11‏/07‏/2014

ايام في فزان


     
   قرية نائية بالجنوب الليبي  .. صحراء فزان ..  “الزيغن” .. فتحت عيني ..  الكون والحياة ..  الزيغن .. ولدت  .. واحة الجذور . في الصباح نذهب إلى المدرسة ..  المساء عادة .. رعي الماشية ..  الغنم  .. اطراف المزرعة القزمية .. طرف الواحة .. براح  ..  عشبة العقول ..  صحراوية  .
          مدرسة ابتدائية ..  خمس فصول ..  مؤسسة تعليمية ..  محضرة .. اطفال .. تحفيظ القرآن .. عن ظهر قلب .. وقت التحفيظ .. بعد صلاة الظهر  .. حتى يحين موعد العصر . . صيف ..  حرارة الجو .. قسوة الشمس الحارقة ..  عصبية المعلم “ الفقيه ”  .. تعكر مزاجه..  الحل .. عقاب جماعي .. ” الفلقة ” ..  حبل قصير ..  نصف دائرة .. طرفاه مشدودان إلى العصا. . اثنين من زملائك .. شد رجليه .. يشد رجليك .. الحبل ..  تدوير العصا ..  قوة .. ( زيد اكبس عليه )  إحكام القبضة .. يلزمك .. فرد رجليك .. بثبات .. تتهيأ أفضل لتلقي ضربات عصا الفقيه. . تتألم بما يكفي ثم تتعود… كنت أتلكأ في الذهاب .
          افضل الالواح ..  جدع شجرة زيتون ..  قوي .. املس الظهر .. سهل المحو .. خفيف النقلة .. الطين الابيض .. ممحاة ..  في حضرة الفقيه ..  تسميع .. عرض ..  " عرض على الفقيه .. اجازه  "  .. يؤذن لك .. محو ما خططت .. حفظت ..  قليل من الماء .. تدليك سطح اللوح .. مسح وسوم الكتابة القديمة .. يتوهج صدر اللوح بياضا ناصعا  .. برهة  ..  عرضة للشمس  .. استعداد للجلوس ثانية ..  في حضرة الفقيه .. املاء .. ايات قرآنية جديدة .. تلي ما كنا قد حفظنا عن ظهر قلب .. القرار للفقيه .
          الطين .. صمغ حبر الكتابة ..  القلم  ريشة ..  ادواتنا ..  مقلع الطين الابيض .. طرف الواحة ..  يلزمنا محو اللوح .. اعادة تهيئة .. صفحته الكتابة .. عيدان القصب ..  اقلامنا .. ريشة الكتابة ..  ترشيم .. وتلاميذ مبتدئين .. لم يجيدوا بعد كتابة الاحرف .. الكلمات  .. رأس قلم القصبة ..  كتب الفقيه على صدر اللوح الناصح .. بطريق الحفر في طبقة الطين .. تتبع بصمات خط الفقيه .. تعود على الكتابه .. الاملاء الشفهي .. مع الزمن .
         حبر الكتابة .. نصنعه بأيدينا ..  مهارات التلاميذ .. اتقان جودته .. نصاعة سواده ..  جمع الودح .. ما تبقى ..  روث الاغنام .. عالقا باصوافها ..  قليل من الماء..  يغلي .. لمدة طويلة .. اضف الماء  .. قطرات .. الاناء ..  مخلفات تنك .. كلما شح ماؤه .. ننتظر اكثر .. لحبر افضل .
          طوب رملي  .. منازل القرية ..  أحياؤها ..  شوارعها .. تتناغم  التفاصيل .. طمي البناء .. جذع نخلة .. اعمدة علوية .. ساندة ..  أغصان النخيل .. ضفيرة السقف .. سعف النخيل .. نشارة … صم الفتحات الصغيرة .. الطين المعجون .. خطوة أخيرة لإنجاز السقف.
            رفع جدران ..  لبنة .. لبنة ..  عمل دؤوب .. يستغرق ..  الطوب .. قالب " ..  طين معجون ..  كُبس .. جف .. قليل هم من يتخذون من الأحجار بديلاً   .. صعوبة تراصفها  .. تجهيزها ..  تهشيم .. تصغير حجمها ..  جلبها ..  مقاطع .. أراضي تتوافر .. محاجر .. اطراف القرية .
           مدخل باب .. جذوع نخلة ..  شرائح رصت ...  مشدودة بسير " ملخه " ..  جلد الابل ..  رباط ضامن ..   يجف .. يزداد توتيره  حده …  صلابة اكثر ..  " معراض " ..  ترباس القفل ..  سند الباب .. خرم الحائط .. " الظلاله " ..  الظل .. عائلة  .. مؤانسة نهارية ، " سقيفة الشارع " " سقيفة الطابونه " ..  الملجأ ..  دفء  وشتاء .. ليلة  شتوية  .. كبر نار الطابونة ..  جريد نخل .. حطب ضمران ..  رسو … لمة عائلة .. خراريف النوم .. الغول ..  الغوله .. ( ويا جميل تسلم عليك جميله ، وراي جميله في غرفه طويله ، يزازن بها لرياح لين تميل ، وكبر عزمك يا بن عمي ولا تكون هبيل ، راه القبر ما فيه كان راس ضحية ) .. رسالة ..  جميله .. ابن عمها .. جميل .. نهاية خرافة .. جميل وجميله . احبها .. شظف العيش .. رحل بعيدا .. الواحة .. طال غيابه ..  تزويجها للغير  .. سئم الانتظار ..  زواج ورحيل ..  بعيدا عن الواحه .. عاد جميل ..  بلهفة .. تسأل .. لقد ماتت جميله منذ زمن طويل ..  دلوه على قبرها ..  جلس عند شاهد القبر .. يشاكي نفسه والزمن ونوائب الدهر ..  سبع سنوات .. وصلها الخبر .. تألمت جميله .. لحاله .. ارسلت اليه وصيتها ..  بحث القبر .. على الفور  .. وجد رأس الضحية .. خروف  ..  ضحية ..  وقع مغشيا .. ومات .. ودفن بذات القبر الذي حفره بيده .
          وسط السقف .. فتحة التهوية …  ازداد تكاثف دخان الحطب .. استفز دموع العين  .. " غطت السقيفة "  ..  دف الوزره بالعصا يا ليد .. عصا طويلة … ( مدلي العصا ) .. ازاح  الغطاء .. جانبا .. اعاد الوزرة ..  بذات الطريقة فيما بعد ..  بالعصى .
        "  الحمادة " ساحة .. وسط البيت .. دون سقف .. " الكاودي " .. حجرة مسقوفة .. مدخل لحجرات .. سقيفة الخزين .. الثمر ..  الحبوب .. " الهري " .. " الرونش "  .. تقاطع اعواد جريد النخل  تتأرجح بالسقف ..  اطرافها الاربع .. اطباق ..  قدقود .. زرفونه ..  قفه .. " التبانة " ..  التبن  .. تخزين علف ..  الحيوان  .. بهيمة للتنقل .
        منجل .. محشه ..  محور وسم ابل .. اغنام  ..  حان الربيع .. يسم الناس اغنامهم .. يصدر الرعاة .. ارض الهاروج شمالا ..  ثلاثة اشهر كافية لامتلائها .. اعادة عافيتها .. الابل لا خوف عليها ..  تسرح بالخلاء .. تجوب ارض الله الواسعة .. شمالا بمئات .. تعود من تلقاء نفسها .. يوم ما .. حيثما ارتوت يوما ..  لابد لها ان تعود .. مهما بعدت الشقة والمسافة .
         " الباقول " .. ابريز الفخار .. المياه العذبة .. تبريدها ..  غطاء .. ليفة نخلة  .. منع الحشرات .. صفي الماء المسكوب .. " العمره " طبق سعف ..  مقعر بحدة ..  سطحه منفرج ..  صمت مساماته بالطين الابيض .. فصل الصيف .. اشتداد الحرارة .. الماء العذب البارد .. تسرب النضح ..  مسامات  ... " السيوه " المكان المناسب لوضع العمرة ..  ركن الحمادة .. عصا سميكة مثبتة بالحوائط ..  نقطة تقاطعها ..  رافد وضع العمرة .. وغيرها من المقتنيات الخفيفة .. بعيدا عن متناول الاطفال .
      " قعر البيت " .. الجانب الاخر ..  مطبخ ..  تنور الخبز .. " فتات " ..  خبز مخمر  .. حامض تمر منقوع " .. " الدوايات "..  توازن القدر على النار .. مساحة للاشتعال تحته  ..  ركن الحطب الجاهز .. البئر عمقها مترين .. استخدام منزلي فقط ..  المياه العذبة لها ابار .. عامة .. حول الواحة .. كم هي مرهقة عملية جلب المياه من هناك .. مهمة الاطفال والنساء . الابار عميقة  ..  كثيرا ما وقع اطفال .. غرق بالبئر .. اثناء وردهم ..  ثقل الدلو ..  انزلاق الاحجار الملساء .. حافة  البئر .. ريط ..  في احيان يقع الدلو .. سهوا .. انقطاع الحبل الملتلت ..  دائما ثمة " عوتقه " ..  مشدات اشبه بسنارة الصيد ..  حبل يترصد مكان وقوع الدلو .. يسحبه  .
        زريبة الغنم .. " شيعة السعي " ..  البهيمة ..  الفرس ..  انقاذ قادمين .. اضنى العطش سيرهم .. حاجة لملاقاتهم  ..   الفرس .. ماتت .. قبل ان اتعود ركوبها ..  فقد والدي بصره .. وقعت اسنانها ..  امتنعت عن الاكل .. ماتت كمدا .. غاب عنها .. الاعتناء .. محدود الحركة .. وحيدا .. والدي رحمه الله .. 1889.. 1 / 5 / 1980م .. اعضاء فزان .. جمعية الستين الوطنية التأسيسية .


         المرأة .. مهام عديدة .. عسيرة مجهدة ..  القيام مبكرا .. الذهاب للغابة .. جلب الحطب .. الثمر .. علف الحيوان .. البلح الاصفر ..   " الغمق " .. يتساقط تلقائيا ..  النخلة لا يزال ثمرها اخضر اللون .. لم يبلغ النضج . " الغمق " شهي الطعم ..  النساء والاطفال يترصدون مواسمه .. مع كل نوه وارتفاع مفاجيء للحرارة ..  العادة تتكرر مرتين " رمية الجوزه " .. " رمية الثريا " .. الاكثر دررا .. قبل ان يسري النضج بالثمار .. تنتهي فترة المشاعية   " .. النخل برحوا عليه ..  محجور " .. نادي منادي .. طاف الشوارع ..  الداني يعلم القاصي ..  " النخل محجور " ..  ختمت الثمرة .. 11 شهر الصيف .. وسم حلقة  ..  خلف النواة .. اعلان تشكلها .. لا يجيز لأحد الاقتراب .. نخلة الاخر .. لا جني الغمق ..  لا  جني حطب .. ينجم عنه لوس الثمر وفساده .. ارسم خطوط على الرمل .. حوط النخلة .. نخلة مخططه .. لا يرغب صاحبها الاقتراب منها .. معرفة اثر الاقدام .. صاحبها .. كثيرون بالواحة ممن تمتعوا بحاسة الفراسة .. يتعرفون صاحب الاثر .. شخصه ..  والعائلة   ..  لكل شخص طريقته في المشي ..  بصمة ..  كل عائلة .. قواسم تجمعهم .
       الاغنام ..  حلبها  .. علفها .. الجديان التي ولدت مؤخرا .. طور الانجاب ..  خروف اضحية .. عيد الاضحى ..  عناية اكبر ..  تربى تحت نظرها .. بالبيت .. تهرس " النوى " ..  نواة الثمر الجافة ..  نقعها بالماء ليلة ..  تفقد صلابتها .. سهل تهشيمها  .. دق بحجر .. مدور " درهوبة " .. حجر بحجر .. حجرة مستطيلة ..  انحناءة ..  حفرة دائرية  .. حشر حبات النوى  وسط  .. " الحوطه " .. كعكة دائرية من خيوط الكتان .. الصوف العادم . .. للأضحية النوى افضل الاعلاف ..  " الدرور " منه ..  سحقه جيدا ..  مسحوق بودرة ..  تخفيف التهابات جلد الاطفال الرضع .. المواليد الجدد .
     
                   

        " المسدة " .. صناعة الجرد ..  نسج الاغطية ..  " برنوس " للفتيات .. تمضي الام والجدة .. وقتا طويلا وراء اعمدة المسده .. جرد ..  بطانية .. الاكثر الحاحا .. اعدادات اولية .. جمع الصوف .. غسله .. غزله  ..  "الكرداش " ، .. خيوط " المغزل " ..  نصب المسدة .. ربط الغزل ..  وبين الحين والاخر توقف ..  أمر طاري  .. يستوجب اداء مهمة .. اعادة ترتيب .. ربط  خيوط .. تقطعت بصدمة " الخلاله " .. رصع النسيج .. تصفيفه .
        مخض الحليب .. " الشكوة " .. جلد ماعز مدبوغ .. ربط  فتحات الادرع .. الارجل الخلفية ..  فتحة الرقبة فقط ..  يسكب الحليب بعد مخضه جيدا ..  مجرد التنفيس بإحكام اليد .. يتسرب الحليب .. يحجز الزبد ..  يجمع الزبد ..  كور ..  تسخين وسمن .. سمن بلدي ذو نكهة فريدة ومذاق لذيذ للطبخ .
        الرحى .. طحن الحبوب ..  القمح .. الشعير .. الدره .. قرصين مستديرين من الجبس .. مرصع بالحجر المستوي باطنه ..  القرص الاسفل ثابت بالارض ..  حوض الطحين ..  القرص الاعلى يداور قلب الرحى .. عود من الخشب الصلب .. يكفل توازن الاستدارة  .. نثر الطحين ..   مشد التدوير " الشظ " ..  خشب صلب ..  فتحات قلب الرحى .. حفنة  حب ..  بين فكي قرصين حجريين ..  دقيق ينساب على الاطراف .. حدود التقاء القرصين .. .. النساء .. السهر ليلا .. تفرغ .. مهمة طحن ..  تدور الرحى .. غناوي علم .. شكوى .. انين .. طقات فردات الرحى في الليل ... وين القمر فوق المقادم صبا .. صحا اللي جرحه نقض في الليل .. يفهم غنا مولاتها صبا .. تمت تنادي في اولاف اقدم .. وتنده على اللي ما يشيلو هم  .. وتمت تشاكي في الرحى .. وعاد الرحى تشكي  .. لين حان ميعاد الصلاة .. تشكي وهي تشكي  .
    المدرسة .. حدود اسوارها  ..   رقابة  .. اوقات اللعب .. يهرع التلاميذ للاختباء .. المدرس يعبر المكان ..  بؤس الحظ ..  يأتي التلميذ الى الفصل ولم يكمل واجباته المدرسية .. وأكثر من هذا ..  المدرس لاحظ انغماسه باللعب .. بالأمس .. الفترة المسائية  .. عقوبة .
   كل شيء ..مجاني بالمدرسة ..  الكتاب ..  الكراسة .. علب التلوين والرسم ..  ريشة الكتابة .. الحبر .. بداية اليوم الدراسي .. بعد الاستراحة .. يعود المشرف لتفحص المحابر ..  كل مقعد ..  تلميذان ..  ..  اناء خزفي صغير ..  فتحة اعلاه ..  ولوج ريشة الكتابة ..  خرم طاولة المقعد .. المحبرة .. واجهة المقعد .. حذاري .. غمس الريشة بالمحبرة دون ان تنفض زوائد الحبر عنها قبل  نسخها الورقة .. اكثر  ما لطخنا الكراسي ..   ملابسنا  .. كراسات الكتابة .
  "      البشماط " خبز جاف ..  ادارة التغذية المدرسية .. وزارة المعارف .. تلاميذ المدارس بالمناطق النائية .. لا وجود للمخابز العامة .. قليل من لحم سمك التونة المعلب .. الحلوى الشامية .. افطار التلميذ..  ساعة الاستراحة .. مرتين بالاسبوع .. تأتي سيارة الخبز .. من سبها .
        تأبير النخيل .. مهمة صعبة للغاية ..  تبادل شماريخ تابير .. مجانا .. لقاح ذكر النخل .. وخز الاشواك .. لا مفر منه .. انت تحاول بلوغ قلب النخلة .. وضع اللقاح مباشرة وسط اكليل الطلع ..  لا تكفي زيارة واحدة .. فما كل الطلع يعلن عن نفسه في وقت واحد ..  تتفاوت مدده .. طوال شهر كامل ..  " ضمي النخلة " يستدعي اربع زيارات  .. موعد .. اعادة تأبيرها ..  مضى اسبوع عن الزيارة السابقة  .
      ارق الساكنة .. خوف على الاطفال ..  لدغ العقارب .. ما ان تغرب شمس النهار ..  كل حركة محفوفة بالمخاطر ..  العقارب تخرج من جحورها  .. ما ان تشعر قرب انسان .. الهجوم والاختفاء السريع ..  قد تراودك في ثنايا الفراش .. الشارع .. كل الانحاء .. العقارب تترصد .. الناس يدركون خطرها .. الالم يستمر الى ثلاثة ايام .. يسرق النوم ..  عند المغيب تهم الامهات  " بالتفوير " .. اشعال زربة  نخلة ..  طواف انحاء البيت .. خلوها ..  تهيؤ للمبيت ..  لدغ بالقدم .. على عجل .. ربط اعلى الساق بإحكام ..  الذراع .. الاصبع .. المعصم .. ربط الزند .. مشرط .. ( شخت اللدغة ) ..  بفمه يمتص الدم المسموم .  الحاضر لحظة الاصابة ..  غير ذلك .. " عزومة " ..  انجع الطرق لتخفيف الالم ..  فقيه .. يقراء تعاويذ ( وقف سمها ) ..  انحصر الالم  .. محيط نقطة اللدغ .. الناس تتحسس تقلبات الطقس .. تتحسس الخطر ..  " ريح عقارب " .. هبت نسمة ساخنة اوآن غياب الشفق صيفا  .
     قبلي .. صهيده حامية .. ( الريح ريح عقارب  .. هاجمة العقارب امس .. صكتهم عقارب ) .. نجوت منها كثيرا   .. لدغات محدودة  .. عقارب صغيرة .. مصل طبيعي  ..  عقرب صغير ..  تذر عليها الام من لبنها .. يترك وشأنه  .. اخوة بالرضاعة .. رضع والعقرب .. حليب الام لا يغدر .. قطوس في كل بيت .. العقرب الي تفور .. يفور عليها  .. القطوس مرابط .. يقولك .. ( سبحان من ضرب الهر ورفع ايده سالمة .. سبحان الله ..) .
  خطر الافاعي ..  اكثر شراسة ..  الافعى ليست عدوانية .. قلما تهاجم .. ترد الاعتداء ..  دفاعا عن النفس ..  اصاباتها قليلة .. نادرة الوقوع .. تهدد الحياة .
      الخطر الاشرس  .. " النمنم " .. مرض الحصبى المعدي ..  ما ان يدخل منزل يصاب به كل الاطفال الذين لم يسبق لهم ان نجو منه ، وما ان يدخل القرية من باب .. يخرج من الباب الاخر .. وقد طاف كل البيوت .. العدوى تنتقل تلقائيا .. لا يعرف الناس سبب .. الاحتياط في زيارة بيت يعاني اطفاله الاصابة ..  حجزهم الاطفال .. غرفة خاصة ..  تعقيم .. بخور الوشق والمقدونس الجاف .. في موسمه .. مع اطلالة كل صباح نواح ..  طفل توفي ..  " غفس فيه النمنم " .. اصابته الحمى .. لم تنفر على سطح الجلد ..  احمرار الجلد .. تكسوه حبيبات رقيقة قريبة من بعضها البعض ..  نفر .. خرج على السطح ..  تتفأل الاسرة بنجاة الطفل ..  طفل عد ضمن الاحياء ..  يتجاوز المنتظر ذات يوم .. النمنمم .. حزنت خالتي حزنا شديد يوم ان خطف المرض اطفالها الاثنين ، كانوا صغار جدا وليس لها سواهم ، في سن الرابعة والخامسة ، توفي الاكبر ، وفي اليوم التالي لحقت به شقيقته ، كنت قريبا من المشهد ..  تألمت لحالها ولفقدهم .. كنت اطرب للعب معهم ..  عندما اشتد بها الحزن تولت امي معاودتها ، قليل من حبوب الحلبة المسحونه ، تلعق جافة .. سف الحلبة .. يخفف من وطأة الحزن .. وهول الفاجعة .. وكلما التهم اليأس حلم وأمل ، كما فقد عزيز .
    حكايات مخزوم .. ايمدس على رجلية .. شاد الطريق ..  اشر بيده لواحد طلياني فايت .. سيارة ترنتا كواتروا .. ركب القابينه  .. كمه لفلفه الباب ..  لا عرف كيف يفتح الباب .. لغة يكلم الطلياني .. يتململ .. الطلياني حار فيه .. صرخ في وجهه : كوزتشي .. خير مصيبتك )  
-        صرخ في وجهه هو الاخر : كمي تلفلفي .

     شركة ساسكو .. شركات النفط .. خدمت مع شركة .. يوم يسرحوك .. اطلب .. شهادة حسن سيرة وسلوك .. تجي شركة اخرى .. قدمها تنفعك .. طلب الشهادة .. فلان .. عمل معنا تاريخ كذا .. الى كذا .. وفصل لأنه سرق .. سمع بشركة اخرى .. دخل على المدير .. قدم الطلب ..  الشهادة .. صمت المدير قليلا  .. خزر اليه بارتياب .. صرخ في وجهه ..( واي بيا .. كليفتو  .. اوانتي )  .. خارج .
     قصر الزكاخ .. الزمن القديم ..  تبة .. كومة تراب اصفر .. تحدي الاغنياء .. يفاخر بماله .. سأبني قصر على هذه التبة  .. لن احتاج ماء .. بول إبلي .. جمالي فقط .. سيد قصر خريبة .. بناه بشوش الورد .. تحدي تبة مناظرة .. ( ليا قريب .. تلقى بين القالبة والقالبة .. شوش ورد.. يقولوا : حتى فيه كنز .. لا احد عرف طريقه  .. حاول كثيرون .. فيه واحد وصل مراحل متقدمة .. قرب .. قرب .. لكن غلطه .. صفعه الجان على وجهه .. شلقمله سيمته .. يمشي وجه ملوي ) .
     خطم على النجع .. رحبوا بيه .. ( بالله شن حال بنت عمي معاك ) .. من بدايتها .. سؤال الضيف ثالث يوم .. همز الولية .. ضيف من عربكم .. اكرمي ضيافته .. بن عمك على كلامه .. ما عرفته .. رمقته خلف الرواق .. غاب عنها .. نجوع .. شحط المزار .. عرب منقطعة عن بعضها .. ثالث يوم .. نهض يرحل .. نطقت الولية .. بن عمي .. راني ما عرفتك ؟  ..:  ( من يادم جاي .. يا بنت عمي ).. كلنا بني ادم .. اولاد عمومة .
     كيل تمر .. كل ما يملك طعام  ..  اشتراه بالأمس .. ليلا .. في الصباح .. الثمر .. سوس .. دود .. الدودة من عوده .. شريتك في الليل .. ناكلك في الليل .
      ثمر المطامير بدأ ينفذ .. التمر الحايل .. هري العجين .. تمر العام الجديد .. قريب اطيح العينة .. بلعيد ..  كيل تمر خداه بالغلأ والكوى .. كيل ثمر ثمنه بوطيره .. وفوقها .. بيني وبينك .. ما عندي للبيع .. لا ريتني .. لا ريتك .. بلعيد .. كيل تمر على كتفه .. يطوف الازقة .. يزنف ويبرح : ( الكيل بو طيره واسكت يا بلعيد ) .
           "  القطاع " .. جني ثمر النخيل .. مهرجان عائلي ..  التقاط الثمار من على الارض ..  تخليصها من شماريخ العراجين ..  للجميع نصيب  .. وخز الاشواك .. مخاطر عدة  ..  تسلق جدع النخلة ، وخز حراشف الجدع ..  الخشية من الوقوع ..  الجهد المضني في سحب  العراجين .. قطعها بالمنجل .. الطريقة الانسب للمتعودين على تسلق النخيل .. التسلق بالحبل ..  ربط الحبل حول الخاصرة ..  جسد القطاع .. جدع النخلة .. يؤمن وقوعه ..  عندما اصبحت يافعا .. عمر الثالثة عشر اضررت للقيام بالمهمة .. لم يكن بوسعي استخدام الحبل .. تلك مهمة اصعب ..  اتسلق النخلة .. بحوزتي محشة صغيرة ..  اصل الى اول منابت الطلع الاخضر ..  قطع عدد من الاغصان ..  افتح شارع  .. الولوج وسطها .. التمترس على اغصانها الخضراء ..  الامان ..  لا امان في الاغصان التي طواها اليباس  .. لا تسل كم هي وخز الاشواك  .. ما اذا كانت النخلة فارعة الطول ..  وما اذا كان الجو عاصف ..  ذات مرة اصر اخي الاكبر عبسي .. مقارعة نخلة يزيد ارتفاعها عن 30 مترا .. تبة غرد رمل .. طولها فرض على المجموع الخضري العودة  مرة اخرى نحو الاسفل .. احدودبت .. مهجورة ..  تمكن من ذلك ..  العام التالي .. لما لا  اقوم انا ايضا بالمهمة .. مثله ..  استغرق صعودها حوالي الثلث ساعة ..  اختيار يوم مناسب .. الاجواء هادئة .. إلا انني وجدت نفسي اسبح معها من اقصى اليمين الى اقصى الشمال ..  كان اخي يقول دائما لا تنظر للأسفل ..  لكني لم احرم نفسي من التطلع لذلك الامتداد الصحراوي المترامي الاطراف ..  جلست اعلاها .. وتقت بها .. مرجحتني .. تولد شعور مختلف ، مزاجه الرهبة والسرور .
       لا احد يمتلك سيارة .. ترقبها .. ترصد .. سيارة عابرة للطريق العام ..  البديل للسفر .. استخدام الدواب .. مشيا على الاقدام .. حافلة " كوريرا " من طرابلس الى فزان تمر على مقربة من الواحة ..  10 كم متر .. قبل موعد وصولها المعتاد يجد من يرغب بالسفر ..  ينتظر لسعات .. فرصة .. مرة تقف .. وفي معظم الاحيان .. لا امكنة  شاغرة .
        لا اصوات مدوية .. هدوء متماهي ..  لا هدير .. اصوات محركات السيارات ..  محركات الكهرباء .. الناس .. " الفنار " . فنار الكيروسين ..  فتيلة الزيت  .. الكبريت .. الزناد ..  مثلث من القصدير مفتوح وسطه ، يصدم بحجر ، يحدث شرر يشعل  قشة قصب اقترن قربها بقدح الزناد ..  " البريكية " القداحة . نقط من البنزين تمتصها قطعة من القطن تنتهي بفتيل يشتعل لمجرد احداث حلقة التدوير .. شرر الاحتكاك بـ " الحجرة " .. جف البنزين .. يعاد ريه ..  تأكل الحجر يوضع مكانه اخر .
       عمي " بشير " صاحب احدى الحوانيت الاربع بالقرية ..  دكاكين ..  يسافر الى طرابلس .. تبضع مرتين في العام ..  رفقة تجار الواحة .. فزان ، يشترك الجميع بإيجار سيارة نقل بضائع " داف  ".. يبيع البالونات الهوائية ..  نغرم بها   .. ما يميزه ..  يقبل البيع بالمقايضة .. علبة طماطم فارغة .. مملوءة بنوى التمر .. كافية لاستبدالها ببالونه ..  رجل طيب .. يتق بالجميع .. من على بعد يقول : ( ارمي النوى هناك .. المكان المخصص ويناوله بالونه .. كثيرا ما استغل بعضنا الفرصة .. في مرتع الحيوانات والبهائم اقتفاء النوى .. القرامد ..  ندرة النوى يضع كومة ورق داخل العلبة ..  اعلاها قليل من النوى ..  يراها عمي بشير عن بعد .. يعتقد انها مملوءة .. يمنح الطفل بالونه بربع ثمنها .
              الجري .. الرياضة المفضلة .. حفاة .. الأرض طينية حجرية .. لا معرفة بكرة القدم ، ولا بالكرة الطائرة ..  في المأثور ..  فائدة دم ديدان الإبل " القراد "  ..  زيادة مهارة..  " دلم" ..  " ذمل" .. مراح الإبل على مقربة منا ..  طراف الواحة ..   مراتعها ..  ننزع عنها تلك الديدان المتطفلة .. المزعجة ..  أطفال  صغار .. تآلفنا معها حتى بات قدومنا مرحباً به ..  فنحن الأصدقاء الذين قدموا لتخليصها مما يزعج وحدتها وسكونها ..   حشرة القراد الصغيرة الحجم .. المؤذية .. والقادرة على التكور ليتضاعف حجمها أكثر من عشرة أضعاف حجمها الطبيعي ..  كتلة من دم ..  بمجرد هرس رأسها .. باطن الرجل ..  تنفجر دماً أسوداً قاني .. نلطخ قاع أرجلنا .. نجرب من جديد .. إن كان ذلك أثر فعلاً .. وزاد من سرعتنا في العدو… وبقية الزملاء يقدرون .
       آبار عدة مبعثرة حول ووسط شوارعها .. عمق البئر من 3 إلى 5 أمتار في ..  ..  في مواضع الغابة .. ابحث بيدك مسافة ذراع  .. ترتوي ....  الذئب في العادة ..  المكتشف .. ومن قام بمهمة الحفر ..  تقف لترى الماء يتفجر في بقعة صغيرة وسط كثبان رمال سافية ..  يمد إليك بيسر ..  براح قاحل لم تقوى على معاندة ظروفه المناخية .. شمسه اللاهبة .. أرضه العطشى .. أشجار الطلح والنخيل .
   إن السفر من خلالك شر لا يقطعه إلا السير .. هكذا يقول المثل الذي يردده أهل الصحراء في مناجاتهم لها  .
      الزيغن ..  إحدى واحات فزان ، تتموضّع في أحضان الصحراء .. الطرف الشمالي لوادي البوانيس ..  مناطق سبها ، سمنو ، تمنهنت إلى الجنوب ..  نقطة التقاء القوافل العابرة للصحراء .. من الشمال إلى الجنوب .. من الجنوب إلى الشمال .. تتوسط المسافة بين وديان الشاطي ومرزق .. عن زويلة .. تمسة ، اللتان تمثلان الطرف الشمالي لوادي مرزق ..  130 كم  .. مناطق أشكده .. قيره .. براك ..  الطرف الشرقي لوادي الشاطئ  50 كم . مدينة سبها حاضرة الإقليم إلى الجنوب .. 75 كم ..  شمالا .. واحة الجفرة شمالا ..  300 كم ..    واحة “أم العبيد”..  20 كم ..  طريق ترابي .. خلوة متوارية. . عين ماء ارتوازية بنى الفرنسيون جوارها حامية صغيرة .. ما تبقى من هيئتها الأولى .
       واحة الفقها شمال شرق .. 130 كم .. وقد منحتها حالة التواصل مع كل هذه المناطق المترامية اشبه ما يكون  بـ "  بوابة الصحراء " ..  بداية الطريق إلى الجنوب ..  فزان .. بلاد السودان (أفريقيا السمراء ) .
         القرية تتوسط غابات النخيل التي تنتشر على مساحات شاسعة وممتدة الى مئات السنين .. شكل التمر إلى جانب الحبوب الغذاء الرئيسي والطابع المميز للنشاط الاقتصادي .. الرعي تيسر مهمته توافر الكلأ من عشب العقول والضمران التي تغطي هي مساحات مناسبة للرعي ، وإن لم تكن تثني الأهالي عن التوجه شمالاً نحو مناطق سرت والهاروج في حالات الندرة ، لنفس المهمة ، ولمهمة المقايضة بمنتجات تلك المناطق.
      بين الصخور والكتل الجبلية ذات اللون الأسود الغالب ، والتي تهدي لك بين الحين والأخر تحفة من المتحجرات النباتية أو الحيوانية ، وبين الكثبان الرملية التي هي أشبه بالأمواج وقد توقفت في بحر الرمال ، ترى همساً يؤيد الفرضية القائلة بأن رمل الصحراء من إنتاج البحر . ومهما كان أكيداً أن الماء قد أوجد الكثبان في الصحراء ، فإنه اكيدا ايضا أن الرياح هي التي منحتها شكلها الخارجي ومنحتها لقبها عرق – سيف – خشم .
      بين هذا وذاك ..  حيث لا يبقى لك إلا الصوت البعيد للأشياء غير المحدودة ، تقف شجرة النخيل .. هبة الطبيعة للحياة في الصحراء .. تصارع قسوة الطبيعة .. ترسم دورة التناغم بين الحياة والموت ..  لوحة ربانية رائعة الجمال ، يملؤها الوفاق والتنافر ..  اللون الأخضر لون الأمل والحياة  في طلع النخيل يداعب كثبان الرمال ، و قفر الماء.
      لا تزال ماثلة تلك الأكوام الصغيرة من الصخور التي رسمتها جحافل " غرستياني " على صدر صحراء فزان وهي تقتفي المسالك في أثر خفاف الجمال ..  ولا تزال الصحراء تردد بكائيته الشهيرة " إن لك سحر الأشياء الخفية التي إن قبضت لا ترحم " .. ولا تزال الصحراء تبعث برسالاتها لأولئك الذين تتملكهم الرغبة لأن ينعموا من الصحراء بتلك الخلوة التي تحرر الذاكرة من ضغط الشعور بأشياء العالم ..  فلا شيء أكثر وقعاً في النفس من ذلك الصمت الذي يغلف الصحراء ..  حقاً .. إذا كانت الدهشة أول المعرفة فالصحراء الدهشة بعينها .
        اصحو مبكرا ، اتوجه الى المزرعة القزمية طرف الواحة ، اطلق سراح الاغنام من الزريبة ، احمل في يدي عصا .. اهش عليها .. عشب العقول .. بواقي الحصيد ..  الكلا والمرعى .. ما ان الحظ انهماك الشياه وانسجامها بالرعى في هدوء .. انحو جانبا .. عند جدع نخلة وارفة الظلال ..  اتكي وارقب حراك القطيع الصغير ..  عشرون شاة ..  تسرح الحملان والجديان .. اداعب عصاي .. اصغي لشقشقة الطيور ..  اتأمل الفراغ الابدي .. الغموض خلف الافق الصحراوي المتجهم .. انشد ترنيمة مصحوبة بإيقاع طرق العصا ، وانفاس جنوبية  .. يسبح الدهن في الفضاء متأملا نور الشمس ووهجها الحارق وقد بدأ يشتد ، احدق بالأفق كالغارق في حلم ، اغرز عصاي في التربة .. التقف حجر ارمي به تلك الشاة المخادعة قبل ان تجفل بعيدا .. اعمل بسأم .. وما عسى طفل في عمر التاسعة لا شيء يؤنس وحدته سوى شياه بائسة وبراري مقفرة ان يفعل .
     يقال في الاثر " الجلب اذا تبيه يجفل اطلق فيه جدي " .. تلك اولى معاطب الانسجام بالقطيع ..  يقال صدق المثل بالسياسة ايضا .. الحاكم الذي لا يهنأ له بال .. يظل يركض .. هنا وهناك ..  حروب .. قفزات مهلكة للحرث والنسل ، مرهقة لشعبه ومستقبله ، وذاك حال الجديان الصغيرة بالذات ، لا تهدأ ابدا ، تظل تركض وتعدو محدثة هرجا وفزع يوهم الشياه بالخطر ، تجفل على غير غرة .. كل في اتجاه مغاير .. مهمة رعى الاغنام في غياب الكلب ” السلوقي ” مهمة عسيرة .. في وجوده يكفي ان تراقب عن بعد ، او ان توميء له برمي حجر بالاتجاه ، ستجده هرع على الفور لردع القطيع بالكامل .. مهما كثر عدده .. بل وانك تلحظ مدى استمتاعه بأداء المهمة .
     اسرح ببصري بعيدا .. في الصيف اخشى ضربة شمس مع اشتداد الحرارة اللافحة والمناخ المتطرف ..  في الشتاء لسعة برد الصحراء القارص .. ولملء الفراغ وقت انتظار انبعاث الشبع في الشياه ..  اهم بصيد الطيور بالمنداف ، وفي احيان الجراد .. الجندب .. كل ما تجود به الحياة البرية .
     الصحراء كالبحر .. كل ما تجود به من كائنات غداء .. الجراد البري ما يميزه انه سريع الشواء .. بمجرد ان تضعه بالنار تحترق الاجنحة ويحمر لونه ويجف .. في اكله قرمشة وطعم لذيذ .
      الجندب .. الغروب الصيفي .. يخرج امام حفرة اختباءه .. يصفر .. يزغرد .. ناتي من خلفه .. نسد عنه طريق الرجعة .. يقفز للامام ..  نقبض عليه في الحال .. نلف رقبته .. نفصل الراس بطريقة السحب لتلحق به الامعاء .. نقلم اجنحته .. نضعه على نار خفيفة ( جريدة نخيل ) .. نتعشى باعداد وفيرة تشبع وتمتع .. ما كنت اطيقه إلا نادرا .
       افضل الغياص .. حوت الرمال ..  سمكة الرمل .. السحالي الصحراوية .. ذهبي اللون .. ناعم الملمس .. يتميز بالقدرة على الغوص بالرمل .. سرعة الاختباء ..  حال رؤية مكان اختبائه .. الحفر 30 سم تحت الرمل .. تجده .. ما لم تكن الرمال ناعمة جدا .. اشهى المشويات .. هيئته اشبه بضب صغير .. طعمه لذيذ .. قريب من طعم الجراد المشوي .. لكنه الالذ .
           .. مزرعة قزمية .. فترة الضحى .. عطلة صيفية .. 12 عام ..  بوزيد يهوى صيد الذئاب ..  الذئاب  تؤرق الساكنة ..  تسرق اغنامهم .. تعبث بمزروعاتهم  ..  لا  تترك فرصة للإغارة تمر بلا غنيمة ..  شاة ضان .. معزة .. في احيان تأتي على القطيع برمته .. الذئب يظفر بواحدة .. يترك الباقي لليوم التالي ..  يأتي الفلاح .. يرمي جيف اغنامه طرف المزرعة ..  يقتات الذئب على مكث .
         بينما كنا نداعب ذئب قنصيص حبيس عنده ..  قدم جاره المزارع  .. يطلبه بناء حبائل للذئاب .. يوم امس .. الان القنيص وقع في الفخ ..  سحب الحبيلة والثقل ..  مر بها صعود ..نزول .. شجرة اثل .. تخليص رجله .. قطعها .. دون جدوى  .. انتهت مناورته ..  في جحر مهجور .. تخفيه جدوع شجرة اثل .. نظر الى الجحر .. عرف اتجاه الذئب ..  ادخل يده .. تتبع سلسلة ظهره .. قبض على رقبته .. سحبه للخارج ..  لوى حبل متين حول فمه وأنيابه ، ضربه بالعصى ، توقف عن المقاومة ، هدل  ادناه للاسفل ، .. استسلم  .
      ذبحنا الذئب ..  اقمنا وليمة شواء رائعة .. لحم الذئاب لا يأكله الساكنة شهوة ، في حدود الاعتقاد بفائدته العلاجية ..  لكننا اكلنا بنهم .. اللحم لذيذ .
    الواحة المجهولة المفقودة .. البقعة الصغيرة المنيعة الضائعة في هذه الصحراء الفسيحة القاسية الجافة القاحلة .. منظرا بديعا امتزجت فيه ظلال النخيل بلون الرمال .. هناك بسم لي وجه الحياة ، وانبسط امامي المجهول المملوء اسرار وسحرا.. طفل صغير تنتظره اعباء ومشاق الحياة .. حياة اهل الصحراء .. مكابدة طقس ..جغرافيا المكان .. عزلته .. السير حفاة في الهجير .. صهيد الرمل .. يواسيه سكون الليل .. سحر ضوء القمر .. التسلي برفقة النجوم .. صعود الجبال .. تراصف اجمات النخيل .. حجارة متناثرة توالت عليها سافيات الرمال .. براري ممتدة توشحها اعشاب الصحراء .. وبين هذا وذاك ما هاج بالخيال وسما بالارواح  ..  الصحراء العارية .. الحد الفاصل بين الحياة والموت .. النجاة .. الهلاك .. كثيرا ما يكون دقيقا جدا .
     رحلة مدرسية .. آخر العام .. ام الكرمه .. مرزعة 2 كم ..  مر طابور التلاميذ .. زغردت النساء .. اشتد الحماس .. تعالت الاصوات :
 يا بلادي بجهادي وجلادي     ادفعي كيد الأعادي، والعوادي
واسلمي
اسلمي طول المدى            إننا نحن الفداء
ليبيا ليبيا ليبيا
 حماة الحمى يا حماة الحمى           هلموا هلموا لمجد الزمــن
لقد صرخت في عروقنا الدما          نموت نموت ويحيا الوطن
  سبعة تلاميذ ..  فرقة ..  براح المزرعة .. ظل اثله .. نخله .. مرح ..
عودة المساء .. زغاريد نساء .   

      دجاجة كارطه .. تكاكي .. صياح الديكة .. عواء الكلاب  .. شقشقة الطيور .. اصوات الطبيعة .. تحكي .. لغة الصباح .
     الصف السادس الابتدائي .. كسمان .. مدرس لغة انجليزية .. امريكي .. الصف الخامس .. 20 تلميذ  ..   مونتسكل .. يوم الزيغن .. يوم سمنو .
            صيف عام 1969 ..  خالي يتأهب قضاء 18 شهر .. التجنيد الاجباري ..  موعد التحاقهم الاثنين ..  اول سبتمبر ..  توقف كل شيء في ذلك اليوم .. اعلن خبر الانقلاب ..  الناس تتابع اذاعة لندن ..  نشرة الظهيرة " هنا لندن " .. الاذاعة الليبية بالكاد .. التقاط موجاتها .. قليل هم من يمتلكون جهاز راديو ..  ترى الخيلاء في خطوات من يتمشى وبيده راديو ..  يقلب جهاز النضيدة الثابتة ..  في كل الاتجاهات .. موجة صوتية ..  اذاعة الجزائر يمكن التقاطها اخر الليل ..  ( ليلة امس صافية عندي الجزائر .. سهرت معاها لين صكرت.. امس جايبين برنامج عن ايام احتلال فرانصا ) ..  ( صوت العرب من القاهرة ) .. قال عبدالناصر .. شبر شبرا .. وترقب خطاباته .. صوت العرب ، هنا لندن .. الافضل استماعا .. حديث الناس والميعاد .
     ارقب الذهاب الى سبها .. بلهفة ..  اتممت المرحلة الابتدائية ، شقيقي الاكبر ورفيقي في اللعب والطفولة ، منذ سنتين هناك .. غيابه عني لسنتين ، ندرة المواصلات .. الطريق رثة ..  اجرة ( 50 قرش ) .. جنيه ماشي جاي .. تسعيرة ثابتة .. نجلس القرفصاء جماعات طلبة ، موظفين .. سيارة بيجو .. لا ندروفر .. ، الصندوق الخلفي .. خد مكانك ..  براميل نفط 200 لتر.. غمغم على نفسك بالبطانية .. قسوة الشتاء .. المناخ القاري المتطرف .. اندفاع الصقيع ..  سرعة السيارة .. لحظة الوصول .
عبدالقادر الفيتوري .. الزيغن .. فزان










04‏/07‏/2014

اتطلع .. لقد تاخرنا كثيرا


عابد :
     اعلان خريطة مستقبلية  .. دولة الشرق الأوسط .. شمال .. غرب افريقيا .. جنوب اوروبا .. جنوب الصحراء .. صدى .. قبول .. شعوب المنطقة .. الخريطة خطوة .. اعادة رسم الحدود الجديدة ..  ما كان معهود قبل نكبة الامة . .  تجاوز ارث الهزيمة .. ذاك التقسيم الذي استحدث عقب حالة تشظي الامة .. منتصف القرن الماضي ..  ساد لحقبة زمنية طويلة ..    ( سايكس – بيكو ) .. اتفاقية  .. هي الآن .. اصبحت طي النسيان .. التصور الجديد للدولة ..  استعادة الحدود الاصلية الاولى ..  ما قبل .. هدم الحدود الوهمية للشرق الأوسط .. شمال افريقيا .. حدود تشكلت أعقاب الحرب العالمية الأولى .. رسمت بايدي من لم تطأ ارجلهم تلك البقاع الحدودية  ..  صفقة سرية بين فرنسا وبريطانيا .. نسجها المندوبان .. الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس .
        اعادة تصحيح التاريخ .. لم تعد فكرة المواطنية والانتماء الوطني محشورة ضمن اطار ضيق .. او جزء يسير من الارض .. تنخره نوازع طائفية ..  اثنية .. دينية ..  جغرافية .. مصممة بمعرفة العقل الاجنبي الغريب .. تختفي الجبهات اطراف الحدود .. تذوب في الفضاءات الشاسعة .. فكرة الحدود غريبة على افريقيا  .. ذهب معها الرهان الخاسر .. وقف حجر عثرة في طريق نهضة الامة .. مسيرة حضارتها .. لدهر ..  ومعه ..   بذور الشقاق الداخلي .. الصراع .. ا قتتال تغذيه نوازع .. لا قبلية .. لا إقليمية ضيقة .. والى الابد .. لتنتهي كل العراقيل المعوقة لحركة تنقل الناس .. وتصنيفهم جنسيات ودول .. جرفت الحدود من بغداد الى مراكش .. الى غرناطة  .. .. صقلية ..  قبرص .. بحر قزوين .. سمرقند .. بخارى .. خراسان .. الجزيرة .. ارض الحجاز .. ارض الحبشة .. ضفاف نهر النيجر  .." تفتح في دفء السافانا والغابات المدارية .. (مبرأون من رغبة السيطرة لكنهم يلعبون لعبة العالم ) .. انسان الطبيعة .. انسان الهواء الطلق .. انسان يعيش من الارض .. انه كائن ذو احاسيس مشرعة ..  قابلة لكل صنوف الاغراء .. منفتحة على نداءات الطبيعة  .. كانوا اصدقاء الطبيعة .. اعتمادا على اراض يظن بها الفقر ، وبأدوات متواضعة .. تحت سماء رحيمة مكشوفة ، تجود الاراضي المنخفضة الخصبة بعطاء وفير  .. الى تمبكتو  ..  قبلة العلماء .. سوق العلم .. هي من السودان مكانة القلب من الانسان .. مركز اشعاع حضاري ..  ينبض تاريخا ويضخ ثراثا .. ملتقى قوافل الملح والذهب .. قبائل انصهرت وتصاهرت ..  مزيج عرقي متناغم .. فكرة الحدود فكرة غريبة على افريقيا .. القارة الثالثة المحدودة التطور لم تشعر ابدا بالحاجة الى ان ترسم بدقة خطوطا للحدود بين دولها .. فكرة اول حدود عرفتها افريقية ..  مستوردة من الخارج .. الحدود في افريقيا لم تبدا في لعب دور مهم الا بعد ان تصادمت بشكل مباشر عمليات التوسع الاوروبي ببعضها البعض .. ورغم التوثرات المحلية ..  الدول ذات النزعات الاستعمارية انتهت الى الاتفاق في مابينها .. ان ذلك قد تم " بروح رياضية  ".
         لم يكن الامر كذلك عندما دخلت الدول الاروبية افريقيا .. ليست مهمة حضارية ..   البحث عن وسائل تزيد من قواها اللازمة لبناء وتطوير سيطرتها العالمية .. موسيلينى .. ارتمى على ليبيا فضلا عن اثيوبيا .. وكان لارادته باشباع شهوات الاستعماريين الخرقاء دور مهم بين الاسباب التى جعلت الفاشسية ترتمى في احضان الهتلرية .
         .. من القسطنطنية الى قسنطينة   ..   بنغازي .. طرابلس .. سبها ..  اغادس .. بركو  .. انجمينا .. بحيرة تشاد .. شعب واحد لا شعبين .. دعه يمر .. دعه يعمل .. انتهى ... غرب زمن جوازات السفر .. تصنيف المسلمين والناس ..  هويات ودول .. دولة الخلافة الراشدة ..  حدودها التاريخية ،.. استعادة حقها المغتصب ، .. هويتها الواحدة .
     اتطلع الى عودة الاندلس .. الى قرطبة مثابة الاداب العربية .. غرناطة .. قصر الحمراء .. ميورقه .. بلنسية .. الفردوس المفقود  .. تأخدني الحيرة الى خيار ..  بقعة حط رواحلنا والرحال  .. قرطبة .. الجزيرة الخضراء ..  ضفاف النهر .. سويعات الاصيل .. وقفة تأمل .. قمم ..  شرفات قرطبة  .. ابن حزم .. صديقه ابن شهيد .. مساجلات ابن النغرالي اليهودي ..  اشراقة شمس يوم جديدة .. آآآ ه .. لا مجال للانتظار .. لنشد على رواحلنا .. لقد تأخرنا كثيرا.
       
طارق :
عاد الخليفة ويبدو أن عودة الأندلس مسألة وقت ليس إلا .
عابد :
احزم حقائبك … اترك فزان والصحراء وتنعم بنسائم الاطلسي ونهر الوادي الكبير .
طارق :
لا شك في ذلك … سنترك فزان ونتجه لأرض الربيع والجنان ” سنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير “
ابراهيم :
     هذا التطلع ليس مجرد رغبه او امل هناك من يتطلع جديا في استعادة الاندلس الان وجلهم من الحركات الاصولية المتواجدة على الساحة !!!!
 عابد :
       بعثوا فينا الامل الغائب وعودة لزمن ولى ..  ثمان قرون من العطاء .. فردوس زمانه في بلاد الاسلام .. العمارة والبناء .. المكتبات ومجالس العلماء .. الخلفاء وأبناءالخلفاء الامراء .. القنطرة والوادي ..  قصورالزاهرة والزهراء  ..  قصر الحمراء ..  مدخل قصر الحمراء  . كسنابل تركت بدون حصادي ..عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها ..  للحفيدة   .. رسالة طوق الحمامة .. وترنيمة  .. نزار ..   في مناسبة اللقاء  :
في مدخل الحمراء كان لقاؤنا  …  ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد
عينان سوداوان في حجريهما ...  تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد
هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها    …  قالت: وفي غـرناطة ميلادي
غرناطة؟ وصحت قرون سبعة … في تينـك العينين.. بعد رقاد
وأمـية راياتـها مرفوعـة … وجيـادها موصـولة بجيـاد
ما أغرب التاريخ كيف أعادني … لحفيـدة سـمراء من أحفادي
وجه دمشـقي رأيت خـلاله   …    أجفان بلقيس وجيـد سعـاد
ورأيت منـزلنا القديم وحجرة  …  كانـت بها أمي تمد وسـادي
واليـاسمينة رصعـت بنجومها   …   والبركـة الذهبيـة الإنشـاد
ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينها   …    في شعـرك المنساب ..نهر سواد
في وجهك العربي، في الثغر الذي   …  ما زال مختـزناً شمـوس بلادي
في طيب “جنات العريف” ومائها   …   في الفل، في الريحـان، في الكباد
سارت معي.. والشعر يلهث خلفها   …  كسنابـل تركـت بغيـر حصاد
يتألـق القـرط الطـويل بجيدها    …  مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..
ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي   … وورائي التاريـخ كـوم رمـاد
الزخـرفات.. أكاد أسمع نبـضها       …    والزركشات على السقوف تنادي
قالت: هنا “الحمراء” زهو جدودنا   …  فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي
أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازفاً    …   ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي
يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت    …   أن الـذين عـنتـهم أجـدادي
عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها    …  رجلاً يسمـى “طـارق بن زياد”
عابد
     طوبى للذين يكنزون قلوب تفيض بالمحبة .. كما انت دائما .. وما هذه الشجرة القورينيائية التي لم تتركك حتى بعدما غادرت ارضها .. تعال معي الى سطح القمر .. واترك الكوكب .. لقد غرق بالدماء.
     صدقت ..  لكن زعم قرقارش فتحت فرعا لها هناك .
عابد
     هههههه اكيد .. لا يخلو ..
    تاج :
      حقا.. طوبي لمن القي حراب ونصال تمزيق الجسد الواحد واراقة الدم الواحد. . وطوبي لمن امتشقوا سيوف المحبة والغفران .. وهنئيا . لقلوب و ارواح تسجد لله مخلصة خوفا منه ومحبة فيه.. اخونا الحبيب .. الشجرة القوريناوية.. دي بالله حافظ علي مراقبتها الخوف من تجيلها واحدة من اﻻلعاب النارية بتاعت الكبار.. وووو. مجرد خوف..ﻻنه بقي فيه حاجات طايشة تطيح في اي مكان..
مراد :
   يعجبني حذر السيد تاج السر .
عابد :
.. حلم الليلة الفائتة .. اذا بي اقيم على سطح القمر .. ولم تدنسه بعد اقدام المستكشفين .. وفي لحظة تأمل واستمتاع بالوحدة والصمت .. داهمني صوت غريب .. ظل قلبي يرتجف .. ازداد خفقانه .. دقاته المضطربة تتسأل .. من هؤلاء القادمون ؟ ومن أي كوكب ؟ .. لا احد يعرف بتواجدي هنا .. ما هذه العربة التي يمتطونها ؟ خيل الي وكأنها عربة اربعطاش ونص .. ؟  تمشيط .. ام جاؤا بخبر رباني رحيم  ؟ ثواني معدودات .. رفعت عيني .. استكشف .. اتابع بنظرات لاهتة .. ارتبكت وآثرت الصمت .. بقيت راسخا مكاني كالحجر .. اخدتني الافكار .. اذا كانوا من ساكني كوكب الارض .. فمن أي شعب يا ترى ؟ .. ادرت وجهي .. ولم اكثرت ..  عدت لتوحدي وحيرتي .. اقترب مني احدهم .. افشى السلام بالعربية .. آثرت الصمت .. هممت بفتح مخلاتي .. واجب الضيافة .. حفنة من ثمر فزان .. عوين الطريق .. وبعض السويق .. اعترضت لسعة ناموسة لذة الحلم .. انتفضت بفزع .. طار حلم رائق اسعد في لحظة قلب محزون .. ثم انطوى عنه للابد .. طار معه الأمل في قضاء وقتا ممتعا على سطح القمر  .. ووجدتني مشدوه .. اتطلع يمينا .. شمالا .. اصرخ "  اسرجوا الرواحل ..  لقد تأخرنا كثيرا.. الى سطح القمر  ".

عابد

” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة


” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة

هيباتي

    رحلة عقلية خصبة تنبئ عن مدى تعمق الأديب   ” يوسف زيدان ” بمعرفة اللاهوت المسيحي وتاريخه .. براعة الباحث القادم من زواريب الحقل الفلسفي في مقارنة الاديان .. وقد اختار الرواية قالبا لرسم ثمرة افكاره وروأه حول جذور الصراع المذهبي للطوائف المسيحية في الشرق ..” اقتحم حياة الاديرة ، ورسم بريشة راهب احداثا كنسية حدثت بالفعل ، وكان لها اثر عظيم في تاريخ الكنيسة القبطية ” .. هكذا وصفه المطران يوحنا جريجوريوس .
   ” عزازيل ” .. سيرة الراهب هيبا وحياته القلقة .. يؤرخ لأحداث كان لها الاثر البالغ في تموجات الصراع الكنسي .. رحلة في جغرافيا الامتداد الدعوي .. من صعيد مصر .. نجع حمادي .. اخميم .. قنا .. الى الاسكندرية عاصمة الكنيسة المرقسية .. ( المطرقة او المرزبة ) .. اهوال وصوادم الايام .. وسؤال الاسقف عن المنطق .. والفيلسوف افلوطين : ” انني افكر كثيرا في افلوطين ، وفي مصر . فأرى ان كثيرا من اصول الديانة اتت من هناك ، لا من هنا ! الرهبنة ، حب الاستشهاد ، علامة الصليب ، كلمة الانجيل .. حتى الثالوث المقدس .. تساؤلات ومقاربات ومقابلات .. في اقوال الفيلسوف السكندري افلوطين في كتابه التاسوعات : ” الواحد ، والعقل الاول ، والنفس الكلية .. الاب ، والابن ، وروح القدس .. قصيدة اريوس  ثاليا .. انجيل المصريين .. انجيل يهودا .. سفر الاسرار .. خطب شيشيرون .. كتاب الاسقف اوغسطين : مدينة الله 413 م .. وتبرئة المسيحية من سقوط روما المدوي 410 م بأيدي القوط .. كتاب الرحلة المقدسة للاسقف تيوفيلوس السكندري وجرأته في التقول عن السيدة العذراء .. كتاب الخروج وعما يجب ان يشهد به الموتى على انفسهم يوم البعث في حضرة الالهة .. العقيد القديمة وقصة الاله خنوم صانع البشر من طين الصلصال .. انتشار المسيحية وهجوم عوام المسيحيين .. ” كأشباح فرت من قعر الجحيم .. بعيون ذئاب قد ارتوت .. تملكتهم نشوة الظفر والارتواء ، فتصايحوا وقد رفعوا اذرعتهم الملطخة بالدماء .. وبأيديهم السكاكين المضرجة يلوحون في وجه المذعورين .. متهللين بالترنيمة الشهيرة .. الموت للأعداء  .. ارادوا الخلاص من موروث القهر بالقهر ، ومن ميراث الاضطهاد بالاضطهاد “.
     بسجية الراهب الذي يملأ قلبه السلام  ويفيض بالمودة والعطف .. تراوده فكرة تناسخ الارواح .. تمنى لو انه صار شجرة وارفة الظلال وغير مثمرة ، فلا ترمى بالحجارة ، وإنما تهواها القلوب لظلها .. هذه البلاد قاحلة وجفافها شديد ، فلو صرت شجرة سأحنو على الذين يستظلون بي ، وسيكون ظلي رحمة لهم امنحها بلا مقابل . سأكون مأوى للمنهكين ، لا مطمعا لطالبي الثمار .. وازداد تطهرا .
      عزلة واعتزال راهب .. دير وصومعة .. محبرة وسراج قديم ذو فتيلة بائسة واللهب المتراقصة شعلته .. رقوق .. ارتحال العين بين صفحات الكتب .. الغرق في بحار الحيرة .. وكحلم لمع في سماء حياته الباهتة ، ثم انطفأ لمعانه .يتسأل :  لماذا انطفأ كل شيء ؟ شموع السكينة التي طالما آنست وحدتي . هل سينزاح هذا الهم وتأتيني اخبار مبهجات ؟
  طقوس الديانة .. صليب الفداء .. هل الانسان قادر على قتل الاله وتعذيبه ، وتعليقه بالمسامير فوق الصليب !.. العلامة المفسر تيودور اسقف المصيصة يرد حيرته .. ” لم يشأ الرب ان يترك الانسان موصوما بالخطيئة الاولى .. خطيئة ادم يوم ان غرر به عزازيل ( الشيطان اللعين ) .. فأرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليفتتح الزمن الجديد للإنسانية .. ومع الانجيل .. الاخبار المفرحة .. بشرى بالعفو عن العقوبة وغفران للخطايا ” .. صار معه عزازيل في خزي .. وأنقذ الروح من قلق الشكوك .. عضات يسوع المسيح في انجيل متى الرسول .. ” طوبى للحزانى ، فإنهم يرثون الارض ” .. المسيح جاء من اجلنا … تجسده وآلامه وموته وقيامته ، انتصار على الشيطان .. العماد ميلاد .. دخول في النعمة وتوحد مع المسيح .. خلاص وخلق جديد .. لقد ورث البشر النزوع الى الخطيئة .
   يتسأل عن المعمودية وزمنها .. وقسطنطين الامبراطور الملقب بمحبوب الاله ، وحامي الايمان ، ونصير يسوع .. يتسأل عن ” مجمع نيقية ” الذي حرم فيه الاسقف آريوس لقوله ان المسيح انسان لا اله ، وان الله واحد لا شريك له في الوهيته . وإيماءة الى انه السر الذي لا يحب رجال الديانة الخوض فيه .. اريوس الذي اختلف الناس فيه وكرهته كنيسة الاسكندرية بأكثر مما تكره الشيطان .
       اساءة الامبراطور للمسيحية ، احرق الاناجيل المتداولة بين الناس خلاف الاربعة المشهورة .. نظرة الاسقف نسطور . اسقف القسطنطنية الى اريوس كمخلص للمسيحية من ثالوث الديانة المصرية القديمة وقد خرج عن اجماع اهل زمانه .. ايزيس وابنها حورس وزوجها اوزير الذي  انجبت منه من دون مضاجعة .. وإقراره بأن الله واحد لا شريك له في الوهيته .. والسنة المشئومة .. عام 431 التي حرم فيها وعزل ، من منصب اسقفية القسطنطنية ..اهتزت اركان الديانة ..  ابليس هو المحرك الرئيس لكل ما جرى .. كما قبل مائة عام في مجتمع نيقية . ابليس ، شيطان السلطة الزمانية التي تغلب سكرتها الناس . فينازعون الرب في سلطانه ، ويتمرغون فيما بينهم .

     لقائه بـ ” اوكتافيا ” الفتاة الجميلة .. حورية الاسكندرية والبحر التي خلبت لب قلبه .. واوقعته في الخطيئة .. ” تنهدات تلفحني .. آه من زماني الذي كان .. اسرجت فتيلا آخر فشع نوره ونورها ” .. زوجها التاجر الصقلي وحزنه على كلبه .. عيناه كانتا تدمعان حزنا على كلبه ‼ تعجبه من غرابة هذا العالم الجديد ، وتذكره ساعتها لبلاده وقريته بصعيد مصر ، حيث الكلاب هناك بائسة .. والناس  .. عصف الظنون والخواطر .. تحسره على فقدها ..” آه .. من يوقف بقلبي اعصار الاسى الفتاك ” .. وكمن يسقي الافعى سما .. اللقاء بـ ” هيباتيا ” المعلمة الوثنية وكرهها لأهل الصليب ..”  انهم كالجراد ، يأكلون كل ما هو يانع في المدينة ، ويملأون الحياة كآبة وقسوة .. خطابات اساقفتهم  ..اقرب لفحيح الافاعى .. لهجة لاذعة كلسع العقارب .. يوم ان جرجرت امامه على قارعة الطريق ولم يجد من سبيل لإنقاذها .. حرب الكنيسة على الوثنية والوثنيين  .. ” خطاب الاسقف .. اهتزت الجموع مهتاجة .. لمحت عيونا كثيرة انهمر منها الدمع ، ووجوها عديدة كاد الحماس يفجرها .. تهت بين افكاري ، وسرحت في آفاق بعيدة .. فجأة صاح احد الواقفين ، بصوت اجش ، حتى كادت حنجرته تنخلع مع زعيقه .. كاد الحماس يذهب عقول الناس .. هتاف يرج الجدران .. بعضهم غشى عليه فسقط بين الجموع ، بعضهم راح بدنه يهتز مع هتافه ، وبعضهم اغمض عينيه المنهمرتين بالدمع .. هوس الجموع .. تداخلت الهتافات .. مرت الايام مترعة بالتوتر .. اتوقع وقوع كارثة .. تندر بفناء العالم .. باسم الرب سوف نطهر .. انشودة المجد الرخيص .. وكانت الضحية هيباتيا استاذة الزمان .. الايدي الناهشة .. ذئاب مسعورة هاجت بواطنها طلبا للدم والافتراس .. علا صراخها وترددت اصداؤه في سماء عاصمة الملح والقسوة .. الاسكندرية .
     وإذ لا مناص .. قرر الرحيل خفية .. ترك صومعته وسار نحو دمياط .. عمد نفسه بنفسه واختار اسما جديدا .. هيبا .. وما هو إلا النصف الاول من اسمها .. وفي دمياط .. يلهم وصية راهب دير .. في عينيه بريق ألق لافت .. وفي كلماته القليلة حكمة صافية : ” ان كنت تبحث عن اصل الديانة ، فاذهب الى مغارات البحر الميت ، وقابل الاسنيين .. واحرص على مقابلة الراهب خريطون ، فهو اكثر اهل الارض صدقا وتوحدا “.
       رحلة الحج الى اورشليم .. ومجيء نسطور .. واللقاءات المتكررة قبل رحيلهما  ” تبدد الغربة  .. طافت بنا سفن الكلام في كل البحار ” .. وصيته له بالارتحال الى حيث الدير السماوي شمال مدينة حلب .. حياة التفرغ للقراءة والاستقرار والتعبد .. موجات التلال التي تعلو السهول .. طبيب وشاعر يلتحف لباس الرهبان .. يمتلي قلبه بالمحبة للكون .. الدر يتشكل في الاصداف . وإلا ، فما العذراء لولا ولادتها المسيح .
   رسائل البابا كيرلس اسقف الاسكندرية وخناجرها المشرعة باللعنات الاثنتا عشرة ضد نسطور .. واتهامه بالكفر .. الفرقة بين الكنائس الكبرى . روما ، الاسكندرية ، القسطنطنية . انطاكية ، الرها ..  هيبا الى انطاكية لمقابلة الاسقف نسطور .. فزعه من انهار العنف التي تتدفق في ارض الله ، ورعب من القتل المروع الذي يجري باسم المسيح .. هيج الفكر بتناقضات الفداء والمحبة ، وافعال القتل والسحل .. يجيبه نسطور : قتل الناس باسم الدين ، لا يجعله دينا .. هؤلاء اهل سلطان لا اصحاب ايمان .. اهل قسوة دينية لا محبة دينية .. الرهبان لا يقتلون ، وانما يمشون على الارض هونا .
     عودة الى الدير .. حدث ” مرتا ” الفتاة الفاتنة تقطن الكوخ المصاقب للدير  .. صوتها الرخيم .. اختيار رئيس الدير لها للقيام بتلاوة الترانيم الكنسية  .. رؤيته بجواز الغناء .. لما فيه من مداواة الارواح .. تكليف هيبا بتدريب الاطفال والمغنية على اداء الدور .. ” صوتها الرقراق اتاني صافيا من بين طيات السحاب .. مطيبا  بعبق شجيرات الورد وروح المروج الخضراء الزكية .. ارتجف باطني مع ارتجافة شفتيها وهي تطيل النطق بالحروف .. غناؤها الشجي نادر العذوبة .. استبد بي الارق المقيم .. فبقيت مسهدا حتى الفجر .. نظرت الى وجهي في باطن المرآة .. فبدت لي اثار الزمن .. مارتا .. وقد رفعت غطاء رأسها ، فانهمر شلال شعرها الاسود الكثيف الناعم  .. المعتقل تحت غطاء الرأس .. يتوق للتحرر .. لسعتني نظراتها .. هائما في فلوات ذاتي .. شجنا على شجن ، حتى اذهلني عني .. حين انتهت من غنائها ، كنت قد انتهيت .. اربكتني عبارتها .. حضورها الطاغي يسلبني .. جمالها ظالم لمن يعرفه ، اعمق من ان يحتمل وابعد عن ان ينال . هل تتعمد اثارتي ام تراها تعبث بي ؟ ” .. فكانت الخلوة .. وحدثت الخطيئة .. خطيئة الراهب الذي ندر نفسه للزهد عشرون عاما مضت .. انقطع الحبل .
    يتسأل : كيف لانسان ان يتحمل تقلب القلب ما بين اودية الجحيم اللاهبة وروض الجنات العطرة .. أي قلب ذاك الذي لا يذوب ، اذا توالت عليه نسمات الوله الفواحة .. ورياح الشوق اللافحة ..ثم اريج الازهار .. ارق الليل وقلق النهار .. اعصار المحبة .. قدحت مرتا زناده بكلمة واحدة فصار عشقا .. وانا لا خبرة لي بارتياد بلاد العشق .. اعتصرني اشتياق .. فتدحرج قلبي نحوها .. التقت عينانا في عناق حار ، غبت عن كل ما حولي .. وأظنها ايضا .. التحام النظرات الولهى .. ولدت الخطيئة .. مرتا الجميلة .. غوايات وعذابات وما كان من امر عزازيل المراوغ اللعين .. تهيج فظائع الوقائع .. . ” تحيط بي الغيوم من كل جانب ، وتهب في باطني الاعاصير حتى تكاد تقتلعني من الكون كله .. لوعة القلق وعصف الاشتياق .. الى مرتا … يا مرتا اشرقي بلحظة من وصالك ، لتنيري قلبي المظلم ، وتبددي وحشتي ” .
   طبيعة المسيح .. وجدلية استقلال اللاهوت عن الناسوت .. حرب الكنائس .. مؤتمر افسوس برئاسة كيرلس .. الافكار النزقة .. حلم النبوغ في الطب .. الامل في ادراك سر الديانة .. الغرام بأوكتافيا ، الولع بهيباتيا ، اشتياق لمرتا .. تائه في صحروات الذات .. يسعى الى الفرار من هذا العالم المليء بالأموات .
   عزازيل .. الشيطان والملعون .. مبرر الشر في افعال البشر .. حاضر دوما لرفع الوزر ، ودفع الاصر ، وتبرئة كل مدان .. خادم العباد ، ومثير العباد الى مطاردة خيوط اوهامهم .
       يكاد خيط التدبر ينقطع .. فريسة تمزقها مخالب القلق وأنياب الافكار .. جرى به خيل الكلام في كل مكان .. يلتذ بذكر الذكريات ، كأنه يستعيد جزءا من جوهر ذاته كان قد انطوى .. وتمزق بين الخطيئة والطهر .
  ” عزازيل ” .. صراع الذات والخطيئة .. رواية تفرض على المرء قراءتها .
عابد