24‏/07‏/2015

اعجام .. اعدام




   تشدني العبارات الدليقة الرنانة عندما اقرأ رواية ما ، كثيرا ما افضل قراءة رواية نالت من الشهرة ما يستدعي شغف قراءتها .. تشدني ايضا عبارة " الرواية الفائزة بجائزة كذا " .. تتنوع الجوائز ومصادرها ، كما رعاتها .. ويبدو ان الشطر الاخير هو مهم ايضا .. ودائما يفضي الى مدى تماهي الافكار المعالجة بالرواية مع وجهة النظر التي تتبناها الجهة مسبقا .. رواية " اعجام " للروائي العراقي والمترجم سنان انطوان فازت بجائزة البوكر العالمية .. ما شدني لقراءتها بحثا عن ضالتي في سراديب المعاناة العراقية .             
      اعجمت ابهمت .. مبهم الكلام .. واستعجم عليه ما يقرأه اذا التبس عليه .. اعجام قصة مخطوط  غير منقط الحروف عثرت عليه وزارة الداخلية العراقية  .. وتولت فك شفرته ..  يوميات طالب جامعي ارقه العيش تحت نير الاستبداد .. للقلم والبندقية فوهة واحدة .. يقرأ نصوص تنهق وتعوي للحزب العبثي (البعثي ) الحاكم على الصفحة الثقافية بالجريدة  .. يكتب خلسة يومياته بالجامعة .. عن ابوعمر ضابط الامن بالكلية ,, بلهجته السمرائية التي يبالغ بها لتقريبها اكثر من لهجة تكريت ( محط راس صدام ) .. وشهادة دكتوراه فخرية في  العقوق ( الحقوق ) تمنح للقاعد ( القائد ) الملهم  .. وعن الاغاني والشعارات التي كانت وزارة السخافة والابهام ( الثقافة ) تقصف بها جيله يوميا .. يتلاعب بترتيب الكلمات .. كي تصبح الاغاني السياسية اكثر واقعية .
      عن ثورات .. وفورات .. وشعارات  .. وهذا الحر والبؤس .. والانزعاج والتململ في العيون المتعبة .. وتحذيرات الجدة .. " انته شعليك بالحكومة ؟ " .
      يوميات من زمن الحرب .. يرفض المحرر الثقافي لصحيفة الجمهورية نشر نصه الحزين الذي يحكي مرثية ام تنتظر جثمان ابنها الوحيد .. ترسيخ مفهوم الوطن فوق الجميع .. ينشرون لمن يكتب مثلهم .. يطبل ويزمر .
   اشياء كثيرة تتهشم في بداخله  وقد قبض عليه .. واولج السجن .. اغتصاب .. ازدراء .. طقوس سادية  تعيش ذكراها ماثلة في ذهنه .. يعذبه الواقع المر .. ولا يجد مفر .. السفر ممنوع .. وفي الافق ظلام وقيود ومستقبل مجهول .. يمارس الرقابة الذاتية على افكاره واليات عقله .. يتذكر نكتة تتداولها الالسن خفية .. " رجل مصاب بالكآبة يذهب الى الطبيب النفساني يشكو الكآبة .. ينصحه بمخدر يبقيه نصف قرن نائما .. يتناوله وعندما يستيقظ بعد نصف قرن يجد الجموع تهتف لحفيد الرئيس " .
  يستعرض مشاهد درامية من زمن الحرب .. تقليد نوط الشجاعة لرجل قتل ابنه لانه رفض الالتحاق بوحدته العسكرية ..  ترويج لمفهوم الوطن فوق الجميع .. وداخل اسوار الجامعة يطلب اليه انجاز بحث .. لكن العنوان لا يجد قبولا لدى الاساتذة ..  بحث عن علاقة السلطة واللغة .. يرفض العنوان من قبل رئيس القسم .. ترفض سكرتيرة المكتبة اعارته كتب تخدم بحثه .. رويات اوريل " مزرعة الحيوانات " و " 1984 ) .. تعري الاستبداد .. كتب محظور تداولها او اعارتها .
      اغفاءة قلم يسعها ان تكتمل قبل ان تصطدم بصرخة .. وقد علمته التجربة عدم التسرع او التهور والصمت وتأخير ردود الافعال لأطول فترة ممكنة .
