04‏/07‏/2014

” النبطي ” .. حلم ليل حزين


” النبطي ” .. حلم ليل حزين

       8349362
   ما بين ادب الرحلات والاسفار ، وادب الصحراء وحواضرها ، والهجر والضنى .. يغترف يوسف زيدان الذي وصف بمالك ناصية الابداع الروائي ، شيء من عبق التاريخ ونشأة الديانات ، والصراع السياسي بمنطقة الشرق الاوسط والجزيرة العربية .. ليصوغ رائعته ” النبطي ”  امتداد لذلك الزخم الخصب لمعين الروائي العالمي .
     ” النبطي ” رواية تحكي رحلة فتاة يغمرها الامل في ان تحقق ذاتها يوما ما في كنف رجل قبل ان تداهمها العنوسة .. ” مارية ” من اهل الوجه البحري وكفر النملة والزقازيق بشمال مصر .. الى شبه جزيرة سيناء .. من الحياة على ضفاف النهر الى اتون الصحراء والجبال والقفار الموحشة .. وبين هذا وذاك ، تجربة حياة ، وتساؤلات حول الماضي والحاضر وما قد يضمر المستقبل .         
      استولى الليل .. ومع كر الايام .. البرابي الممتدة حتى اخر النظر .. اخر العالم .. على حواف التلة .. فتاة تتأمل صرف الاسى بمراقبة الطيور التي تحط فوق الاسوار واسطح البيوت .. طيور خرساء الى تغريدها تحن .. عم الظلام .. اطبق  السكون . وكأن الكون خلا من كل هسيس . وما عاد في الوجود انيس .
    الصمت مطبق .. لا قمر في السماء ، والنجوم تحجبها غلالة من غبار .. الظلام تسلل حتى سكن جوف الدرب . وتمدد حتى بسط على الساحة غلالته .. داعب  العيون الوسن وغالبتها الوساوس . وسؤال عن بدء التكوين ، والدين ، والمسيحية التي ورثتها عن اسلافها في ريف مصر .. راهب ، وقس ، وأب ، وآباء .. ” البابا هنا البابا هناك .. اباء كثيرون ، فأين الامهات ؟ ” .
    اخيرا .. يأتي فارس الاحلام والزمان من وراء الهضاب .. من صحراء سينا .. قافلا وقبيله من الانباط ، ليحتفي بيوم العرس .. ومباركة الكنيسة للزواج .. واعلان ساعة الرحيل .. نحو الافاق البعيدة الممتدة .. فلا المناخ ولا الارض ذات الارض .. حل وترحال بعده حل وترحال .. انعكاس الشمس على وجه الرمال .. الجبال تقترب كلما نشطت القافلة .. يتناثر في الافق الفسيح نخيل نحيل .. لا بيوت ولا اشجار ولا عصافير تطير .. الشمس فوق الرؤوس قوية الحضور .. وفتاة تجيل بعينيها على المدى المفتوح .. ومن على ظهر بغلة .. تستجدي نسمات رحيمة تلاطف خدها  .
   قمر الصحراء يفرش على الارض نوره ويجعل الرمال فضية لامعة .. تجلله سحابة من أسى .. الصحراء صنو الحرية ، ولا صبر لها على استعباد .. سهوب ووهاد وجبال ووديان .. رحلة المتاعب والسافات التي لا تنقضي .. حياة البدو وشظف العيش .. وحل وترحال بعده حل وترحال .. وقد زاد ظلام الليل مهابة وثقلا على القلب .. الزاد ..  خبز وزيت .. زعتر .. سمسم .. جبن المعيز .. عسل الجلاب .. دبس .. واجولة قمح وزكائب شعير .. ومقتنيات العيش .. الجرار والزير .. الفرش والحشايا .. كوانين وقناديل ومصاطب حجرية .. وبيوت الخيام ومنقور الجبال والتلال .. وادي عربة .. جبل السكاكين .. بيوت مغمورة في الرمال الناعمة .. وادي النار .. وادي رم .. الوهاد الممتدة .. منحدرات وقمم واحجار وزهر .. اشجار الغضا ، البلوط ، الخروب ، البطم  ، اجام العشب .. الشيح القيصوم الدفلي .
  ” النبطي ” الزاهد المتحير .. بسؤأل بدء التكوين .. وبعلاقة الانسان برب الكون .. تأملاته في الخلوات اعلي قمم الجبال .. الحدس سبيل للمعرفة .. الكشف وعلم الباطن مطيته .. يرفض الزواج ..  يزدري حياة الناس الغارقة في سراديب البحث عن العيش على عادة اسلافهم .. غارقين في انهار متباعدة .
   ” مارية ” التي لم تعد تهتم برحيل زوجها بين الحين والآخر ، ولا بغيابه لأشهر طوال .. يغريها حديث النبطي ، يمدها بالأمل ، ويعوضها فقد الام والأخ في الاصقاع البعيدة .. وعن حظها العاثر ولم تكتحل عينها بطفل من صلبها .. حديث النبطي .. كنوز المعرفة بنور القلب .. وبلاغة الكلم .. ” البلاغة تأتي مع حسن اختيار الحرف قبل الكلمات ، ومع تحسس المتكلم لما يقول ، مع الايجاز في اللفظ والرهافة في المعنى .. الكلام البليغ ضرب من السحر النبيل .. واذا كان النثر شعريا فهو اعلى ” .  تلك هي سمة سرديات النبطي في ليالي الصحراء وسمر المضارب .
   مآل البشر بعد الموت ، البعث والنشور .. من الرسخ الى الفسخ الى النسخ . فكرة التناسخ كما يرويها النبطي الملهم بقدح البصيرة : ” الحيوات وتناسخ الارواح .. من قضي حياته جاهلا ، ذكرا كان ام انثى ، بقيت روحه بعد الموت حينا ، معذبة ، لا قدرة لها على الانبعاث من جديد ، مما كان في الحيوة السابقة ، وتتهيأ للحيوة التالية . فان كانت الحياة السابقة شرا وظلما ، بقيت الروح بعد الوفاة حينا ، حبيسة صخرة او حجر . ما يسمى الرسخ ، بعدها ترتقي ، فتحل بجسم حشرة او نبات .. الفسخ ، ثم ترتقي الى جسم حيوان غير ادمي ، وتعود اخيرا الى النوع الانساني .. مرحلة النسخ .. وعن سر جمال الفراشات ارواح الذين ماتوا في سن الطفولة ” .
   عن الارض والتكوير .. ونتوء الجبال .. تسأله مارية المتحيرة مثله ، والمتلهفة لسماع اجاباته  : ” اصل الارض مستوية ، وما الجبال إلا اضطراب الارض ، كلما مات واحد من البشر  دفنوه  ، تنفطر الارض من معاصي المدفون وتتقبب من تحت السطح لتلفظه . فتمسك الجبال صفحة الارض كيلا تميد ” .
    بحار المرارة .. حرقة الفراق .. تعاقب الاهوال .. صراع الاقوام والديانات .. الفرس والروم .. هرقل والمقوقس .. وظهور نبي الاسلام بالجزيرة العربية ، رسالة السلام بديلا لسفك الدماء والتقاتل القبلي المقيت حول الكلأ والمرعى .. وتزايد الاتباع ، وإسلام زوجها وانضمامه الى قافلة جيوش الاسلام .. ثم اسلامها .. وبدء الصراع وتعطل طرق التجارة والقوافل .. ودخول عمر بن العاص الى مصر فاتحا .. ولحظة الخروج من سيناء نحو مصر .. اصطفافا لركب رسل السلام .. وقد خلت المضارب ولم يبقى سوى النبطي الذي رفض الرحيل .. وحيدا في الفلوات .. تتحسر مارية يوم وداعه .. بعدما يئست من اقناعة بمرافقتهم .. وفي نفسها امنية قديمة تعود لزمن ولى .. يوم ان قدم زوجها الاحول الابخر وقبيله طلبا لخطبتها ، برفقة اخيه الاصغر ” النبطي ” .. الاكثر وسامة ووقارا .. وكم تمنت يومها بعدما لمحته من وراء الاستار .. لو انه كان خطيبها .. وكم تمنت لو انها بقيت معه ولم تتركه وحيدا .. رحلت والقافلة .. تلفتت اليه لحظة الوداع الاخير مرتجفة الروح .. وقد بقى وحيدا بين الاحجار والرمال .. واقفا في موضعه ، ينتظر في التيه امر قد يأتيه او لا يأتيه .. فارتحل معه حلم .. كأنه حلم ليل حزين .
   رواية ” النبطي ” للمبدع يوسف زيدان .. اشبه بمخطوط عثر عليه المؤلف يعود زمنه لاربعة عشر قرنا مضت .. رواية خصبة المعاني والايماءات . ” تفرض على المرء قراءتها ” .
عابد 

ليست هناك تعليقات: