21‏/02‏/2014

شكر .. ايها الصديق العزيز


    الكاتب المرموق والاديب الودود ، ابن الصحراء ، الصديق شكري الميدي ، لا تمل الجلوس اليه والانصات لحديثة الخصب ، كما متعة قراءة نزيف قلمه الدليق ، تفضل اليوم بكتابة نبذة عن كتابي " مذكرات " .. اجزل واطنب بعذب الكلام ولم يترك لي فرصة سوى الثناء لشخصة الكريم .. وكلمة " شكرا ايها المبدع كما انت دائما .. ما خط قلمك سيبقى نوط اعتز به ، وتتويج ارجو ان اكون من مستحقيه .. لك مني كل التقدير ووافر الامتنان .. شكرا .  حلي بما صاغته اناملك من عذب الكلام ، ان يتصدر واجهة الطبعة الثانية للكتاب.
مذكرات سجين ليبي

المؤلف د عبدالقادر الفيتوري


   الدكتور عبد القادر الفيتوري، التقيت به في ظروف خاصة جداً بتونس العاصمة، ضمن مجموعة مدونين من ليبيا، كان لافتاً للنظر، بجلسته، عكازه ونظراته الفاحصة مع احاديثه المقتضبة الذكية، يمكن لأي شخص أن يتفاهم مع شخصيته بسهولة. ثم عرفت بأنه من الجنوب الليبي، هذا أمر مشابه لجمعية تضم سكان الجنوب، كل شيء مشترك، بالرغم من ان المزحات كانت تتحدث عن التهميش إلا إن احاديث الدكتور كانت تحمل دوماً طابع الحيادية، ثم عرفت بأنه دكتور محاضر في قسم الفلسفة خلال أحاديثنا السريعة، اكتشفنا فلاسفة مشتركين، ابن حزم وطوق الحمامة، برتراند راسل وتاريخ الفلسفة الغربية. مشترك أخر بين الظاهرية واسلوب راسل في التتبع الظواهر في كل شيء، ثم أن الدكتور الفيتوري، كان قد نشر مقالات باسماء مستعارة، كانت كالطيف في ذاكرتي. أهداني كتابه الصادر عن وزارة الثقافة والمجتمع المدني، بأهداء انيق المطلع: شذرات من سيرة زمن العتمة... بالنسبة لي كانت العتمة دائماً حاضرة في ذهني.

عنوان الكتاب:
مذكرات سجين ليبي – الجزء الأول – أربعة عقود داخل الزنزانة.



في غرفتي في ذات الفندق، شرعت في قراءة ما ظننته، كتاب عن ادب السجون، لأتفاجأ بشيء اكثر اتساعاً واختلافاً، فالنص ليس محض نص واحد، بل مجموعة نصوص متجمعة بطريقة مذهلة، لتكون نصاً متماسكاً، كتماسك الجدار، بالرغم من أن تشبيه كتاب عن السجن بتماسك الجدار فيه مفارقة، انما الكتاب كان رصيناً للغاية، جدياً يبحث عن اللحظة التي وقعت قبل أكثر من اربعة عقود في أحيان كثيرة. أثناء قراءتي وجدت بأن النصوص تتظافر باحكام من سيرة ذاتية، إلى مقالات واقعية، حوارات، تعقيبات على مقالات لا تقل روعة وإفادة، تواصل مذهل فهو كتاب في التاريخ، النقد والسياسة، مكتوب بلغة ادبية رفيعة تستفيد من بعض أفضل الكتابات العربية، ابن حزم، عبد الرحمن منيف، جبران خليل جبران، الطيب صالح.

اكتشفت في هذا الكتاب الكثير، كما وجدتني اعود في بعض صفحاته إلى سنوات كانت خلالها القبضة الأمنية تسيطر على كل شيء، حتى فضاء الانترنت، وراء احدى الشاشات في احدى مقاهي الكافي شوب وأنا أقرا في تلك المقالات، ربما مرت علي كلماته، لنها تبدو مألوفة لي، تحمل رهبتها كما هي من تلك الأزمان الجبروتية، خطورتها، خامرني احساس بين النشوة والرعب المتأخر، كما شعرت بالسعادة، كون هذه الكلمات ضربت في جسد العقيد، قبل أن يفقد سلطانه، العقيد الذي اخضع بلادنا بالكلمة، باعتباره السلاح الأكثر فنتاكاً، الأكثر تأثيراً فيه بالتالي، سالم الفزاني، سالم العالم، اسماء مستعارة حملت شخصية الكاتب لسنوات، حتى اربكت مكاتب المخابرات، كما لا بد اعتبروا كشفه نصراً لا يعادل، وذكاء لا يفوقه أحد. إنما كلماته حتى بعد سقوط النظام البوليسي لا تزال تحتفظ برهبة غريبة، لا بد أن كاتبها فخور بها وبما قدم.
هذا ما كنت اشعر به لدى قراء مدونته، الفخر بكون هناك شخص يكتب عن معاناتهم، بطريقة ادبية رفيعة، سمرة اخرى ازدات دهشتي، حين وجدت في الردود اصحاب مدونات كنت أتابعها في تلك الفترة، دون أن أعي سطوة ما كان يجري، المعارضة السياسية مفهوم فقده الليبيون مع فترة الحكم التي تلاعب بها على ذاكرة الشعب الجماعية، في تصورهم ربط نفسه بأمر مقدس لا يمكن تصوره على الاطلاق كونه بششراً عادياً، لذا لا يمكن معارضته أو التفكير في معارضته، الشعب الليبي مع السنوات اعتبروه ككارثة طبيعية، زلازل، عواصف رملية، موت، اعتبروه قدراً لا يمكن مطلقاً الفكاك منه.

أن يعارض أحد بالكلمة، أمر نادر الحدوث، كل من فعل ذلك حفنة من الشجعان يمكن عدهم على اصابع اليد، تجمعوا في تعقيبات مذهلة تحت مقالة رائعة عنوان: أمبراطورية ليبيستان، تحت تلك المقالة تجد أصوات من زواويستان، توبكستان، ترهونستان، طرابلستان، بنغازيستان كما تجد أسماء رائعة كاستاذ ابراهيم قصودة يرد علي بعض المقالات باهتمام شديد، لما فيها من جدية، لكنها جدية قادته إلى الزنزانة وهي نتاج ثلاث سنوات كاملة من الكد والكتابة، في زمن كانت الكتابة تبدو مهيبة جداً، خصوصاً تلك التي تلتزم بالهجوم على ديكتاتوري مثل القذافي، أنهك العالم في محاولة فهم، كما يئست قوات الكبرى من حكمه الغريب والمشين والانتقامي. يقول الكاتب في ص 172 ما يلي: أن يقارع مفكر أو مثقف أو كاتب بقلمه طاغية بغية أن يصرعه، خيار قل رواده في زماننا على ما يبدو. إنه اختيار موفق من الكاتب، يعبر عن رؤيته لمجتمعه، الساكت. هذا الكتاب بالنسبة لي اكتشاف لا يمكن تصوره، عرفت منه اشياء كثيرة، لا أستطيع أن أتحدث عن كل شيء فيه فهو متسع جداً بحيث يمكن اعتباره وثيقة شاهد على تلك الفترة، ولا شك أن وزارة الثقافة والمجتمع المدني، كانت موقة في طباعة هذا الكتاب، الذي أتمنى أن يقرأه الناس بصبر، لاكتشاف ما فيه، فمنذ قرأت الفصل الأول، حتى قررت أن تكون قراءتي للكتاب بطيئة، متأنية، للإحاطة بكل ما فيه، لأنه يستحق كل الاهتمام.


شكري الميدي أجي 

بنغازي . 17/02/2014

20‏/02‏/2014

رسالة الى والدي

44248_436735393207_564358207_5198898_6655801_n
      في هذا اليوم بالذات 20 فبراير 2014 م .. مناسبة اجراء انتخاب لجنة الستين .. احياء لمآثر السلف ، جمعية الستين الوطنية التاسيسة ، بعد ثلاثة وستون عاما مضت على انعقاد اخر اجتماع للجنة الاباء ..( 25/11/1950م . – 25 /11/1951م ) . بحضور 20 مندوبا عن كل إقليم ، طرابلس . فزان . وبرقة ، بمجموع ستين عضوا يمثلون كامل ليبيا.. في مهمة اساسية .. وضع الدستور .. تحديد شكل الدولة الليبية الجديدة ومعالمها .. تأسست الجمعية بناء على قرار الأمم المتحدة بتاريخ 21/11/1949 والمعزز بالقرار بتاريخ 17/11/1950.


       وها نحن والدي العزيز ( رحمكم الله ورفاقكم الستين ) .. بعد ستة عقود ونيف .. نعيد التجربة ذاتها .. نتأمل ان تنتفي المظاهر العسكرية في شوارعنا ، نتأمل ان ينام اطفالنا وامهاتنا وشيوخنا هانئين ، فزع قرقعة الاسلحة .. قذائف منتصف الليل .. المركب يتأرجح وفي محاولة .. ننتشله جميعا من الغرق اكثر .. هزة عنيفة وزلزال مروع .. وطن جريح ممزق دامي ، اوثان الحقد عشعشت وتأججت واشتعلت لهبا مزمجر .. نتأمل مصالحة طنية .. نتامل ان تجرم فئة او قبيلة ابناءها ممن يحملون سلاح خارج الدولة .. نحو دولة القانون . دائما تمة امل .

رضا بن موسى :
     اطلعت ويسعدني أهتمامك الشخصي بأبيك وخاصة بكونه حاضرا في مسألة عامة . هذه المساهمة في تثبيت الذاكرة الجماعية بما لايجعلها تستنزف أبدا وبما يجعل البحث في مساربها خطوة باتجاه قراءة تاريخ الساحة التي نعيش عليها وهي الوطن حين تشتبك العلائق معها حبا وعملا في زمن يمتد من بدء تاريخها تاريخنا إلى مطلع العدل والحرية والجمال . لك التحية والسلام .

15‏/02‏/2014

فزان : مطالب بفتح الارشيف الفرنسي

zcarte

  
ظل ارشيف المرحلة الاستعمارية الفرنسية لشمال افريقيا طي الكتمان ولا زال ، ولم تتوقف المطالب بالكشف عن الارشيف وبالذات فيما يتعلق بالجرائم ذات الاثر البالغ والممتد اثر ضرره لاجيال واجيال ، وعلى رأس الاولوية الاسرار المتعلقة بالتجارب النووية الفرنسية بصحراء الجزائر .

ورغم ان الابحاث اشارت الى ان ما حدث يعد رعونة نووية خرجت عن السيطرة وتسببت في تلوث بيئي يستمر لعهود طويلة مقبلة ، ولا يقف عند حدود دولة الجزائر بل يتجاوزها الى دول الجوار ، ومن بينها ليبيا ، ناهيك عن حركة الرمال والرياح وكون حبة الرمل الواحدة تحتفظ بالاشعاع لمدة تقدر بـ 24 الف سنة ، إلا ان التعنت الفرنسي الجم الاصوات الحقوقية المطالبة بالكشف عن الارشيف وتحميل فرنسا المسؤولية التاريخية عن تلك الجرائم المرعبة . وذهبت كل المطالب سدى ، ما تعلق منها بواجب تطهير المنطقة وتعويض شعب الصحراء ، الى تكفل فرنسا بعلاج الحالات المرضية الملحوظة كالسرطانات والتشوهات الخلقية وغيرها .

اليوم الجمعة 14 فبراير 2014 م ، وفي مناسبة الذكرى 53 للتجارب ، كشفت صحيفة “لوباريزيان” الفرنسية عن اولى التسريبات التي تؤكد على خروج التفجيرات عن السيطرة وتضرر منطقة شمال افريقيا وجنوب الصحراء بالكامل ، من واقع خريطة وضعت بالتزامن مع التجارب لتحديد مدى الانتشار تعود إلى سنة 1960م . ولتكون أول خريطة عسكرية رفع عنها طابع السرية. وقد أكدت الصحيفة : ” أن تداعيات التجارب النووية التي قامت بها فرنسا في الصحراء الجزائرية امتدت إشعاعاتها النووية إلى غاية إفريقيا الغربية والجنوب الشرقي لإفريقيا الوسطى” ، وظهر جليا بالخريطة وقوع منطقة الجنوب الليبي فزان بوجه خاص تحت طائلة التأثر البالغ . الامتداد الطبيعي الصحراوي لمناطق التفجيرات حيث امتدت تداعياتها في ظرف 13 يوما بعد التفجير إلى كل المناطق المحيطة بدول الجوار .

واوضحت الصحيفة ان ” بعض أفراد الجيش الفرنسي اعترفوا بفقدان التجارب للمعايير الأمنية آنذاك ما تسبب في تلوث المياه والتربة وتفشي امراض غريبة ومزمنة وعاهات وتشوهات ، اذ ان المواد الضارة التي قذفتها التفجيرات بالهواء الجوي مثل اليود 131 والسيزيوم 137 والتي يستنشقها السكان، تبقى تاثيراتها جد ضارة مع مرور الوقت . بالرغم من تخفيف حدتها وتبعثرها بالغلاف الجوي . ونقلت الصحيفة عن الخبير الفرنسي برونو بيرلو المختص بالتجارب النووية ، قوله ” لا يمكن لأي أحد أن ينكر اليوم أن هذه المواد المشعة الضارة هي السبب الرئيسي للعديد من الأمراض السرطانية وأمراض القلب والشرايين بالمنطقة “.

الجدير بالذكر ان الكشف عن الخريطة المصنفة ” سري دفاع ” لم يأتي استجابة لمطالب اهل الصحراء المتضرر الاول ، ولا للمنظمات الحقوقية الراعية ببلدانهم ، بل في اطار التحقيق الجنائي استجابة لمطالب قدامى المحاربين الفرنسيين المتضررين .

هل نتوقع في ليبيا الجديدة من يهتم باعادة النظر وقياس مستوى الاشعاع بالجنوب وحصر الامراض المستوطنة وانواعها ؟ .. وهل من حق اهل فزان السؤال والمطالبة بالكشف عن الارشيف الفرنسي المؤرخ لفترة احتلال فرنسا لفزان ؟ لا نريد ان نذهب بعيدا او لعله قريبا ونقول انه من غير المستبعد طمر نفايات نووية او كيماوية بالمكان ، وقد بات يقينا ان المشروع النووي الفرنسي كان في جوهره امتداد للمشروع الاسرائيلي . وتجربة رقان سميت باليربوع الازرق تيمنا باللون الموشح للعلم الاسرائيلي . وقد بلغت طاقتها التفجيرية ثلاثة أضعاف قنبلة هيروشيما في اليابان عام 1945 م .. ننتظر .. فقد اضحت الحاجة ملحة اليوم لفتح الارشيف المتعلق بفترة احتلال فرنسا لاقليم فزان وتحرى ما حدث تحت طائلة سياسات الاغلاق والترهيب التي انتهجتها آن ذاك .
عابد .. 15 فبراير 2014.
عابد

10‏/02‏/2014

- المحاكمات لا تنهي الحروب



     لا يمكن إنهاء الحروب الأهلية باعتماد المحاكم والمحاكمات .. يميل المجتمع الدولي لإعطاء الأولوية للإصلاح السياسي، بدلا عن التركيز على تجريم مرتكبي العنف . وتمة اعتقاد بعدم كفاية المحاكمات باعتبارها ذات دوافع سياسية اكثرا ما تكون احكامها بمثابة رد فعل على العنف الجماعي المرتكب .والذي هو مسألة سياسية أكثر من مجرد كونه مسألة جنائية .

   من الأفضل في بعض الأحيان إرجاء او وقف المسؤولية الجنائية حتى تتم معالجة المشكلة السياسية الأساسية.. كما ان غياب الواقعية السياسية لتقبل افكار المصالحة ، ندير بتوالي الإخفاقات السياسية التي تهدد مستقبل البلد .
ما حدث في ليبيا ليس استثناء من القاعدة ، انتفاضة شعبية انتجت ثورة عنيفة ضد النظام في بلد يعد من بين الأماكن الأقل نموا على وجه الأرض، وبعد عقود من الصراع والإهمال ووهن الدولة والنظام او بالاحرى اللانظام . لكن الصراع منذ البداية افرز وجه الاقتتال القبلي ، وشكلت كتائب الثوار باسماء القبائل المنضوية على ابنائها . لتتخد مع الوقت طابع الحرب الاهلية .

     منذ نهاية الحرب الباردة تطلع العالم إلى محاكمات نورمبرغ ما بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج لإغلاق ملفات الصراع والحرب والعنف الفضيع . واسس لمحكمة الجنايات الدولية فيما بعد لتكون المنبر المفضل للمحاكمات الجنائية تأسيا بذاك الماضي العتيد ومعالجاته ، وبهدف ادماج اطراف الصراع في العملية السياسية . لكن تلك الاساليب المتوارثة افرزت مع مرور الزمن واقع مترهل ، بينما الجلوس على طاولة التفاوض المباشر بدلا من تجريم أو شيطنة الجانب الآخر ومغرياته ، انتج بيئات سياسية اكثر وفاقا وانسجاما . وهي عملية سياسية اجتماعية صعبة ومعقدة وتستلزم صبر ومراس طويل للقائمين عليها . اذ لا شك ان الحقد المتأصل في النفوس قد يدفع بفئات من الفرقاء الى الرفض ، بل وفي احيان اخرى ، العودة الى العنف وتأجيج المواقف الصدامية . كما حدث في جنوب افريقيا - على سبيل المثال – بعد حقبة مظلمة من الصراع والميز العنصري ، انتج الحوار ميلاد عصر جديد من الامن والاستقرار ، واضحى الاعتراف بالاخر وتساوي حقوق المواطنة اس الوفاق ، وقد اتخد شعار " الحقيقة والمصالحة " اسلوبا لتخفيف الاحتقان ، ومدخلا لاصدار العفو بالتزامن مع الاعتراف والاعتذار . ولم تخر عزائم القائمين والراعين للنهج المنغصات من مواقف رافضة ودامية وعثرات على الطريق . وتخلل العملية اغتيال زعيم الحزب الشيوعي، كريس هاني ، الذي يحضى بشعبية واسعة ، لكن النتيجة النهائية ، انتصر الوفاق السلمي والاندماج تحت مظلة نظام سياسي جديد يستوعب الجميع . وأصبح أعداء الأمس مجرد خصوم واجنحة لعملية سياسية واحدة .
لا يمكن للانقسامات السياسية ان تلتئم باعتماد نهج وحيد على غرار محاكمات " نورمبرغ " ، الضرورة تقتضي افق ارحب ، وعملية سياسية اجتماعية ناجمة عن اقتناع راسخ بامكانية تحقيق تعايش داخل الوطن الواحد ليس فيه منتصر وخاسر، وذلك وحده الخيار الكفيل بتمكين الناجين من الحرب لملمة جراحهم وجراح وطنهم ، وتدشين مرحلة جديدة ، وبدء المسير للامام ، ورمي مخلفات الماضي واحقاده .

     المحاكم غير مناسبة لتدشين نظام سياسي جديد معافى بعد الحروب الأهلية ، ويمكنها ان تأتي فقط في ظل النظام السياسي الجديد ، كأدة لمعاقبة امراء الحرب ، ومرتكبي الفضائع الفردية ، ولتستثني بيادق اللعبة المأمورين . تلك حقيقة ادركها الزعماء الافارقة في معالجاتهم للصراعات التي تقصم ظهر القارة .

     في المحاكمات الجنائية ، اما مذنب ، واما بريء . وفي غالب الاحيان المتهم مذنب والعقوبة تنتظره ، بدء من ابعاده عن المشاركة السياسية ، الى السجن لفترات قد تمتد بعمر الحياة . ذلك نوع من الاقتصاص الذي يشكل خطرا على الجانبين بالمدى الطويل . ففي الحروب الأهلية ، لا أحد بريء بالكامل ، كما لا احد مذنب بالكامل. والعنف الشديد نادرا ما يكون فعل مستقل. بل وفي أكثر الأحيان الضحايا والجناة يتناوبون الادوار في حلقة العنف ، الفعل ورد الفعل .
هل يمكننا تصور قبول البيئة السياسية في ليبيا لهكذا طروحات .. ام ان امر المصالحة الوطنية سيبقى معلقا الى ان حين عودة نخبة المتدربين على اسس ومبادىء المصالحة بدولة المغرب الشقيق .. رغم مضي اكثر من ثلاث سنوات على اعلان التحرير … ننتظر .

عابد 10فبراير 2014