04‏/07‏/2014

تغريبة العبدي” .. قصة امة


” تغريبة العبدي” .. قصة امة

2016_6 
    ادب الرحلات والاسفار ” تغريبة العبدي ” .. مغامر فتى من اهل الواحات النائية القابعة على ضفاف الاطلسي .. ” واحة اسفي ” بالمغرب .. منتصف القرن التاسع عشر .. رحلة المشتاق في طلب المعرفة ، والحج ، وجوب الافآق .. في عينيه دمعة حزينة ، وفي قلبه فرحة مقموعة . وفي راسه فكرة ميتة .. ومضة قنديل في ليل بهيم . قطرة ماء في صيف قائظ .. رفقة القوافل العابرة للصحراء الى تمبكتو حاضرة الغرب الاسلامي .. وقفات هنا وهناك بقرى متوارية عن الانظار .. ادغال افريقيا .. وبمحاذاة نهر النيجر يتوجه شرقا الى واحة سيوة بمصر .. الى المنشية وعبور بحر القلزم نحو ارض الحجاز .. وعودة واستقرار بمصر .. ورحلة الاياب عبر البحر الى تونس .. انتهاءا بضفاف الاطلسي نقطة الانطلاق قبل ثلاثة عقود من الزمن . وقد اشتعل الراس شيبا ، وبلغ من الكبر عتيا .  
     لا اثر لحياة سوى رمال صفراء مترامية الاطراف تفح صهدا لاهبا يحرق الراس ويلسع العقل ويشيط القلب .. اطلال وخرائب واثار قوم سكنوا او مروا من هنا .. يستنطق الاثار .. وتتالى عليه المحن والخطوب .. لا احد لمرآى البصر ، رمال فوق رمال وراء رمال ، لا ماء ولا شجر ولا ظل .. بهتت الصور وتلاشت .. لا احد يتعالى على الصحراء وجبروتها ، ولا اعلم لماذا خلق الله الصحراء .. تحمل اسرار وتخفي اكثر مما تعلن .. الفيافي القاحلة ..اوجعته عطشا وجوعا وكادت ان تلتهم نفس الحياة مرارا .. وامدته زاد المعرفة باصقاع ودروب وشعوب لا تزال غارقة في البساطة وسداجة الحياة والفطرة الاولى .. واصناف البشر المجانين والمهووسين بالحكم والسلطة والجاه يدفعون الناس البسطاء واهل الفطرة ليصبحوا هم بدورهم مجانينا وحمقى .
      في هذه الصحراء وحدها يمكنك ان تقرأ خاطر الناس وهواجسهم ومخاوفهم وامانيهم دون ان يتكلموا او ينبسوا بحرف واحد ، لن تحتاج في الصحراء عندما تتعلم لغتها وتصدقها الود وتبادلها الحب ان تسال عن شيء او تستفسر احد ، الصحراء كتاب مفتوح يقرأه ابناؤها ومحبوها وكل من لاذ بها مسالما ، لكنها نار وجحيم ومقبرة لمن دخل غير مسلم ، ولهذا عزت وامتنعت عن الغزاة منذ قدم التاريخ..
    انا من امة الصحراء ، تجري في عروقي حبات الرمل ، في انفاسي صهد الصحراء .. ما اخافه .. هو قيد المكان ، المال المراة وترف الحياة وارتخاء البطن والشره الطمع .. القمر المنير يضيء كون الصحراء .. الفلاة الوعرة الموحشة .. الحر والجفاف .. ندرة الماء .. قلة الخضرة .. اكواخ الطين والتبن .. واحات غارقة في البساطة ..اغداق النخيل بثمارها اليانعة .. عناء ونصب .. العصبية وقد علا اوارها وقرعت طبولها واتسعت اطماعها.. وللصحراء ايضا علامات اخرى . . تلامس اوتار القلوب .. هيفاء مقبلة ، عجزاء مدبرة .. لا يشتكي قصر منها ولا طول..  هكذا يصور لنا العبدي شغفه بالصحراء .. مخاوفها .. وكنوزها المعرفية . وحسرات خطوبها .. حيث لا زاد إلا ما ما صادت النبال والحراب ، وما عاف وحش الصحراء اليباب .. وفرقة الاحباب وهجرة مرابع الصبا والشباب . .. وقد هد التعب الاوادم  والرواحل .. عطن العرق وغبار الطريق .. الزاد والماء والحبال والدلاء والقلل والقراب .. دهاقنتها العتاة .. اصرة الحزن والتعلق بالاحلام .. امضي الليالي مسهدا متفكرا بما آل اليه الحال ، وما عليه من تشوش ..  الشقاء والفقر وقلة ذات اليد .
  ” تغريبة العبدي ” رواية وقصة العثور على مخطوط قيم وفريد بسوق شعبي بقرية اسفي .. معق تمائم المؤلف والمحقق .. الكاتب المغربى عبد الرحيم لحبيبى .. تصدرت قائمة الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) لعام 2014 .. رحلة البحث عن الذات .. ومكمن تخلف شعوب الامة عن ركب التطور والتقدم اسوة بشعوب الشطآن الباردة . وسؤال عن ضياع امجاد السلف .. يوم ان كانت الحضارة الاسلامية تقبض على مفاصل حركة التاريخ وقبس الريادة . ويوم ان حلت الصاخة وغار الماء وجف الضرع ونفقت البهيمة .. فاي منقلب منقلبون ..  وكأن النار شبت في الهشيم .. ام ان دار الكفر اظهرت ناب الغدر ؟
      هل هي النهاية ؟ عشعشت الغربان برأسي ، نعقت البومة في احشائي ..  كالشمس مشرقة آفلة ..  كالقمر بدرا ومحاقا .. وفي منارة الشرق قاهرة المعز .. يتلمس ضالته .. ويواري اسفه معلنا الرحيل والعودة .. ينصت الى مرشد القوم .. بمنارة الازهر .. : ” ما ان تعود وبسمل حتى فارقته البشاشة ، فاكفهر وجهه ، وعلت جبهته تقطيبة كالحة كخسوف القمر ، واشتد سواد زبيبته حتى خلت نفسي امام حية استنفرت رأسها للانقضاض ، واحمرت عيناه ، اشتعلتا نارا ، ترميان السامعين بشواظ حارق ، اتخذ وضع المنذر فالقى خطبة جمع كلماتها من حطب جهنم ، ووقودها الناس والحجارة ” .. قياسات واستدلالات تمثيلية لتبرير الهزيمة الحضارية امام العدو الكافر بنقص الايمان والتفريط بالدين اعتمادا على اساليب فقهية فاقدة لروح الابداع والتجديد .. وواقع يهرب من ذكره القلم وينفر الورق .. ماجت الاسواق .. وقامت الفتنة على ساق .. عظم الخطب واشتد الكرب .. هدمت دور وصوامع .. وخربت فنادق ومصانع .
    ” تغريبة العبدي ” تحمل قصة وجع اخر ينخر باروقة جامعاتنا .. قوالب جاهزة لا تقبل زحزحة او تحوير .. وطالما انها النسخة الوحيدة للمخطوط ، فلا يحق للمحقق ان يسجل منها موضوعا لنيل درجة الماجستير .. انه العرف والقانون الصارم المتوارث .
   ” تغريبة العبدي ” .. رواية مفعمة بعذب الكلام .. ونوادر المصادفات ..  قصة تاريخ امة .. رواية .. تفرض على المرء قراءتها .
عابد

ليست هناك تعليقات: