21‏/02‏/2014

عن كتاب مذكرات سجين




تقديم  بقلم : د . طلعت مراد بدر


...  من منا لا يتمني إن يأتي  الماضي غدا حينما  يغدو  الحاضر سجن  مترامي  الاطراف  المسجون  فيه  هو  الوطن  ليذوب  كحفنة  رمل  بين  شدقي الطغيان  اختزل  التاريخ في حبة دواء ازدردها ومعها ازدرت مقدرات الوطن وثروته ليغذي أوهام المجد الواهي . لقد برر مصادرة الماضي في كتاب (اخضوضر)  لونه حتي أصبح كفطر الماء الراكد يقدم حلولا هي نفسها كانت مشكلات أرهقت كاهل الإنسان الليبي ... وهكذا  وجد  الإنسان  الليبي  نفسه  مرغما كي  يودع  جزءا  أساسيا  من  تاريخه  كمن  يودع  ماض  عزيز  ولي  .

   وكانت  قضبان  السجن  هي  الوليد  الشرعي  لدولة  الطغيان  ليكبل  بها  عقل  الإنسان  الليبي  قبل  أرجله , الصديق  الدكتور  عبدالقادر  الفيتوري  جاء  نموذجا  لهذا  الإنسان  القابع  خلف  قضبان  سجنه  قانطا من  بزوغ  فجر  جديد  إلي  أن  فاجأته  رياح  الحرية  ونسائمها  مع هطول  أمطار 17  فبراير  المباركة  والتي  بحق  جاءت  مفخرة  للإنسان  العربي  وهي  تدك  بنجاعة  معاقل  الطاغية  فسطر  كتيبه  هذا  وقد  عادت  إليه  الثقة  في  الإنسان  الليبي  الذي  اثبت انه  قادر حتي  النخاع  علي  تبديل  حاضره  وكسر أغلاله وأصفاده  .

   إن  كل  جزء  من  الكتيب  يحكي عن  مرحلة  من  مراحل  الذات الحائرة  وهي  تحث  الخطي  علي  تجاوز  واقع  مرفوض  لكي  يحل  مكانه  واقعا  اختارته  هي  فلا  يعيبها  صبرها  في  مرحلة  الطغيان  فإنها  نبضات  قلب  الثائر الذي  عندما  يتجاوز  بتجربته  مصاف  الحس  الزائل  تتجاوز  هي  به  إلي  مراقي  الفكر  الثابت  .

   وهكذا  جاء  في ( سجن انفرادي مع الذات ) مناجاة  مقطبة  الجبين  مع  الذات  الحائرة يستعرض  فيها  ولها  موضوعات  عدة  ذات  علاقة  بصلب  الطغيان  وجسمه   عندما  يحشر  الوطن  في  زنزانة  وضعت  علي  احد  جدرانها  صورة  طبيعية  لميكيافللي . هذه صورة موجزة من سيرة العدالة في بلاد الممنوع ومملكة الصمت كما  يقول  الكاتب . وحيث العدالة  لا تمنحنا فرصة التمتع بحرية استنشاق الأكسجين من الهواء الجوي مباشرة دون إذن مسبق من الحكومة . العدالة التي باسمها ينال الأحمق كل شيء ولا ينال الطيب والحكيم سوى الكراهية والاضطهاد ، وباسمها يحشر الضعفاء في  زنزانة  واحدة  .

  أما ( قصاصات قادتني إلي الزنزانة ) فإنها مجموعة من الرسائل  الصغيرة  التي  من  خلالها  يرسل  المؤلف  زفراته  وآهاته  إلي  وطن  غائب  عن  الساحة  مستلب   ومسروق  من عدة  جوانب  الاقتصادي والثقافي والسياسي والتاريخي . من  خلال  أقسام  هذا  الجزء  التي  جاءت  لغتها متوهجة  تعكس  معاناة  الكاتب  كأنه  يناجي  فيها  نفسه  فلم  يكن  يدور  بخاطره  أن  الفجر آلات  مع  ثورة  17  فبراير  بقريب , وهكذا من  خلال  - الفقر والقلق تؤام  الطغيان - تأؤهات  سياسية – ليبيا  وحيتان  النفط – تقرير امني – تأبين  ليبيا  الغد – من أكون؟- وداعا  يا  وطن -  كنا  بلاد – الغروب  ومولد الظلام – أيقونة  الرعب – وغيرها من  الرسائل – يستشرف  بشارة  الثورة  وبواكير  فجرها  .

   أما  في  ( صديقي وكتابي ) فإن المؤلف يعرج  من  خلال  عرض  علمي  فلسفي  تضمنه  كتابه  الي  طرح  فلسفي لقضية  الديمقراطية  والحاكمية  والطغيان  حول   إرادة  الطاغية المستبد وقدرته على الإكراه تلعب دورا أهم مما يضطلع به العقل والحقيقة في تكوين الآراء المسيطرة وتنصيب  هذه  الآراء كايدولوجيا  مضللة  متنقلا  بين  صفحات  التاريخ  العربي  والإنساني  لإظهار  تهافت  هذا  الطغيان  وفساده من  خلال  محادثة  متخيلة  مع  صديق  كان  قد  اطلع  علي  كتاب  المؤلف  حول  منطق  ابن  حزم  وفلسفته  .

   وها هو الوقت قد أزف ليشرك الكاتب الاخر الشريك في الوطن والغبن في قراءة خلجات نفسه لينتقل تساعده الثورة في الانتقال المشروع من محض مناجاة مع الذات خطها من خلال قصاصات كانت قد قادته الي السجن لا لشيء الا لأنه كان ناقدا لاذعا لتخريجات نظام الطغيان الذي  كان يريد ان يبني ليبيا الغد ....... داخل السجون والمعتقلات .


صحيح ان الكتاب قد تجاوز بأعجوبة مراحل أساسية في منهجية الكتابة لكن عزاؤه انه امتطى الكاتب ظهر الكلمة المتوهجة فهي وحدها التي بمقدورها ان تبوح بما يجيش به صدره ومكنون قلبه الذي اعتصره الألم زهاء أربعة عقود ونيف .. وهي وحدها التي ستمكنه من ان يفرك كلتا عينيه وهو ما بين مصدق ومكذب ... انبلاج فجر جديد ..

***


   


مذكرات سجين ليبي
المؤلف د عبدالقادر الفيتوري
   الدكتور عبد القادر الفيتوري ، التقيت به في ظروف خاصة جداً بتونس العاصمة ، ضمن مجموعة مدونين من ليبيا، كان لافتاً للنظر ، بجلسته ، عكازه ونظراته الفاحصة مع احاديثه المقتضبة الذكية ، يمكن لأي شخص أن يتفاهم مع شخصيته بسهولة. ثم عرفت بأنه من الجنوب الليبي، هذا أمر مشابه لجمعية تضم سكان الجنوب ، كل شيء مشترك ، بالرغم من ان المزحات كانت تتحدث عن التهميش إلا إن احاديث الدكتور كانت تحمل دوماً طابع الحيادية ، ثم عرفت بأنه دكتور محاضر في قسم الفلسفة خلال أحاديثنا السريعة ، اكتشفنا فلاسفة مشتركين ، ابن حزم وطوق الحمامة ، برتراند راسل وتاريخ الفلسفة الغربية. مشترك أخر بين الظاهرية وأسلوب راسل في التتبع الظواهر في كل شيء ، ثم أن الدكتور الفيتوري ، كان قد نشر مقالات بأسماء مستعارة ، كانت كالطيف في ذاكرتي. أهداني كتابه الصادر عن وزارة الثقافة والمجتمع المدني ، بأهداء انيق المطلع : شذرات من سيرة زمن العتمة... بالنسبة لي كانت العتمة دائماً حاضرة في ذهني.
عنوان الكتاب:
مذكرات سجين ليبي – الجزء الأول – أربعة عقود داخل الزنزانة.
   في غرفتي في ذات الفندق ، شرعت في قراءة ما ظننته ، كتاب عن ادب السجون ، لأتفاجأ بشيء اكثر اتساعاً واختلافاً ، فالنص ليس محض نص واحد ، بل مجموعة نصوص متجمعة بطريقة مذهلة ، لتكون نصاً متماسكاً ، كتماسك الجدار ، بالرغم من أن تشبيه كتاب عن السجن بتماسك الجدار فيه مفارقة، انما الكتاب كان رصيناً للغاية ، جدياً يبحث عن اللحظة التي وقعت قبل أكثر من اربعة عقود في أحيان كثيرة. أثناء قراءتي وجدت بأن النصوص تتظافر بإحكام من سيرة ذاتية ، إلى مقالات واقعية، حوارات ، تعقيبات على مقالات لا تقل روعة وإفادة ، تواصل مذهل فهو كتاب في التاريخ ، النقد والسياسة ، مكتوب بلغة ادبية رفيعة تستفيد من بعض أفضل الكتابات العربية ، ابن حزم، عبد الرحمن منيف ، جبران خليل جبران ، الطيب صالح.
   اكتشفت في هذا الكتاب الكثير ، كما وجدتني اعود في بعض صفحاته إلى سنوات كانت خلالها القبضة الأمنية تسيطر على كل شيء ، حتى فضاء الانترنت ، وراء احدى الشاشات في احدى مقاهي الكافي شوب وأنا أقرا في تلك المقالات ، ربما مرت علي كلماته ، لنها تبدو مألوفة لي ، تحمل رهبتها كما هي من تلك الأزمان الجبروتية ، خطورتها ، خامرني احساس بين النشوة والرعب المتأخر ، كما شعرت بالسعادة ، كون هذه الكلمات ضربت في جسد العقيد ، قبل أن يفقد سلطانه ، العقيد الذي اخضع بلادنا بالكلمة ، باعتباره السلاح الأكثر فتاكا ، الأكثر تأثيراً فيه بالتالي ، سالم الفزاني ، سالم العالم ، اسماء مستعارة حملت شخصية الكاتب لسنوات ، حتى اربكت مكاتب المخابرات ، كما لا بد اعتبروا كشفه نصراً لا يعادل ، وذكاء لا يفوقه أحد. إنما كلماته حتى بعد سقوط النظام البوليسي لا تزال تحتفظ برهبة غريبة، لا بد أن كاتبها فخور بها وبما قدم.
   هذا ما كنت اشعر به لدى قراء مدونته ، الفخر بكون هناك شخص يكتب عن معاناتهم ، بطريقة ادبية رفيعة ، سمرة اخرى ازدادت دهشتي ، حين وجدت في الردود اصحاب مدونات كنت أتابعها في تلك الفترة ، دون أن أعي سطوة ما كان يجري ، المعارضة السياسية مفهوم فقده الليبيون مع فترة الحكم التي تلاعب بها على ذاكرة الشعب الجماعية ، في تصورهم ربط نفسه بأمر مقدس لا يمكن تصوره على الاطلاق كونه بشراً عادياً ، لذا لا يمكن معارضته أو التفكير في معارضته ، الشعب الليبي مع السنوات اعتبروه ككارثة طبيعية ، زلازل ، عواصف رملية ، موت ، اعتبروه قدراً لا يمكن مطلقاً الفكاك منه.
   أن يعارض أحد بالكلمة ، أمر نادر الحدوث ، كل من فعل ذلك حفنة من الشجعان يمكن عدهم على اصابع اليد ، تجمعوا في تعقيبات مذهلة تحت مقالة رائعة عنوان : أمبراطورية ليبيستان ، تحت تلك المقالة تجد أصوات من زواويستان ، توبكستان ، ترهونستان ، طرابلستان ، بنغازيستان كما تجد أسماء رائعة كالأستاذ ابراهيم قصودة يرد علي بعض المقالات باهتمام شديد ، لما فيها من جدية ، لكنها جدية قادته إلى الزنزانة وهي نتاج ثلاث سنوات كاملة من الكد والكتابة ، في زمن كانت الكتابة تبدو مهيبة جداً ، خصوصاً تلك التي تلتزم بالهجوم على ديكتاتوري مثل القذافي ، أنهك العالم في محاولة فهم ، كما يئست قوات الكبرى من حكمه الغريب والمشين والانتقامي . يقول الكاتب في ص 172 ما يلي : أن يقارع مفكر أو مثقف أو كاتب بقلمه طاغية بغية أن يصرعه ، خيار قل رواده في زماننا على ما يبدو . إنه اختيار موفق من الكاتب ، يعبر عن رؤيته لمجتمعه ، الساكت . هذا الكتاب بالنسبة لي اكتشاف لا يمكن تصوره ، عرفت منه اشياء كثيرة ، لا أستطيع أن أتحدث عن كل شيء فيه فهو متسع جداً بحيث يمكن اعتباره وثيقة شاهد على تلك الفترة ، ولا شك أن وزارة الثقافة والمجتمع المدني ، كانت موفقة في طباعة هذا الكتاب ، الذي أتمنى أن يقرأه الناس بصبر ، لاكتشاف ما فيه ، فمنذ قرأت الفصل الأول ، حتى قررت أن تكون قراءتي للكتاب بطيئة ، متأنية ، للإحاطة بكل ما فيه ، لأنه يستحق كل الاهتمام.
شكري الميدي أجي
بنغازي . 17/02/2014
   الكاتب المرموق والأديب الودود ، ابن الصحراء ، الصديق شكري الميدي ، لا تمل الجلوس اليه والإنصات لحديثة الخصب ، كما متعة قراءة نزيف قلمه الدليق ، تفضل اليوم بكتابة نبذة عن كتابي " مذكرات " .. اجزل وأطنب بعذب الكلام ولم يترك لي فرصة سوى الثناء لشخصه الكريم .. وكلمة " شكرا ايها المبدع كما انت دائما .. ما خط قلمك سيبقى نوط اعتز به ، وتتويج ارجو ان اكون من مستحقيه .. لك مني كل التقدير ووافر الامتنان .. شكرا .  حلي بما صاغته اناملك من عذب الكلام ، ان يتصدر واجهة الطبعة الثانية للكتاب.



 *** 
محرر صحيفة معرض طرابلس للكتاب 2013  

  مذكرات سجين ليبي .. اربع عقود داخل الزنزانة  .. هذا هو الجزء الاول من هذه المذكرات التي جاءت على هيئة كتاب في ما يقارب الـ 280 صفحة من الحجم العادي ، والكتاب مقسم الى احدى عشر فصلا تناول من خلالها الكاتب مسيرة حياته منذ الطفولة الى مرحلة الشباب والدراسة الجامعية ، والعمل الوظيفي ، وما اعقبها من فترة سجنه واعتقاله .

    ما بين الشعر والفلسفة والسرد القصصي والحكاية وحتى الموروث تتمازج نصوص هذه الذاكرة الخصبة عند المؤلف وهي تعرض شريط حياته وتجربته من الشارع الى السجن ، والى الحياة مرة اخرى .

    التجارب النادرة حتما تعد فرص نادرة ايضا للكتابة وللولوج في عالم قد يكون بالنسبة لمن لم يعش تجربة السجن مجرد عالم افتراضي نتصوره في مخيلتنا بالعتمة والقضبان .. عتمة يقول عنها عبدالقادر الفيتوري في مقدمة الكتاب ص 10  قائلا : ” .. لقد الفت حالة الذبول والأرق وعصفت بي الانواء والرياح السوداوية حتى لم تبق ايامي إلا عبثا ، واطبقت ضروب الالم والعذاب واستولى الضجر والاكتئاب وكأنه انحدار لابد منه ، ولا مرد له سوى الموت ، وبت لا ارى في الغد ما يغريني البتة .. اتنهد بغير ارادة مني ، حال من لحقه اليأس من فرص السلام ، وفي الافق ضباب وغيوم ، فيا ايتها الايام الغوالي ، التي طالما اسفت عليها ، اعيدي الى مجراك واسعفيني بتذكر ذلك المعتزل الموحش لأربعة عقود مضت .

       يستمر الكاتب عبر نصوصه التي كان بعضها موضوعات ومقالات سبق نشرها في مدونته ، يرسم من خلالها ملامح السجن الاكبر حين تعتقل الحرية ، ويأسر الفكر ، حين تغيب الاجيال ، وتسرق احلامها وتغتال .. يعبر عبدالقادر الفيتوري عن ذلك في الصفحة 254 قائلا .. ” الجوع مع الكرامة خير من الخبز مع العبودية اما عندما يفتقد شعب الاثنين معا ، ويتحول الى موتى يمشون على ارجل ، فان جيل جديد ينهض ليكشف رسالته وسط الظلام ، يمزق احشاء الاستبداد ويعزز الامل ” . وبروح الثورة والتمرد يستطرد الفيتوري .. لم تعد اللطمات واساليب القمع الوحشي وحدها تكفي ، ولا المبالغة في التجويع والتخويف ، ولا المضي في القتل والتصفية الجسدية ، اذ من العسير ابادة شعب بأسره ، وعندما يبلغ الامعان في الاستعباد الحد الذي يولد في النفس الشعور بالدونية ، والتلاشي الى مستوى الدواب ، تنتفض تلك القلوب الكسيرة وينقلب الامر ليحل منطق محتوم يقضي بزوال الطاغية ، وفقدانه لموطن قدميه ، عنفه ووحشيته وقسوته التي امتصوها بجميع المسام ، وقد انقلبت عليه لتمزقه .

      هكذا يقدم الفيتوري نصوصه ومذكراته ، صورة خلف القضبان .. قضبان القمع والحرية المؤودة .. مذكرات سجين ليبي .. الكاتب عبدالقادر الفيتوري .. اصدار وزارة الثقافة والمجتمع المدني .. سنة الاصدار 2013 .(

هناك تعليقان (2):

rashad يقول...

دعبدالقادر هذا اقل مايمكن ان يقال فى كل كتاباتك ونامل ان يرى النور الجزء الثانى من مدكرت سجين النور قريبا

عابدالقادر الفيتوري يقول...

تسلم استاذ رشاد .. للاسف ما تركوا لنا ما يحفز على الكتابة ..