04‏/01‏/2015

ماذا اقرأ الان ؟


 

ماذا اقرأ الان ؟

اقرأ .. من انت ؟ من اين جاء العالم ؟

   درس في الفلسفة للمعالجة بعناية كبيرة .. كثيرون يفضلون القراءة ، لكن كل شيء متوقف على ما نقرأ .. يمكن الاكتفاء بقراءة الصحف ، لكن هناك قضايا يجب ان تشغل اهتمام كل الناس .. ان نعرف من نحن ؟ ولماذا نعيش ؟ قراءة ما فكر به الاخرون يمكن ان تساعدنا على تشكيل حكمنا .. في كل الحالات يظل هناك حل .. انها قصة عادة .. ما هو الممكن فعله في هذا العالم اولا .. الحياة لغز كبير .

    اقرأ رواية " عالم صوفي ".. قصة الفلسفة .. اضع خطوط بالقلم الرصاص لخلاصات ..للاسف لا زلت اقرأها ولم انجز قراءتي .. كل ما هناك انطباعات اولية .. صوفي تلميذة يانعة تتوق للمعرفة ، تفاجأ بتلقيها لرسائل متوالية ، تطرح عليها الاسئلة التي تساعدها على اعمال العقل والتفكير ، تتركها في حيرة ، تنتظر الاجابات في رسائل تالية ، تتدرج الاجابات وتنساب مفصحة عن تاريخ الفلسفة والفلاسفة . من الاسطورة والركون للميثالوجيا ، الى اعمال العقل والتفكير .

   الاسئلة الفلسفية تخص كل البشر ، إلا انهم لا يصبحون جميعهم فلاسفة .. لان اغلب الناس مشغولون بحياتهم اليومية .. لقد غرقوا نهائيا في الخدر الذهني الهادئ لروتينهم اليومي .. الفيلسوف انسان لم يستطع يوما ان يتعود على العالم .. وحدهم الفلاسفة يمتلكون شجاعة السير في الرحلة الخطيرة التي تقودهم الى اقصى حدود اللغة والوجود .. نحن نطوف الفضاء .. لا احد ينتبه لتحذيرات الفلاسفة .. الافضل ان اتحدث عما اعرفه جيدا .. الاساطير تحاول ان تقدم جوابا عما لا يستطيع الانسان فهمه .. التصور الاسطوري للظواهر الطبيعية .. العاصفة رحلة الاله .. الشياطين قوى الفوضى .. التوازن الهش بين قوى الخير وقوى الشر .. وعندما تنام الاسطورة على ورقة ، يمكن انت تصبح موضوعا للمناقشة ، وهذا ما فعله فلاسفة اليونان ، هيزيود ، هوميروس ، وفي مقولة الفيلسوف كزينوفان 570 ق. م : " لقد خلق الناس الالهة على صورتهم " ، نقد الميثالوجيا القديمة ، اذ لا يمكن للبشر ان يظلوا مكتوفي الايدي منتظرين تدخل الالهة ، ان مسئوليتهم ان يبادروا ويملكوا زمام الامور ويخوضوا معركتهم ضد قوى الشر .. اسئلة الذات الحائرة ، تجد اجاباتها في النقلة من نمط التفكير الاسطورى الى نمط التفكير المبني على العقل والتجربة .

    الفلاسفة الطبيعين .. لابد للاشياء من اصل واحد هكذا اعتقد الفلاسفة الطبيعيين ، الماء ، التراب ، الهواء ، النار ، طاليس ، اناكسيمانس ، بارمنيدس ، هرقليطس ، امفيدوكليس .. حركة الاضداد والتغير المستمر .. امتزاج وانفصال ، الطبيعة في تحول دائم ، ثم انكساغوراس وفكرة الجزء الذي لا يتجزءا ، وسؤال ما اذا كان علينا ان نصدق ما يقوله لنا عقلنا ؟ ام نثق بحواسنا ؟

    وجدت صوفي ان في الفلسفة حقا شيء عبقري ، ذلك انها تستطيع ان تتابع كل هذه الافكار بعقلها هي ، دون ان تسترجع ما تعلمته في المدرسة . ووصلت الى استنتاج ان الفلسفة ليست شيئا يمكن تعلمه ، وإنما يمكن تعلم التفكير ، بطريقة فلسفية .

    ثم درس الفيلسوف ديمقريطس ، كل شيء مركب من عناصر صغيرة جدا ، غير قابل للتجزئة " ذرات " . ولو كان للذرات ان تستمر في التكسر ، لانتهى الامر الى ان تفقد الطبيعة كثافتها . تتفكك وتتبعثر وتعود لتتجمع وتتشكل من جديد . لم يلجأ ديمقريطس الى أي قوة او روح لتفسير الظاهر الطبيعية واعادة التشكل ، بل الحتمية في قوانين الطبيعة ، لذا نسميه بالمادي .

    نمط اخر من التفكير او التفسير ساد لدى بعض الاغريق ، الاهتداء بالعراف ، والكاهن ، اعتقادا منهم بان مواقع النجوم في الفضاء تؤثر على حياة الناس على الارض . وان القدر المحتوم يحكم مصير مستقبلهم . تفسير شيء يفلت بطبيعته من كل تفسير .

    وسط كل تلك المحاولات لتفسير ظواهر الطبيعة ، انبرى علم جديد مهمته ايجاد الاسباب الكامنة وراء مجرى الحوادث ، والمتحكمة بمسار التاريخ ، اشهر رواده هيرودوت ( 484 – 424 ) .

    المرض على سبيل المثال كان ينظر اليه على انه ظاهرة فوق طبيعية ، وعقاب الهي ، او وقوع تحث التاثير السيئ للنجوم . وبينما كان فلاسفة التاريخ يفتحون الطريق امام انماط جديدة من التفكير ، ولدت رؤية جديدة للطب على يد ابو الطب الاغريقي هيبوقراطس ، وقد نبه الى ان الحالة الصحية الجيدة هي الحالة الطبيعية ، وعندما نقع مرضى ، يكون قطار الطبيعة خرج عن سكته . حالة فقدان توازن ، لذا فالطريق الى الصحة هو الاعتدال . وللمهنة اخلاقياتها ، وقسمها الذي دشنه واملاه على تلاميذه :

 

    لقد شكل فلاسفة الطبيعة محطة القطيعة مع العالم الاسطوري ، وجاء الدور لفلاسفة اخرون ، اكثر شهرة وثراء ، سقراط ، افلاطون ، ارسطو . فلاسفة اثينا التي اصبحت تعج بالحياة الثقافية منذ 450 ق . م . واتجه البحث الى الانسان وموقعه في المجتمع ، والى السياسة ، والمشروع الديمقراطي الذي يشترط ان يكون الانسان مستنيرا كي يساهم فيه . وما يحتاجه من التربية الشعبية ، وكان الاساس اتقان فن الحوار ، الجدل . وغمرت اثينا طائفة من اساتذة الفلسفة القادمين من المستعمرات ، اطلق عليهم اسم " السوفسطائيين " اى المثقف الكفؤ . يشاطرون الفلاسفة الطبيعيين في نقذهم للميثولوجيا ، لكنهم يرفضون ما يبدو لهم مجرد تأمل دون وجود محسوس ، وانه مهما وجدت من اجابات للاسئلة الفلسفية ، فإن الانسان لا يستطيع الوصول الى اليقين التام فيما يخص الغاز الطبيعة والكون . " الشك الارتيابي " .

    الانسان مقياس كل شيء ، هذا ما يقولة استاذهم بروتاجوراس . الصح والخطأ ، الخير والشر ، تحدد بحسب حاجات الكائن البشري . وهو ما حدا بسقراط الى مقارعتهم والقول بوجود معايير مطلقة تناسب جميع الناس .

    لم يكتب سقراط حرفا واحدا ، وكل ما بلغنا عنه من افكار كانت بلسان تلميذه افلاطون ، يكمن سر فعاليته في انه لم يحاول تعليم الناس ، بل كان يعطي الانطباع بانه يريد ان يتعلم من محدثه ، يناقش ويحاور ويطرح الاسئلة ، ثم يرتب الحوار بشكل يجعل محاوره يكتشف مثالب تفكيره . مهمته في هذه هي توليد العقول ، فالمعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من داخل كل منا دون ان يستطيع احد قذفنا بها . مهمته مساعدة الناس على التفكير وشحذ عقولهم ، من خلال الحوار ، وكان ينتقد الظلم وغياب العدالة ، واساءة استعمال السلطة ، ويرفض المشاركة في حضور اعدام مواطن ، او ان يكشف عن اسماء المعارضين السياسيين ، وقد كلفه ذلك حياته . اتهم بأنه ادخل الهة جديدة ، وافسد عقول الناشئة ، فحكم عليه بالاعدام . كان بامكانه ان ينجو من الاعدام لو انه قبل بمغادرة اثينا ، لكنه اصر على البقاء مؤكدا انه كان يعمل للصالح الاجتماعي .

    الفيلسوف هو الذي يعي دائما انه يعرف القليل القليل . يحاول بلوغ المعرفة الحقيقية . سقراط كان واحدا منهم ، لم يكن يعتبر نفسه مثقفا وعالما ، ورفض تقاضي مالا مقابل تعاليمه . بينما كان السوفسطائيون يقبلون اخذ اجر لقاء تعليقاتهم المتراوحة في دقتها ، وهؤلاء موجودون في كل زمان ، متبجحون بمعرفتهم لاشياء لا يملكون ادنى فكرة عنها . زد على هذا ، ادعاء المعرفة واعلان ذلك على العامة ، قد يكلف صاحبه حياته . ومع ذلك حرص سقراط على ان يحدد نهائيا وبوضوح كل ما هو صحيح وكل ما هو خاطئ ، وفي اعتقاده ان القدرة على التمييز بين الخير والشر تكمن في عقل الانسان ، لا في المجتمع . اذ من المستحيل على الانسان ان يكون سعيدا اذا تصرف على عكس قناعاته . هناك من يمضون وقتهم في السرقة ، انهم يعرفون ان هذا سيء وغير مبرر ، هؤلاء ليسوا سعداء حقا كما يعتقد سقراط .

    اثينا مهد الحضارة الاوربية .. ومن ساحة السوق حاور سقراط اهلها ، ومنها نحثث مفاهيم عدة .. السياسة ، الاقتصاد ، الديمقراطية ، التاريخ ، البيولوجيا ، الفيزياء ، الرياضيات ، المنطق ، اللاهوت ، الفلسفة ، علم النفس ، المنهج ، النسق ، الفكرة .. انه لحدث رهيب عندما اقدمت اثينا على الحكم بالموت على الرجل الاكثر نبوغا وسموا فيها .. وتستمر احداث الرواية .. تتنقل بين حقول الفلسفة .. من عصر الاسطورة .. الى الفلسفة المعاصرة . مرورا بالحديثة .

    لا زلت اقرأ .. ولا اظنني سانجز تدوينتي قريبا .. اقرأ على مكث .. يسرح العقل والخيال بزواريب الوطن .. تختطفه انهار الدماء .. وشبكة الانترنت .. والى ان يذوب الثلج دموعا ، وتصعد الشمس في السماء فتجفف كل الدموع .. قد اتمم قراءتي .. عندها .. اعود لنسج تدوينتي .. كل ما هناك الان .. عالم صوفي .. رواية تفرض على المرء قراءتها .

عابد

ليست هناك تعليقات: