04‏/07‏/2014

” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة


” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة

هيباتي

    رحلة عقلية خصبة تنبئ عن مدى تعمق الأديب   ” يوسف زيدان ” بمعرفة اللاهوت المسيحي وتاريخه .. براعة الباحث القادم من زواريب الحقل الفلسفي في مقارنة الاديان .. وقد اختار الرواية قالبا لرسم ثمرة افكاره وروأه حول جذور الصراع المذهبي للطوائف المسيحية في الشرق ..” اقتحم حياة الاديرة ، ورسم بريشة راهب احداثا كنسية حدثت بالفعل ، وكان لها اثر عظيم في تاريخ الكنيسة القبطية ” .. هكذا وصفه المطران يوحنا جريجوريوس .
   ” عزازيل ” .. سيرة الراهب هيبا وحياته القلقة .. يؤرخ لأحداث كان لها الاثر البالغ في تموجات الصراع الكنسي .. رحلة في جغرافيا الامتداد الدعوي .. من صعيد مصر .. نجع حمادي .. اخميم .. قنا .. الى الاسكندرية عاصمة الكنيسة المرقسية .. ( المطرقة او المرزبة ) .. اهوال وصوادم الايام .. وسؤال الاسقف عن المنطق .. والفيلسوف افلوطين : ” انني افكر كثيرا في افلوطين ، وفي مصر . فأرى ان كثيرا من اصول الديانة اتت من هناك ، لا من هنا ! الرهبنة ، حب الاستشهاد ، علامة الصليب ، كلمة الانجيل .. حتى الثالوث المقدس .. تساؤلات ومقاربات ومقابلات .. في اقوال الفيلسوف السكندري افلوطين في كتابه التاسوعات : ” الواحد ، والعقل الاول ، والنفس الكلية .. الاب ، والابن ، وروح القدس .. قصيدة اريوس  ثاليا .. انجيل المصريين .. انجيل يهودا .. سفر الاسرار .. خطب شيشيرون .. كتاب الاسقف اوغسطين : مدينة الله 413 م .. وتبرئة المسيحية من سقوط روما المدوي 410 م بأيدي القوط .. كتاب الرحلة المقدسة للاسقف تيوفيلوس السكندري وجرأته في التقول عن السيدة العذراء .. كتاب الخروج وعما يجب ان يشهد به الموتى على انفسهم يوم البعث في حضرة الالهة .. العقيد القديمة وقصة الاله خنوم صانع البشر من طين الصلصال .. انتشار المسيحية وهجوم عوام المسيحيين .. ” كأشباح فرت من قعر الجحيم .. بعيون ذئاب قد ارتوت .. تملكتهم نشوة الظفر والارتواء ، فتصايحوا وقد رفعوا اذرعتهم الملطخة بالدماء .. وبأيديهم السكاكين المضرجة يلوحون في وجه المذعورين .. متهللين بالترنيمة الشهيرة .. الموت للأعداء  .. ارادوا الخلاص من موروث القهر بالقهر ، ومن ميراث الاضطهاد بالاضطهاد “.
     بسجية الراهب الذي يملأ قلبه السلام  ويفيض بالمودة والعطف .. تراوده فكرة تناسخ الارواح .. تمنى لو انه صار شجرة وارفة الظلال وغير مثمرة ، فلا ترمى بالحجارة ، وإنما تهواها القلوب لظلها .. هذه البلاد قاحلة وجفافها شديد ، فلو صرت شجرة سأحنو على الذين يستظلون بي ، وسيكون ظلي رحمة لهم امنحها بلا مقابل . سأكون مأوى للمنهكين ، لا مطمعا لطالبي الثمار .. وازداد تطهرا .
      عزلة واعتزال راهب .. دير وصومعة .. محبرة وسراج قديم ذو فتيلة بائسة واللهب المتراقصة شعلته .. رقوق .. ارتحال العين بين صفحات الكتب .. الغرق في بحار الحيرة .. وكحلم لمع في سماء حياته الباهتة ، ثم انطفأ لمعانه .يتسأل :  لماذا انطفأ كل شيء ؟ شموع السكينة التي طالما آنست وحدتي . هل سينزاح هذا الهم وتأتيني اخبار مبهجات ؟
  طقوس الديانة .. صليب الفداء .. هل الانسان قادر على قتل الاله وتعذيبه ، وتعليقه بالمسامير فوق الصليب !.. العلامة المفسر تيودور اسقف المصيصة يرد حيرته .. ” لم يشأ الرب ان يترك الانسان موصوما بالخطيئة الاولى .. خطيئة ادم يوم ان غرر به عزازيل ( الشيطان اللعين ) .. فأرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليفتتح الزمن الجديد للإنسانية .. ومع الانجيل .. الاخبار المفرحة .. بشرى بالعفو عن العقوبة وغفران للخطايا ” .. صار معه عزازيل في خزي .. وأنقذ الروح من قلق الشكوك .. عضات يسوع المسيح في انجيل متى الرسول .. ” طوبى للحزانى ، فإنهم يرثون الارض ” .. المسيح جاء من اجلنا … تجسده وآلامه وموته وقيامته ، انتصار على الشيطان .. العماد ميلاد .. دخول في النعمة وتوحد مع المسيح .. خلاص وخلق جديد .. لقد ورث البشر النزوع الى الخطيئة .
   يتسأل عن المعمودية وزمنها .. وقسطنطين الامبراطور الملقب بمحبوب الاله ، وحامي الايمان ، ونصير يسوع .. يتسأل عن ” مجمع نيقية ” الذي حرم فيه الاسقف آريوس لقوله ان المسيح انسان لا اله ، وان الله واحد لا شريك له في الوهيته . وإيماءة الى انه السر الذي لا يحب رجال الديانة الخوض فيه .. اريوس الذي اختلف الناس فيه وكرهته كنيسة الاسكندرية بأكثر مما تكره الشيطان .
       اساءة الامبراطور للمسيحية ، احرق الاناجيل المتداولة بين الناس خلاف الاربعة المشهورة .. نظرة الاسقف نسطور . اسقف القسطنطنية الى اريوس كمخلص للمسيحية من ثالوث الديانة المصرية القديمة وقد خرج عن اجماع اهل زمانه .. ايزيس وابنها حورس وزوجها اوزير الذي  انجبت منه من دون مضاجعة .. وإقراره بأن الله واحد لا شريك له في الوهيته .. والسنة المشئومة .. عام 431 التي حرم فيها وعزل ، من منصب اسقفية القسطنطنية ..اهتزت اركان الديانة ..  ابليس هو المحرك الرئيس لكل ما جرى .. كما قبل مائة عام في مجتمع نيقية . ابليس ، شيطان السلطة الزمانية التي تغلب سكرتها الناس . فينازعون الرب في سلطانه ، ويتمرغون فيما بينهم .

     لقائه بـ ” اوكتافيا ” الفتاة الجميلة .. حورية الاسكندرية والبحر التي خلبت لب قلبه .. واوقعته في الخطيئة .. ” تنهدات تلفحني .. آه من زماني الذي كان .. اسرجت فتيلا آخر فشع نوره ونورها ” .. زوجها التاجر الصقلي وحزنه على كلبه .. عيناه كانتا تدمعان حزنا على كلبه ‼ تعجبه من غرابة هذا العالم الجديد ، وتذكره ساعتها لبلاده وقريته بصعيد مصر ، حيث الكلاب هناك بائسة .. والناس  .. عصف الظنون والخواطر .. تحسره على فقدها ..” آه .. من يوقف بقلبي اعصار الاسى الفتاك ” .. وكمن يسقي الافعى سما .. اللقاء بـ ” هيباتيا ” المعلمة الوثنية وكرهها لأهل الصليب ..”  انهم كالجراد ، يأكلون كل ما هو يانع في المدينة ، ويملأون الحياة كآبة وقسوة .. خطابات اساقفتهم  ..اقرب لفحيح الافاعى .. لهجة لاذعة كلسع العقارب .. يوم ان جرجرت امامه على قارعة الطريق ولم يجد من سبيل لإنقاذها .. حرب الكنيسة على الوثنية والوثنيين  .. ” خطاب الاسقف .. اهتزت الجموع مهتاجة .. لمحت عيونا كثيرة انهمر منها الدمع ، ووجوها عديدة كاد الحماس يفجرها .. تهت بين افكاري ، وسرحت في آفاق بعيدة .. فجأة صاح احد الواقفين ، بصوت اجش ، حتى كادت حنجرته تنخلع مع زعيقه .. كاد الحماس يذهب عقول الناس .. هتاف يرج الجدران .. بعضهم غشى عليه فسقط بين الجموع ، بعضهم راح بدنه يهتز مع هتافه ، وبعضهم اغمض عينيه المنهمرتين بالدمع .. هوس الجموع .. تداخلت الهتافات .. مرت الايام مترعة بالتوتر .. اتوقع وقوع كارثة .. تندر بفناء العالم .. باسم الرب سوف نطهر .. انشودة المجد الرخيص .. وكانت الضحية هيباتيا استاذة الزمان .. الايدي الناهشة .. ذئاب مسعورة هاجت بواطنها طلبا للدم والافتراس .. علا صراخها وترددت اصداؤه في سماء عاصمة الملح والقسوة .. الاسكندرية .
     وإذ لا مناص .. قرر الرحيل خفية .. ترك صومعته وسار نحو دمياط .. عمد نفسه بنفسه واختار اسما جديدا .. هيبا .. وما هو إلا النصف الاول من اسمها .. وفي دمياط .. يلهم وصية راهب دير .. في عينيه بريق ألق لافت .. وفي كلماته القليلة حكمة صافية : ” ان كنت تبحث عن اصل الديانة ، فاذهب الى مغارات البحر الميت ، وقابل الاسنيين .. واحرص على مقابلة الراهب خريطون ، فهو اكثر اهل الارض صدقا وتوحدا “.
       رحلة الحج الى اورشليم .. ومجيء نسطور .. واللقاءات المتكررة قبل رحيلهما  ” تبدد الغربة  .. طافت بنا سفن الكلام في كل البحار ” .. وصيته له بالارتحال الى حيث الدير السماوي شمال مدينة حلب .. حياة التفرغ للقراءة والاستقرار والتعبد .. موجات التلال التي تعلو السهول .. طبيب وشاعر يلتحف لباس الرهبان .. يمتلي قلبه بالمحبة للكون .. الدر يتشكل في الاصداف . وإلا ، فما العذراء لولا ولادتها المسيح .
   رسائل البابا كيرلس اسقف الاسكندرية وخناجرها المشرعة باللعنات الاثنتا عشرة ضد نسطور .. واتهامه بالكفر .. الفرقة بين الكنائس الكبرى . روما ، الاسكندرية ، القسطنطنية . انطاكية ، الرها ..  هيبا الى انطاكية لمقابلة الاسقف نسطور .. فزعه من انهار العنف التي تتدفق في ارض الله ، ورعب من القتل المروع الذي يجري باسم المسيح .. هيج الفكر بتناقضات الفداء والمحبة ، وافعال القتل والسحل .. يجيبه نسطور : قتل الناس باسم الدين ، لا يجعله دينا .. هؤلاء اهل سلطان لا اصحاب ايمان .. اهل قسوة دينية لا محبة دينية .. الرهبان لا يقتلون ، وانما يمشون على الارض هونا .
     عودة الى الدير .. حدث ” مرتا ” الفتاة الفاتنة تقطن الكوخ المصاقب للدير  .. صوتها الرخيم .. اختيار رئيس الدير لها للقيام بتلاوة الترانيم الكنسية  .. رؤيته بجواز الغناء .. لما فيه من مداواة الارواح .. تكليف هيبا بتدريب الاطفال والمغنية على اداء الدور .. ” صوتها الرقراق اتاني صافيا من بين طيات السحاب .. مطيبا  بعبق شجيرات الورد وروح المروج الخضراء الزكية .. ارتجف باطني مع ارتجافة شفتيها وهي تطيل النطق بالحروف .. غناؤها الشجي نادر العذوبة .. استبد بي الارق المقيم .. فبقيت مسهدا حتى الفجر .. نظرت الى وجهي في باطن المرآة .. فبدت لي اثار الزمن .. مارتا .. وقد رفعت غطاء رأسها ، فانهمر شلال شعرها الاسود الكثيف الناعم  .. المعتقل تحت غطاء الرأس .. يتوق للتحرر .. لسعتني نظراتها .. هائما في فلوات ذاتي .. شجنا على شجن ، حتى اذهلني عني .. حين انتهت من غنائها ، كنت قد انتهيت .. اربكتني عبارتها .. حضورها الطاغي يسلبني .. جمالها ظالم لمن يعرفه ، اعمق من ان يحتمل وابعد عن ان ينال . هل تتعمد اثارتي ام تراها تعبث بي ؟ ” .. فكانت الخلوة .. وحدثت الخطيئة .. خطيئة الراهب الذي ندر نفسه للزهد عشرون عاما مضت .. انقطع الحبل .
    يتسأل : كيف لانسان ان يتحمل تقلب القلب ما بين اودية الجحيم اللاهبة وروض الجنات العطرة .. أي قلب ذاك الذي لا يذوب ، اذا توالت عليه نسمات الوله الفواحة .. ورياح الشوق اللافحة ..ثم اريج الازهار .. ارق الليل وقلق النهار .. اعصار المحبة .. قدحت مرتا زناده بكلمة واحدة فصار عشقا .. وانا لا خبرة لي بارتياد بلاد العشق .. اعتصرني اشتياق .. فتدحرج قلبي نحوها .. التقت عينانا في عناق حار ، غبت عن كل ما حولي .. وأظنها ايضا .. التحام النظرات الولهى .. ولدت الخطيئة .. مرتا الجميلة .. غوايات وعذابات وما كان من امر عزازيل المراوغ اللعين .. تهيج فظائع الوقائع .. . ” تحيط بي الغيوم من كل جانب ، وتهب في باطني الاعاصير حتى تكاد تقتلعني من الكون كله .. لوعة القلق وعصف الاشتياق .. الى مرتا … يا مرتا اشرقي بلحظة من وصالك ، لتنيري قلبي المظلم ، وتبددي وحشتي ” .
   طبيعة المسيح .. وجدلية استقلال اللاهوت عن الناسوت .. حرب الكنائس .. مؤتمر افسوس برئاسة كيرلس .. الافكار النزقة .. حلم النبوغ في الطب .. الامل في ادراك سر الديانة .. الغرام بأوكتافيا ، الولع بهيباتيا ، اشتياق لمرتا .. تائه في صحروات الذات .. يسعى الى الفرار من هذا العالم المليء بالأموات .
   عزازيل .. الشيطان والملعون .. مبرر الشر في افعال البشر .. حاضر دوما لرفع الوزر ، ودفع الاصر ، وتبرئة كل مدان .. خادم العباد ، ومثير العباد الى مطاردة خيوط اوهامهم .
       يكاد خيط التدبر ينقطع .. فريسة تمزقها مخالب القلق وأنياب الافكار .. جرى به خيل الكلام في كل مكان .. يلتذ بذكر الذكريات ، كأنه يستعيد جزءا من جوهر ذاته كان قد انطوى .. وتمزق بين الخطيئة والطهر .
  ” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة .. رواية تفرض على المرء قراءتها .
عابد

ليست هناك تعليقات: