21‏/03‏/2014

سمراويت

غلاف 'سمراويت'     
    ( سمراويت .. حجي جابر ) .. مهاجر من ارتريا  طرده شظف العيش ، الى السعودية .. قضاء الطفولة والاستقرار هناك لزمن طويل ، في حي طرف مدينة جدة ، معظم قاطنيه القادمون من بلده اريتريا .. تتحين فرصة عمل ، شغفه بمدينة جدة .. التي لا ينبغي لها ابدا ان تحيد عن موقفها ، عن قرارها الازلي في الانحياز لكل ما هو جميل .. لم تكن جدة مكانا والسلام ، يلم شعث تشردنا بعد ان انتقلت اريتريا من الجغرافيا الى حواف الذاكرة .
   شغفه بمدينة " موصوع " ، الساحل الاريتري ، نسوم ارض الجدور ، ما ان ينتهي المصوعي ضحكته المجلجلة حتى تعود ملامحه الوقورة لتكتسي جلال الحزن .
     حكاوي والدته .. منزلهم القديم ، سجالات وندوات .. العمل الصحفي ، الجالية الارترية ، مؤيدوا  الجبهة الشعبية الحاكمة .. مناهضيها .. وسمراويت الفتاة الناعمة ، خطفت لب قلبه .. وهل املك غير هذا ؟ لم تترك سمراويت فراغا في حياتي دون ان تملأه ، وكان حضورها كافيا كي يستأثر بكل حواسي ، وكان غيابها مدعاة للتأمل في كل ما جرى .. وما سيجري .
    المسألة الارترية ، الثورة ، وسؤال الى اين ؟ هذه هي الثورة يا عمر ، تنزع زوائدنا ، فلا يحجب خصالنا الطيبة شيء . هؤلاء كانوا في مقدمة الصفوف طوال البحث عن اريتريا ، وكانت ارواحهم اخر همهم ، لذا حين جاء الوطن ، لم تتغير هذه الطباع النقية  . كان بمقدورهم .. ان يعيشوا كالملوك .. يستفيدوا من مناصبهم لتكوين ثروات طائلة كما يفعل كثيرون من القادة الافارقة في بلدانهم الفقيرة . لكنهم يخجلون .. يخجلون من رفاق نضالهم الذين مضوا .. يخجلون من الامهات الحزانى ، والنساء الثكالى .. يخجلون حتى من ثورتهم ان تتلطخ وهي التي بدأت واستمرت نقية .
    للثورة عمر افتراضي ..  نحن بحاجة الى الانتقال من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية .  وما لو اراد اي شخص عدم المشاركة في عملية التنظيف الطوعية هذه  ؟.
    الشعب الارتري شعب عريق ، تنهشه انياب الفقر ،  انفتهم لحد الكبر ، حتى مع اوضاعهم المعيشية الصعبة ، رحابة نفوسهم تفوق ضيق احوالهم .. قرى منهكة وبيوت اعياها الزمن .. بعضها تداعت اطرافه ، اخر من حزم القش والسعف وصفائح معدنية صدئة غمرتها الثقوب ، تستر جوانب وتعجز عن اخرى .. اشجار دابلة .. عيون شاخصة موغلة في الصبر والانتظار تواري قصصا وتقطر فقدا ولوعة وحرمانا .. على قارعة الحزن .. وكأنه الزحف الى الجحيم ببطء .
  كيف لهذا القلب المترع بتعب السنين ان يضاف اليه تعب اخر ؟
   هنا يا سمراويت كان بالامكان ان اعيش حياة حقيقية ، رغم الفقر ، رغم درجات الحرارة الخانقة ، كنت سابدو كمن يعيش خارج الحياة ، لكن هذا افضل مئة مرة من ان ابدو يعيش بداخلها وهو لم يقربها قط .
       تخرجني من عزلتي .. تسألني ان كنت اريد شيأ اخر ، نعم اريد ، اريد ان تأتي سمراويت وتحضني طويلا . ثم تنظر في عيني بشوق ممزوج برغبة عارمة لتخبرني ان امها قد وافقت على زواجنا .. دائما ما كان الخيال اجمل مما يحدث .. لن انسى ، فالنسيان فعل متعلق بالترف ،..  لا ينسى الجائع جوعه إلا حين يموت .. كم تبدو سمراويت متعجلة في ارتداء هذه النهاية القاتمة . اردت فقط اخبرها ان ثمة امل ، لكني كنت قد بلغت مداي ، كنت منهكا خائر الجراح .. يا للاسى .. حتى الوطن ، بات مثلنا .. شيئا طارئا .
 " سمراويت " .. حجي جابر .. نالت جائزة الشارقة للابداع 2012  . رواية .. تفرض على المرء قراءتها .
عابد 2014

ليست هناك تعليقات: