04‏/07‏/2014

القانون الفرنسي

القانون الفرنسي

   
   لوحة نابليون بونابرت  وابوالهول
   
      ( القانون الفرنسي ) .. رواية سردية للاديب صنع الله ابراهيم .. سيرة وقائع لرحلة باحث في التاريخ الكولونيالي دعي لحضور مؤتمر علمي في العاصمة الفرنسية باريس .. بمناسبة الذكرى المئوية لحملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 م .. حزم حقائبه واوراقه البحثية .. بما حوت من رؤية تستنطق العامل المحلي لأثار تلك الحملة .. وفي باريس يطوف متجولا بمعالمها التاريخية .. برج ايفل .. متحف اللوفر .. شارع الشانزلزيه .. قوس النصر .. نهر السين .. متأملا  النقلة المدنية الفرنسية .. ومن داخل ردهات المؤتمر يصف اعراق الباحثين ، رؤاهم ، شكوكه حول الاغراض التي اقيم لأجلها المؤتمر ، وما حمل ثاني اقدم جامعة فرنسية لمنحه كل هذا الاهتمام . جامعة بواتييه التي تأسست عام 1431 م .
     مؤتمر يبرر التاريخ الاستعماري لفرنسا ليخلع عليه جبة البراءة والانسانية والضرورة الحضارية والتاريخية .. جل الاوراق المقدمة كانت تصب او بالأحرى تخدم الهدف .. لتؤكد نجاح حملة نابليون بالأمس .. ومن بعدها الحقبة الكولونيالية ..
      ” الحملة لم تفشل .. هدفها لم يكن اقامة مستعمرة فرنسية في الشرق ، وانما توجيه مصر نحو الحضارة . فلم يكن من الممكن انقاذ البلد الغارق في ظلمات الجهل والتخلف إلا بإحداث تغيير في بنية النظام السياسي ، وهو تغيير لم يكن من الممكن ان يأتي من الداخل لان المجتمع المصري في حالة عقم تام ، ومن ثم ليس هناك مخرج إلا على يد تدخل اوروبي . فالحملة كانت الوسيلة الوحيدة للخروج من حالة التوحش والهمجية ” .
         محاضر اخر اعتلى المنصة  .. قائلا : ” ان واجب الفرنسيين المقدس تحضير الشعوب ولو بالقوة .. وان الحملة كانت علمية ثقافية وليست عسكرية استعمارية . الجنود الفرنسيين علموا المصرين الحرية واسس الديمقراطية ” .
        اخر .. ”  النهضة المصرية الحديثة بدأت بالصدمة الحضارية التي احدثتها الحملة الفرنسية . وان الحملة اخرجت مصر من العصور المظلمة وكانت بداية تاريخها الحديث .. عدد القتلى المصريين 300 الف قتيل .. ذهب المدفع وبقيت المطبعة  اول مطبعة بالعربية في مصر “
    باحث اخر .. ”  يرجع لنابليون الفضل  في تحطيم قوة المماليك التي كانت عقبة في تطور المجتمع المصري ” .
         يعرض الباحث ورقته التي تستند الى تحقيق لمخطوط عثر عليه من ذلك الارث المتبقي .. يفند من خلالها الطروحات التي تريد ان تظهر الجانب المضيء للحملة .. لتدشن فيما بعد تبريرا اخر للقانون الفرنسي الذي اجيز مؤخرا من قبل الجمعية الوطنية الفرنسية ، قانون رد الاعتبار للنهج الاستعماري   .. قانون 2005 فبراير 23 .. وفي نص مادته الاولى ” تعرب الامة عن امتنانها للنساء والرجال الذين شاركوا في المهمة التي انجزتها فرنسا في الاقاليم وراء البحار ” .
      ينبري الباحث وكأنه نخس عش الدبابير في موطنه الاصلي .. يرد على المشككين بالمخطوط .. ويقض الماضي الاستعماري لفرنسا بمجمله .. بدءا من نابليون ، وانتهاء بالجنرال ديغول .. ولا يفوته ان يحملق في عيون الحسناوات وأجسادهن  شبه العارية ، هنا بردهات المؤتمر ، كما بزواريب وحانات الفنادق والمطاعم والاستضافات على هامش اللقاء .. يسجل كل صغيرة وكبيرة .. فضوله وميوله .. غلبة هوى النفس وكوابح العقل .. هواجس تطارده .. وطيف هيفاء لا ينفك يحاصره .. كل ذلك  لا يثنيه عن المهمة .
    يذكر المؤتمرين او المتآمرين بمقولة الكاتب الفرنسي ” شاتوبريان” .. ” ان مجد نابليون لم يكلفنا إلا نحو مائتين او ثلاثمائة رجل كل عام . ولم ندفع إلا ثلاثة ملايين من جنودنا ثمنا له ” . وبالكاتب الفرنسي ”  بيير سوليه ”  وعنوان كتابه يجيب عن فحوى اللغز  ”  مصر شغف فرنسي ” .. وشهد شاهد من اهلها .
    يسرد الاثار البعيدة المدى التي تركتها القوى الاستعمارية خلفها لتعمل في البنى السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الهشة في الغالب ..  سياسة الاستيعاب والتذويب التي انتهجتها فرنسا في الجزائر .. محو اللغة العربية .. ضرب وحدة العرب والبربر ..  التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية والضحايا 42 الف انسان فئران تجارب .. الفرنك الفرنسي الافريقي والهيمنة الاقتصادية .. الثروات المعدنية .. الاثار النفيسة التي نهبت .. ومحتويات الجناح المصري بمتحف اللوفر ..  المسلة الفرعونية التي تتوسط اعرق ميادين العاصمة باريس .
       أي ماض مضيء هذا ؟‼! .. فرنسا كانت اكثر الدول الاستعمارية قمعا .. لأنها ارادت ان تجعل من مواطنو المستعمرات فرنسيين ..  الثقافة الكولونيالية  اعتمدت نهج نقد العادات الثقافية والدينية وإبرازها على انها تضطهد المرأة .. وكم هي كلفة قرن ونيف من الاحتلال للجزائر فقط .. وقوافل الموت الملاييني بالشمال الافريقي جملة .
      يذكر الباحث بحجم تلك المعاناة التي لا تزال تنخر جسد امة  اكتوت بلهيب الحقبة الكولونيالية ..  يستأذن التاريخ .. ويهمس قائلا  : وفروا علينا حبكم القاتل .
     رواية ” القانون الفرنسي ” للأديب صنع الله ابراهيم .. تفرض على المرء قراءتها .

ليست هناك تعليقات: