليبيا رمز الجهاد
حمل الراية فينا باليمين          وتبعناه لتحرير البلاد
فانثنى بالملك والفتح المبين             وركزنا فوق هامات النجاد
رايةً             حرّةً
ظللت بالعز أرجاء الوطن
ليبيا ليبيا ليبيا
يا ابن ليبيا، يا ابن آساد الشرى         إننا للمجد والمجدُ لنا
مذ سرونا حمد القوم السرى             بارك الله لنا استقلالنا
فابتغوا العلياء شأواً في الورى           واستعدوا للوغى أشبالنا
للغلاب          يا شباب
إنما الدنيا كفاح للوطن
ليبيا ليبيا ليبيا
 ج -2
    ” ام العبيد “.. على بعد 20 كم شمالا .. ،  طريق ترابي ، خلوة متوارية ، عين ماء ارتوازية ، بنى الى جوارها الفرنسين اعلى التبة حامية صغيرة .. لا تزال باقية على هيئتها الاولى ، الحقت بها اسيجة واسوار ممتدة .. جف النبع .. وسمي  المكان ” ام الاحرار ” .. لتدريب العناصر التشادية المناهضة لحكم الرئيس التشادي حسين حبري .. هجرت فيما بعد ، وهي اليوم ما تبقى من اطلال السور ، ومبنى الحامية .

17‏/08‏/2013

- أيام في الجندية

   خلال عطلة صيف العام الدراسي 1975- 1976 .. اعلن عن طلب الدفعة الاولى لتدريب الطلبة الاساليب العسكرية و فنون القتال  ( دفعة 1/أ ) وتشمل طلبة المرحلة الثانوية ، وخلال شهرين يقضيهما الطالب بمعسكر التدريب .. استقبلنا الجنود ، ضباط صف  ، وفرقة للمجندين المستجدين قوامها 28 فردا ، كان ذلك بمقر اساس تدريب سبها المجاور لقلعة سبها ، لاحظنا نوعا من الارتباك على الجنود الذين كلفوا بالقاء محاضرات حول الضبط والربط ، ” يقولك اسود قول اسود ، يقولك ابيض قول ابيض ” .. حصة الرياضة تبدأ الساعة الرابعة والنصف فجرا ، يلزمنا التأهب للجمع بالملابس الرياضية قبل الموعد ، نائب عريف ” كاري ” من فرقة الصاعقة ، في بعض الاحيان يكتفي بجولات هرولة حول ساحة المعسكر ، لينتقل الى ممارسة تمارين ” سويدي ” .. تمرين شد البطن والعضلات ، واحيانا ولاغراض تأديبية تمتد الهرولة الى حيث مقر القلعة .. وفي ساحة القلعة تمرينات وعودة لمقر اساس التدريب .. مسافة تقدر بحوالي 5 كم نقطعها صباحا ، ونعود منهكين يومها بالذات . تنقضي الساعة ونتفرق ،  نصف ساعة لتغيير هندام الرياضة بالبدلة الكاكي الخضراء ، ومنها الافطار ، كانت الفترة قصيرة وترى الجميع مسرع لاقتناص لحظة ، التأخير عن الجمع الصباحي يهدد بعقوبة ” تعليم اضافي ” والتي هي تدنيب وسحل على الاسفلت الحارق في صيف فزان ، ولكم كان زملائي من على اليمين والشمال يتأوهون ، ولكم كانت تأوهاتهم موجعة كل صباح ، وهم يهمون بتخليص سراويلهم من جلد الركبة ، وقد تشبت بها الجرح ، .. 

 

   كانت الحراسة مشددة ، التدريب عنيف ، ويبدو ان التعليمات صدرت بذلك ، فقد عمت موجة التدريب المعنف للطلبة بكل معسكرات البلاد .. وسقط قتلى اثناء التدريب  في بعض منها .. كان لزاما لمن يفكر في الهرب ان يعمل الف حساب .. هناك التمام الصباحي .. والتمام نهاية الدوام ، واحيانا تمام فجائي في الفترة المسائية ، والتمام الليلي كالعادة . في طرف السور ناحية القلعة تهتم بالجدار ، ومن المخاطرة الهروب من هناك ، اذ لا مفر من المرور من امام حرس البوابة وانت متجه نحو المدينة سبها .. وسيشك بامرك وتعاد وتعاقب ويدرج اسمك ضمن المستهدفين بالتذنيب بسبب او بلا سبب .. وكم كنا نبتسم عن بعد عندما مر زميلنا عبدالرحمن من امام حرس البوابة يرتدى زي عامل مصري .. واجاد التسلل .

 
  عن قصة الهرب ، كان هناك ايضا فرصة من خلال القفز من على السور خلف الجامع ، لكنها محفوفة بالمخاطر ، الوقت الآمن للهروب الساعة الرابعة ظهرا ، والعودة قبل التمام الليلي .. وفي الحالتين تحتاج الى رفيق يمهد لك الطريق ، يراقب الحارس خلف الجامع لحظة تواريه نحو الزاوية الاخرى ، وعندها تصدر الاشارة .. والثانية عند العودة وما اذا كان الرفيق الممهد للتسلل في انتظارك .. ذات مرة جرى جمع وتمام استثنائي في الفترة المسائية ، وتبين ان بعض الطلبة غير موجودين داخل المعسكر .. وقامت قيامه النقيب شرف ” الله يذكره بالخير وزمرة الضباط الشرف .. الى ضباط الكليات “.. والحدر في مثل هذه الموضوعات ان تصل الى مقر الحامية .. ظللنا تلك الليلة وقوفا في الساحة ، وانتظار للفارين .. بعدها جيء بمن نحس حظه واختار ذلك اليوم عن غيره .. حالما يقترب يصفعه الامر على وجهه .. من اين هربتم ؟.. ” من جنب الجامع سيدي ” .
  نستيقظ الساعة الرابعة فجرا، يدخل الناده ، ” انهض .. انهض انته واياه .. انهض يا تحفه انهض ” ، الكل يلملم اطرافه على وجه السرعة ، يرتدي لباس الرياضة ، ويتوجه فورا الى الساحة ، الجمع الصباحي الساعة السادسة ، تفتيش العريف اولا ، عن الهندام ، الحداء ومدى لمعانه ، الاربطة ، وفي العادة لا تخلو من ادراج البعض ضمن قائمة التعليم الاضافي لتقصير ما ، اما ان سرة النطاق لا تلمع ، وانك لم تطلي سطحها جيدا بمحلول ” السيدروا ” ..  كانت ساعة التعليم الاضافي جحيم لا يطاق ، الكل يتفاداها ، بما  في ذلك الطلبة الدائمين عليها ، تبدأ من الساعة الثالثة الى الساعة الرابعة ظهرا ، ارض الميدان .. هرولة .. وضع البروك خد .. انهض .. وثانية ، وعاشرة .. وضع القرفصاء .. ازحف على الركبتين .. ارضية اسفلتية وفي صيف فزان ، يكاد وهجها يغني عن لدعة جمرة الاسفلت .. وحال شعور جندي الانضباط  المراقب اى تقهقر ، يأتي ليكدم قدمك من الخلف ، لتطعن الركبة وتدمي .
    في طرف ساحة الميدان ناحية القلعة ، بئر صرف صحي سطحية ” بيارة ” ، ووعندما ترقب احد زملائك وهو يعاقب هناك ، تتألم لواقعه ، وترتبك لواقعك انت الذي يتهددك هذا النوع من العقاب في أي لحظة .. ذات مرة واثناء التمام الليلي الذي يعقبه احيانا وقوف استعداد لزمن مفتوح ، .. وتدنيب .. تجمهر الطلبة ولم ينفدا اوامر الملازم ثاني القادم مؤخرا … هو من خريجي الكلية العسكرية وخلافه هنا جلهم ضباط شرف بغض النظر عن رتبهم .. نقباء .. رواد .. في تلك الليلة كان هو ايضا الضابط المناوب بالحامية .. استدعى الانظباط وحرس الحامية ، واجبرنا على الهرولة ليلا الى ساحة القلعة .. وهناك انظم اخرون .. وبدأت ردت الفعل .. تمارين رياضية .. تمرين 6 .. تمرين 9 .. انتهاء بالزحف على الركبتين .. في تمرين 6 .. لم اقوى على المواصلة .. تلكأت .. فضربني الحارس المراقب على ظهري بقطعة خشب طويلة بيده .. انشطرت نصفين .
     بقاء الركبة متقيحة ولايام متوالية ..  وما ان يقارب جرحها ليندمل ، تلفحه ساعة تعليم اضافي مفاجئة ، او عامة ، ليذهب ذلك الحدر رماد ..  ويعاد وقع الجروح والتقيحات من جديد .. ولا ادري ان كان لتلك التقيحات منذ ذلك العهد علاقة بزرع بدور سرطانية في المكان .. فأنا ايضا اعاني الآن سرطان الركبة .
SWScan00043

  معسكر اساس التدريب لا يزال على هيئته التي كان عليها ابآن العهد الملكي .. المدخل .. ساحة العلم في الواجهة .. خلفها مبنى المقهى .. وعلى اليسار قاطع الادارة .. مجموعة من المكاتب مصطفة بشكل افقي .. وهناك في الخلف ” الميز ” او المطعم .. ويساره دورات المياه .. وخلف قاطع الادارة .. ميدان التدريب .. باحة شاسعة هي الاخرى .. وفي واجهة الادارة مخزن السلاح .. وخلف المقهى قواطع السكن .. خيم مصطفة الى جوار بعضها البعض .. وبين ستين الى مائة طالب في كل خيمة ..
  في صباح اليوم التالي ، فوجئ الجميع باستقدام فصيل من قوات الصاعقة ليتولى مهمة الاشراف على التعليم الاضافي ، وحصة الرياضة المسائية .. 30 عنصر من قوات الصاعقة ، عضلات اجسادهم تتحدث قبل الاوامر .. وتحولت حصة الرياضة المسائية هي الاخرى الى اشبه بالتعليم الاضافي .. تمرينات .. واجهاد .. وكثيرا ما وقع احد الطلاب .. واى التفاتة له .. يصرخ المدرب .. خليه .. .. حالات القي .. والدحرجة على الارض .
     في ذات الايام ، اتفقنا انا وصديقي حمادي من ام الارانب ، قلت له ، طقس اليوم حار جدا ، وانا لا اقوى على تأدية حصة التعليم الاضافي ، قال لي وانا كذلك ، وبلغنا ان افراد الصاعقة يتحفزون لايداءنا ، اتفقنا ان نضع الى جوارنا ادوية ونتظاهر بأننا مرضى .. نائب العريف حتى هذه لم تشفع عنده ،(  تعليمات عندي .. الخيم ما يقعد فيهن حد .. ما يقعد فيهن حد .. اطلع انت واياه .. قدامي .. اجمع في الساحة ) .. وبعد 
     خرجنا من الخيمة ، توارينا عنه بين الخيم بينما يهم بغيرنا ، انحرفنا يسارا  والتحقنا بفرقة الطلبية المكلفة بتنظيف الحمامات .. الضابط وقف امام المبنى وبدأ ينادي على الاسماء ، تسللنا من خلف دورة المياه .. الى الممر الخلفي الضيق بين الخيم والسور .. المطعم ” الميز ”  به  فرقة طلبية اخرى  لتنظيف اواني الطبخ والمطبخ .. الباب الخارجي مقفل  .. يهمون بتنظيف الطاولات في الصالة ، واخرون بادوات الطهي .. في الصالة الاخرى .. طرقنا النافدة .. وبلا تردد فتح زميلنا النافدة ، لمحنا عن بعد ريس عرفاء السرية ، صاح علينا ” انت واياه .. اجمع عندي ” كنا قد قفزنا داخل الصالة حينها ، حيلتنا الملابس الكاكي الخضراء موحدة ، انهمكنا معهم قليلا ..  لكن ريس العرفاء ظل يتابع ، وقف على النافدة من الخارج وسأل الطلبة : ” اثنان قبل قليل قفزوا من النافدة اين هم ؟ اجاب الطلبة جميعهم بالنفي وان لا علم لهم باحد ، وهم كما هم لم يأتي لهم وجه جديد .. ولجنا الى الصالة الثانية ، ادوات الطبخ ، حلة ضخمة ” كازان .. قدر” يتقاسم تدليكها باليد وتنظيفها اثنان من زملاءنا .. اخدنا عنهم الدور وهم في امس الحاجة الى معين ، وانهمكنا في تنظيف الحلة ، نخبئ رؤسنا بداخلها .. ثم خرجنا لنختبئ ونتسلل بين الخيم .. وتحقق اننا تخلصنا من ساعة ذلك اليوم .. ولم يكن ما انتظرناه بعدها اسوأ منها .. حرارة الاسفلت في تمرين 6 يومها ، نشرت طبقات من بشرة اصابع وايدي الكثير من زملاءنا . 

      تبدأ التدريبات صباحا ، الحصة الاولى والثانية في العادة ” مشاة ” .. تعويد الرجل على البقاء مرفوعة اكثر فترة ممكنة لاتقان وضعها على الارض مرة اخرى ، ” خلي رجلك مرفوعة فوق نبي اندير عليها طاسة شاهي ” .. كنا نهمس .. الراجل يمكن يقصد شاي كيس .. اتقان حركة الطربزة على القدم اثناء المسير ، توحيد الصدمة تلبية لايعاز ” رجل ابدل ” .. يجب ان ينفد الجميع وقع الضربة على الارض وكأنها ضربة شخص واحد .. وكانت هذه اللمسات من اتقان المسير تبعث السرور في نفس نائب العريف .. كان بدوي الطباع .. يستمتع حد الهيام وهو يلقي الاوامر على فصيل عسكري ، او سرية .. وتكون الاستجابة وبالذات في الطربزة ، اى صدم الارض بحافة القدم وبقوة وفي توقيت موحد .. كنا نتفق على ان نقدم عرض للمسير .. الطربزة .. درزة رجل ابدل .. لاجل ذلك الرجل البدوي الطيب .. ” وعند ما تزهوا الربابه عنده “.. نراه يترنح ويحجل ويهوش … ها .. ها .. ها .. حت حت حت .. شوفي التطربيز يا رقيه “


   الحصة الثالثة وما بعدها الى حين انتهاء الدوام ، خصصت للتعليم على الاسلحة ، بندقية ” الف ان ” البلجيكية في الصدارة .. ” الهاون 51 ” .. ” الهاون 52 ” .. ثم ” المسدس ” و ” الغدارة بريتا الايطالية ” .. الكلاشنكوف .. ويتدرج التدريب الى التخصص على سلاح ثقيل .. مجموعات .. م. ط الرشاش المضاد للطائرات .. مدفع 106 .. الرشاشة المتوسطة .. وفي ذات الوقت يجب ان يكون كل طالب مجند على معرفة تامة وكافية عن طريقة استخدام اى من الاسلحة الثلاث .

 

     بعد مرور 45 يوما من التدريب والاغلاق .. سمح للبعض بالخروج مساء ولمدة ساعتين فقط لمن تستدعي ظروف عائلية .. وصار التزاحم على اذن الخروج .. واحيانا ضابط صف في الادارة بحكم العلاقة التي تبادلنا والعشرة .. يمرر اسمك .. كلمة من ضابط بتوصية .. ضوء اخضر .. كان بودنا انا وصديقي احمد ان يوافق على طلبنا يومها .. لاننا مللنا وسئمنا وقررنا الخروج ولو لساعة خارج اسوار المعسكر .. منح اذونات الخروج خفف من وهج الهروب خفية .. تسللت انا واحمد من خلف الجامع وكنا خارج السور .. الصيف وفترة القيلولة .. اواحال رمال ما وراء مزارع كامب الطيوري في التفافة طويلة ارهقت كاهلنا حتى تمنينا اننا لم نختار .. تجولنا بسبها وعدنا على عجل .. المسافة تتجاوز 5 كم .. تعبنا .. تعبنا .. احمد كان صديق وادع وطيب ، ادعو له الشفاء اليوم .. لقد زرته قبل سنوات ووجدته صار يتوكأ على عكازين .. تقلصت حركته .. تألمت لحاله .. حدثني يوم اصابته رصاصات مزقت نسيج الاهل هناك .. خرج من منزله .. ووقف في الوسط يهتف للطرفين توقفوا .. فوقع جريحا .. لتكون سبب في رحلة طويلة من التنقل بعدها .. رحلة جابت مستشفيات الداخل والخارج بحثا عن عودة الى ما قبل .. ولم يحدث ذلك .. لقد قاسى الكثير .. وعلى رأي المثل : ” يديرها الابثر وياحل فيها طويل الذيل ” .

     فصيلنا الفصيل الثالث بالسرية الثانية .. يرأس السرية رئيس عرفاء سرية ( ع.ع ) ، لكل فصيل عريف ومجموعة من نواب العرفاء والجنود المستجدين .. في مجموع من 6 الى 8 عساكر رفقة الفصيل .. يوم انتهاء فترة التدريب والاجادة لاستخدام سلاح ما ، يتولى احد الضباط القاء المحاضرة الاولى التي تعرف بالسلاح ، نوعه ، مميزاته ، طرق استخدامه وافضلها ، ثم يترك للسرايا تتفرق .. وتتجمع كل فصيل على حده ، يقف العريف في المقدمة ، ونكون قد اصطففنا امامه بانتظام قبل اخد وضع الجلوس .. استعدادا لمحاضرة اخرى في البراح المفتوح .. وتحت شمس فزان الحارقة .. العرق ينزف منا انهار .. ” البريه ” او الكاب بات رقعة مبللة .. ننصت اليه على مضض .. لم يكن العريف كما معظم نواب العرفاء قادين على الوقوف والقاء محاضرة او تكرار ما قاله الضابط .. ومعرفتهم بالاسلحة هي الاخرى قديمة ومحدودة .. ويوم درس الرشاشة الخفيفة .. حضر العريف في اول لقاء بعد محاضرة الضابط .. وتفاديا للشروحات .. طلب منا ان نلخص ما فهمنا من المحاضرة .. وقفنا الاول تلو الاخر .. يصف السلاح ويكرر مزاياه عن ظهر قلب .. احد الزملاء اضاف اثناء وصفه لها وقال   ” كما يمكننا ان نضيف لها خزنة تحمل 50 طلقة .. يمكننا ايضا ان نضيف لها تلفزيون صغير ..” هنا انتفض العريف .. اى تلفزيون هذا ؟ رشاشة وتلفزيون ؟ اجاب الطالب : هكذا سمعت .. وهذا ما قاله لنا الضابط في المحاضرة  ؟ وصدح الجميع ، طلبة الفصيل بالكامل .. نعم .. نعم .. هكذا قال الضابط في المحاضرة .. يمكننا ان نزودها بتلفزيون صغير في حالة السلم .. احتار العريف .. وما عساه ان يكذب ما قاله الضابط .. اختار مخرجا وقال : ” لنترك الامر الى حين رد المشورة على الضابط .. وكل طالب ملزم بالوقوف والشرح على الرشاش دون ذكر اضافة تلفزيون .. لكن جميع الطلبة ما ان يأتي على اضافة خزنة ، ينطق وتلفزيون .. وهنا يشتد نزق العريف .. وهو الانسان الطيب المحدود المعرفة .. وقد بلغ من الكبر عتيا . 
     في المطعم تحضر معك ” الكاويطه ” الخاصة بك ، صحن من الالومونيوم مربع الشكل وبه مقبض قابل للتني ، مع الملعقة ، وتستلم غرفة من الارز او المكرونه ، وتكون محظوظا لو ان الغرفة اتت بشيء من نتف اللحم .. السوس الاسود يغطي سطح مرقة الارز الجاري ..( امبكبك ) .. نتعامل معها بالحدف ، والتغاضي احيانا مضطرين لكثرة السوس الممزوج بخلطة الارز .. يبدو انها شحنة مخزنة لوقت طويل على عادته في اكتناز ما يكفي لحروبة المتوقعة والمزمع اشعالها .. تجلس على الطاولة المستطيلة .. تنتظر الايعاز .. كنا نستهوي – على سبيل الدعابة – ترديد ايعاز احد رؤساء العرفاء وهو يتلكأ في النطق ” داوم في ليكال ” .. اى ابدأ بالاكل .
   قبل انقضاء فترة الشهرين بقليل ، درجت اداعة المعسكر على بث نداء للطلبة يدعوهم الى الانخراط في سلك الخدمة العسكرية ، والمبادرة  للالتحاق بالكلية العسكرية ” كلية الضباط ” .. وعلى من يرغب يمكنه تقديم طلب للادارة .. الكلية تقبل الجميع ولا تشترط الحصول على الاجازة الثانوية .. وتقبل ايضا الطلاب الناجحين من الصف الاول الثانوي امثالنا .. صديقي بشير تردد كثيرا وهو يفكر في كتابة طلب الالتحاق ، وفي كل مرة يلح ان نلتحق سويا ، ولم اوافقه ، وكنت دائما اقول له ، هذا العذاب الذي رأيته هنا ، لا اريد له ان يتكرر في حياتي ، وبرغبتي ، كما انني لا اقوى على مضارعة قانون واحد يشد قيدي .. اسمه قانون مدني .. فهل تريد مني ان اكبل نفسي ايضا بقانون عسكري صارم ، لا يعترف بالمبررات ولا الضرورات .. .. حدث بعدها .. مع بداية العام الدراسي ان حضر ضباط الى المدرسة الثانوية ، قبل فترة الاستراحة  ، واخدوا عدد كبير من الطلبة ، مع مرعاة الانتماء القبلي .. ذهب صديقي من بينهم ، فوجئت فترة ما بعد الاستراحة بعدم وجوده ، لم يترك لي اي توصية ، وفي اليوم التالي بلغني انه تم نقلهم من المدرسة مباشرة الى المطار .. وهم الان في طرابلس .. التحقوا بكلية الضباط .. عدد من منتسبي تلك الدفعة اصبح فيما بعد من المقربين لدوائر القذافي .
     عمي سعد .. رئيس عرفاء وحده عتيق ، كان من بين متدربي عسكر سوسة نواة تأسيس الجيش الليبي ، امر اساس التدريب طوال الوقت ، طالما لا وجود لاحد من الضباط .. يحلو له الاقامة بالمعسكر منذ آمد طويل ، قلما يذهب الى منزله .. يقدم التمام للضباط بعد الجمع االصباحي ، وينفرد بنا مع نهاية الدوام .. الوقوف للاستماع الى نشرة الاوامر اليومية ضرورة قبل الانصراف .. احيانا يتأخر اعدادها .. الساعة الثانية والنصف ، الشمس عمودية حارقة ، الارض اسفلت ينفث صهدا .. يقف ريس عرفاء الوحده بتأني .. مستمتعا بتململنا .. وبالتمهل في قراءة الاوامر واعطاء اذن الانصراف .. وكنا نستشعر الوقت يمر بالثواني ، وحال ما نسمع كلمة ” تفرق ” يهرع الجميع الى اقرب ظل ، وان كان ظل خيمة في هجير فزان .. التقيت  عمي سعد فيما بعد ، وقد ترك الخدمة العسكرية ، ولا يزال على طبعه العسكري الذي ندر حياته له .. صارم .. وطيب القلب .

  الايام الاخيرة .. لم يبقى امامنا سوى ، مشروع تعبوي بالميدان ، الرماية بالدخيرة الحية ، والمسير الليلي باستخدام  ” الحك ” .. الجهاز الدال على الاتجاه .. ولمسافة 12 كم .. تتغير اتجاهات السير من الغرب الى الشرق الى الجنوب .. يوم مرهق لا كما الايام .. المسافة طويلة ، وتضاريس الارض مربكة للسير .. وفي مشروع الرماية الحية اخدنا يوما كاملا .. 75 اطلاقة ، 30 بندقية اف ان ، مسدس ، غداره بريتا .. عدنا آخر النهار ، اوآن الغروب بعد ان قضينا يوما قائظ ببراح الصحراء .
  يوم التدريب التعبوي بالميدان ، نقلنا سيرا على الاقدام لمسافة تزيد عن 5 كم متر .. خلف ارض المطار .. وحضر الضباط الذين سيشرفون ، ارتدينا كافة التجهيزات ، ” الفشلك بالكامل ” .. جعب حفظ وتبديل مخازن العتاد ،  منحنا عتاد من نوع ” خلب ” .. صوتي فقط .. ومثلنا للهجوم والالتفاف على العدو القابع اسفل العليقة ، وعلى يسار التبة الحمراء .. هرج ومرج وغبار يتعالى ، صرخات الطلاب .. تقدم .. تقدم .. وكأنهم وجدوا في الامر تسلية تخفف الوجع والارق .. بل ان زميلنا حسن اراد ان يضيف للامر نكهة ، فوضع قطعة من الحصبى ، حجرية صماء ، اعلى فوهة السيبطانة ، فوهة البندقية .. وهو الجزء المفقود للرصاصة الخلب .. رأس الرصاصة .. وعندما ضغط الزناد ، وتخلص الظفر من تنية المدك .. تقدمت الاقسام للامام ، والتقطت اول اطلاقة باعلى المخزن ، لتضعها في الحجرة ، ولتأتي الابرة تطرق مؤخرة الكبسولة ، واشتعل البارود ، وتدفق الغاز عينه الى السيبطانة .. تحولت قطعة الحصبى الى رصاصة قاتلة .. واصابت احد زملائنا بفخده .. اصابة بالغة غير متوقعة  .. تعافى منها .
    احد الزملاء كان مترددا في تقديم طلب التحاق بالكلية العسكرية للضباط ، وفي ذلك اليوم الذي حضر فيه ضباط دوي انتماء قبلي الى المدرسة الثانوية ، لم يكن امامه خيار ، فقد وقع عليه الاختيار ، ومن ادارة المدرسة وجد نفسه في طرابلس ، وبعد سعات يرتدي الزي العسكري المنضبط ، ويقف بساحة معسكر طريق بن غشير .
   بعد مرور فترة الاساس الاولى ” شهرين ” وجد فرصة للهروب من الكلية ، فلم يتركها .. وظل مختبئا لزمن ، ولا احد يدري مكانه سوى احد زملائنا .. تحدث بحرقة عن انواع التذنيب او التعذيب والعقاب هناك ، وقوف استعداد بالساحة الى الصباح .. اعداد من يتساقطون اثناء التدريب المرهق ، حالات الاعياء والوهن ، وعن التربية التي تريد لك ان تتقبل الاهانة تلو الاهانة بصدر رحب .. انت التحفه .. وووو ..كي تتعود ان تكون حقيرا امام مرؤسيك ..  بعدها آثر ان يعود للدراسة من جديد .. كان يضايقه ان اسمه ضمن المطلوب القبض عليهم .. وفي لحظة ما .. قرر ان لا يبقى هكذا مهددا حيثما ذهب .. عاد برجله وملء ارادته الى ثكنة الكلية العسكرية .. كان زملاء الدفعة قد اصبحوا ضباط .

 agbatinf2
      اقيم حفل ختام للتخرج .. احيته فنانة موريتانية جميلة ، قوامها ، طلتها ، صوتها البدوي الذي يناغي شيء من نفس اهل الصحراء .. وهام الجميع بالساحة على شدى الحان الربابة والرقصة الموريتانية .. اسمها خديجة ..  تعالت الانغام ،  وازداد وهج الشطح بالميدان ، وفي ليل فزان تزهو الالحان .. ويتأجج بركان الوجد والوله والافتتان ، .. تحسر الجميع باعلان نهاية السهرة الجميلة .. والى غياب خديجة عن المحيط .. .. في طريق العودة ، اعتدنا نؤلف نكاتنا ..  نقلد بعض المعلمين ، ضباط صف ، ضباط ، احد الضباط الكبار والمشرف على الحفل في عادته عندما يقف امام الفصيل .. يتحدث بأنفة متعالية ، عندما يقول : ” الرقم كذا ، والرقم كذا ، ثابت .. الباقي خارج ” .. خارج ، اى تفرق ، اما من طلب منهم الثبات ، فتم امر جلل ينتظرهم ، قد ينتهي الى انزال العقوبة الجاهزة  ” ساعة تعليم اضافي ” كما يصفونها .. اى تعذيب وتدنيب.. قال احدهم .. اتخيل ان ضابط الحفل .. الذي لا يعرف سوى ” ثابت .. والباقي خارج ” .. ان يكون شطح به الوجد الليلة .. فقال .. خديجة ثابت .. الباقي خارج .. وثم تفريقنا .. وظل المثل نتقادفه  بمناسبة وغير مناسبة ” خديجة ثابت .. الباقي خارج ” .
من ايام في الجندية .. الصورة للمكان قلعة سبها والساحة حيث جرى الحفل .. وحينها لا زالت على ذات الهيئة .. سوى الملعب يسار الصورة .. محي رسمه  واضيف للساحة ..

- نسور الجماهيرية

    مجرد حفريات في الذاكرة حول علاقة ليبيا بالصقر والنسر والطيور الجارحة كشعار ورمز. ففي بداية السبعينات، وبعد انقلاب سبتمبر، اختير رسم طائر النسر شعاراً يتوسط راية البلاد، لكنه تغيّر فجأة ليتم اختيار رمز الصقر ليوشح راية أخرى استحدثت رمزاً لكيان سياسي مستجد جمع الدول الثلاث مصر، سوريا وليبيا تحت مسمى “اتحاد الجمهوريات العربية”. استمر الصقر في تمثيل “الجماهيرية” التي نشأت عن انحلال عرى الاتحاد، والمعنى دائماً في قلب الشاعر.. ومأرب اخرى.
libya 1970
النسر: شعار “الجمهورية العربية الليبية” 1969
    بالطبع فإن الخيار لا يخلو من دلالات. النسر طائر يعمر كثيراً، وفي الأمثال يقال “أعمر من نسر”، فلعل في الاسم دلالة على طول أمد الدولة . كما أنه الأكبر حجماً والأقوى جناحاً والأكثر شرهاً بين الطيور، وإذا وقع على جيفة تباعدت عنها الطيور هيبة له حتى يفرغ من الأكل.‏ وقد حرم العلماء أكل لحمه، قال الشابي في حقه:
سأعيش رغم الداء والأعداء‏      كالنسر فوق القمة الشماء‏
      إلا أن استبعاده كرمز هو الآخر لا يخلو من دلالات تتعلق بما يسيء  للرمز. فعلى الرغم من انتسابه للجوارح، إلا أنه يتصف بالجبن، ومن طبعه أنه لا يصطاد أبداً. وأكثر من هذا اعتماده في غذائه على أكل جيف الحيوانات الميتة فلا يقدم على فريسته حتى تخرج روحها حتى شبهه البعض بعامل نظافة البيئة، بينما تعتمد الجوارح الأخرى في غذائها على ما تصطاده بمخالبها طازجاً كالعقاب. وفي الأثر فإن النسر “صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير.
Federation of Arab Republics
الصقر: شعار “اتحاد الجمهوريات العربية” 1972
جاء في موسوعة “ويكيبيديا” -ولا بد أنهم اطلعوا عليه حينها!- ما يفيد أن تمجيد العرب لطائر النسر وإعجابهم به في أوائل القرن العشرين، أتى عن خطأ مرجعه جهالة في الترجمة. الترجمة الخاطئة لـ”أنجل”، حيث تدور قصص كثيرة حوله، وتتحدث عنه بإعجاب. وقام المترجمون الأوائل بترجمة الطير eagle إلى النسر، في حين أن المقصود بالإعجاب طائر “العقاب”.‏ ففي التفكير الغربي والأمريكي على وجه الخصوص، نجد الطير المسمى eagle يتصدر كثيراً من الشعارات، فهو يوجد على كثير من شعارات الحكومة الأمريكية وإداراتها المختلفة، ويظهر في كثير من قصص الأطفال كالنسر الذهبي مثلاً، كما يستخدم في الأدب الأمريكي أيضاً كرمز للحرية والانطلاق والعلو. لكن لما احتك العرب بالأمريكان ترجموا اسم هذا الطير بالنسر وأخذوا معه استخدامه في الأدب والكتابة كرمز لصفات إيجابية. لكن خطأ فادحاً حدث هنا في الترجمة إلى العربية، إذ أن الطير المسمى eagle ليس هو النسر إطلاقاً وإنما هو العقاب كما هي الترجمة الصحيحة له، أما النسر فهو الذي يطلق عليه في الإنجليزية vulture وتصفه المعاجم بما ينطبق على وصفه في العربية.
     نلحظ شيئاً من أثر هذا الإدراك أيضاً في تدرج القذافي لإضفاء ألقاب الزعامة على نفسه وخياراته: فهو الزعيم القائد، المفكر، المعلم، المهندس، الملهم، المنظر، رسول الصحراء، الكشاف الأول، بل وحتى الرياضي الأول لم يتركها لغيره. ومع تقادم الأيام والسنين لم يرق له على ما يبدو الوقوف عند حد الألقاب المحلية فاختار أن يكون عميداً للحكام العرب، ضمير العالم، ملك الملوك و… الصقر الأوحد.
      ”الصقر الأوحد” وليس الوحيد، ففي الأخيرة معاني الانفراد والعزلة التي قد يفهم عنها أن لا وجود لجماهير وشعوب تلتف حوله وتحتضنه، تؤمن بفكره، تمجد شخصه، وتعشق ذكر اسمه، الأمر الذي لا يليق بجلال شأنه وعظمته سلطانه. لذا فقد اختار لقب  ”الصقر الاوحد”. يقال لغةً: ” فلان أَوْحَدُ زمانه: أي لا نظيرَ له”، بل وليس بالإمكان تصور وجود ند له قد يساوم أو يزاحم على مكانته عبر التاريخ، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل. فهو لم يعد نسراً، كما في بدايات العهد بالسلطان، تفادياً للإشكال التاريخي، بل هو الصقر الجارح الذي من طبعه الاستيطان في البراري وقمم الجبال، يحلق في الأعالي حراً طليقاً لا ينافسه ند ولا نظير، ينقضّ على فريسته بسرعة مذهلة. كذلك فإن في تكوينه صفات كالنضج الجنسي وحب التزاوج واسخدام أعشاش الطيور الأخرى للعيش والاسترخاء، فلا يجهد نفسه ببناء عش له. ولعله من المفارقة في الاسم لغة كما في مختار القاموس: “صقر اسم جهنم، لغة في سقر، الصاقرة: الداهية النازلة”.
Kadhafi
© Ismail Zetouny / Reuters
    خلال فترة الحصار الجوي على ليبيا، تجرأ بعض الرؤساء الافارقة على كسر الحظر الدولي واختراق الأجواء وصولاً إلى طرابلس للقاء “الصقر الأوحد” والاجتماع به وعقداً للولاء والطاعة إليه والتعبير عن رفضهم لـ”الحظر الجائر”، حسب تعبيرهم. أَطلق عليهم القذافي حينها لقب “نسور إفريقيا”؛ ولكون الألقاب لا تأتي جزافاً، فلا بد أن للأمر علاقه بما نقله الصديق الدكتور طلحة جبريل قائلاً : “القادة الأفارقة كلهم الذين كانوا ضد الحصار الذي فرض على ليبيا، كلهم تم شراءهم. كان ينزل الرئيس الإفريقي في طرابلس وشنط من الدولارات تسلم إليه. هذا الكلام سمعته من جوزيف مومو رئيس سيراليون، لم أسمعه من القذافي. حينما أجريت معه مقابلة قال لي بصراحة: “ولم لا نأخد! شخص يوزع فلوس فلم لا نأخد!”، فهل قصد باللقب دلالة النسر وعلاقته بالجيف؟
    أذكر عام 1983 حين حضر عدد من الرؤساء الأفارقة إلى طرابلس في محاولة لعقد الدورة العادية لمنظمة الوحدة الإفريقية، ولم يصل حينها عدد الواصلين للنصاب القانوني المطلوب ففشلت الجهود لانعقاد الدورة. لم يكن في طرابلس خلال وجودهم أي مكان قابل للزيارة والنزهة سوى الأسواق المجمعة المحدودة العدد وخلاف ذلك كشارع 24 ديسمبر “أول سبتمبر” التجاري وقلب العاصمة ليس به سوى أربع أبواب مفتوحة لمنشآت عامة تبيع سلعاً أساسية راكدة. شاع بين الناس وقتها نبأ وجود بضائع متنوعة لا عهد للناس بها منذ زمن، تتوفر في الأسواق العامة “المجمعة” حال انتهاء زيارة أي رئيس إفريقي لها: السجائر المستوردة، الشكولاته والحلويات، المواد المنزلية، البدل الراقية.. الخ. وصار مشهد احتشاد الناس أمام الأسواق الأربعة على غير عادته وكلهم في تزاحم وترقب. كنت على علم بما يقال، وأثناء مروري بشارع الجماهيرية، وعلى مقربة من السوق المجمع، اجتازني موكب لأحد الرؤساء –اعتقد أنه كان رئيس الكاميرون–  فكانت مصادفة لاحظت فيها كيف فتحت البوابة وأسدلت السلاسل لدخول الموكب. انضممت لهم وتمكنت من الولوج، ولحسن الحظ كانت الأجهزة الأمنية المرافقة من مختلف التصنيفات، وفي المؤخرة بعض السيارات المدنية المظهر. دخلنا سوياً وكنت على مقربة من الجميع. تركت له ولمرافقيه فرصة اقتناء ما يشتهون فقد كان جلهم يلملم بنهم، خصوصاً في اقتناء البدل الراقية مجاناً. وسمح لنا نحن الليبيين “الامن المرافق كما يعتقد ” بشراء بعض الحاجيات حال انتهاء الركب من جولته بأدوار السوق الأربعة. كنت طالباً وليس في جعبتي ما يمكنني من شراء أي من تلك البضائع الفريدة التي ملأت الأرفف الفارغة في العادة. كان لي نصيب في علبة سجائر فاخرة لا أكثر… قدر ما كان في الجيب.
   كنت يومها أتمنى أن أعامل كنسر، لكن اللقب هو الآخر (رغم حالة التأفف المنبعثة عن طبع الطائر الرمز) كان حكراً على غير المواطنيين. وكان يا ما كان، في قديم الزمان… ودارت الأيام وتفجر الحنق الشعبي بعد 42 عاماً، وأشرقت أنوار فبراير 2011. انتفت الألقاب ودرست، ولم تعد حكراً على أحد. مضت الآن سنتان على ذالك العهد، ولا تزال الثورة في مهدها، وها أنا أترقب أي لقب يمكن للمواطن أن يقتني: صقر، نسر، أو أي من الألقاب المستحدثة والمتداولة بين الفرقاء… انتظر!

8 THOUGHTS ON “نسور الجماهيرية

  1. بادرة امل14 أغسطس، 2013 5:15 ص
    العقاب والنسر eagle هذا ماكنت اعتقد فعلا بل النسر هو eagle والعقاب كنت اضنه صقر falcon بالرغم من الاختلاف الواضح بينهم اعتقد ان كلمة eagle نظرا لجمالها واناقتها جعلها مسبقه على vulture ولم افرق بين هذه التسميات كلها بالرغم من محبتي لهذه الطيور ومتابعتي لها الا بعد تناولي لها في بحت تخرجي وهو عن الطيور الجارحه بصفه عامه والصقور في ليبيا بصفه خاصه.
    واستعمالنا لهذه الالقاب في القادم من الايام لا اجد لقب يليق بغالبيتنا الا لقب ديدان الاشجار ،هذه الديدان التي تنهش وتاكل موطن عيشها حتى لايبقى ماتاكل فتموت الشجره وتموت الديدان بخلاف القليل االذين يمكن أن اسميهم فراشات التي تحاول تلقيح بعض الازهار على هذه الشجره لانبات خلف جديد لها.
  2. كلما قابلنا عملا طيبا وجدنا الزيداني ،وفقك الله وزادنا فائدة مما تكتب او تلتقط يداك