      تتوقف الدراسة بالجامعة .. ويحشر الطلبة قسرا للمشاركة بمسيرة تضامنية مع القاعد .. لمن لا يصفقون اثناء مهرجانات الاسفاف الخطابية وعندما يذكر اسم القائد والثورة .. " تبت اللقطات مصورة التفاف الطلاب حول قيادتهم ، وترسل الصور الى العالم اجمع .. ويتسابق المحللون والخبراء في تفسير سر حبنا للطغاة لشعوبهم المثقفة " .
     الانتماء للحزب .. تحذيرات لمن لا ينتمي بالحرمان من مواصلة دراساته العليا ..  خلف قضبان دونها قضبان  .. الماضي والحاضر يصطدمان ..  تسافر شظاياهما في كل اتجاه .. رفضه الصامت .. اذ الافكار والشعارات السياسية مثل الاحذية تستبدل بحسب المناسبة والارضية .
      هاجس الخوف يلاحق الجميع في كل مكان .. في الشارع والبيت .. " من الافضل ان تكون هناك صورة صغيرة للرئيس بالبيت لكي لا نعطي فرصة لاولاد الحرام ان يؤذونا " .
     يتذكر محنة شقيقه جميل الذي هرب من العراق عام 1969 بعد ان اعدموا صديقه بتهمة الماسونية .. وخافت زوجته ان يلاقى نفس المصير . بالرغم من انه لم يكن ماسونيا .
       يتأسى لحادثة زميلته التي تطرد من درس مادة الثقافة السياسية الملزم بدراستها الجميع ..  طالب الاداب كما طالب الطب البيطري .. كتيبات ومطبوعات  .. احاديث القائد  .. استاذ المادة يزعجه وضع  الطالبة وردة حمراء على ياقتها يوم 31 اذار ذكرة تاسيس الحزب الشيوعي المحظور.. يفهم على انه تعبير عن الاحتفال  .. وماذا بقى من الحزب .. قطع اربا اربا .. بنهاية السبعينات اعدم عشرين ضابطا بتهمة الانتماء .. والبقية بين السجون والمنافي .. حتى وردة حمراء كانت كافية لاثارة الرعب في اوصالهم .. اختبأ القمر خلف سحب سوداء .
      كان دجلة هادئا غير آبه بالعبث والموت على شاطئيه او بالقصور التي اخذت تطعن ضفتيه . يردد سؤال السياب .. أغابة من الدمع انت ام نهر ؟
      محنة المثقف .. تجسدها محنة شاعر الرافدين الجواهري الذي انتهى به المطاف شريدا عام 1980 بسبب موقفه من الحرب .. سأكتب جروحي . اتعثر في ظلام ما جرى .. وعندما هم بشراء نسخة من مجلة اليوم السابع وكيف فاجأه البائع بطلب المزيد من النقود .. تبين له ان كتيب يباع مرفق بالعدد يحوي خطاب الرئيس القائد .. رفض شراء العدد .. وحسرة في جواب البائع : " شنسوي يعني . همه يفرضونه علينه وماكو مرتجع "  .
     بيان اعلن بالتلفزيون الرسمي .. " منع اللغات الاجنبية واللهجات المحلية التي تشجع الانفصاليين والمندسين من اعداء الوطن . وتوقيع عقوبة الاعجام بكل من تسول له نفسه نشر الغموض والابهام " .. ووراء اسوار الجامعة الموحشة .. والزي الموحد ، ومنع اللحي .
   في الرياضة .. نادي الرشيد " بتاع الحكومة " .. وكيف يختار البعض الذهاب الى الملعب ليهتف ضد الرشيد ..
     لم تترك العقود السبع في جدته اثرا واضحا باستثناء الشعر الابيض .. ولا تزال على رأيها .." ليش اللي رحييجي رحيكون احسن ؟ هذا الشعب مينحكم إلا بالحديد ! " .
      " فكرت بالهدر وبالورق الذي يضيع ، وبالقرار الذي كان قد صدر قبل فترة ، والذي يحذر الناس من رمي الجرائد في القمامة لان صور القاعد كانت على الصفحة الاولى كل يوم ، وكان الناس يستخدمون الجرائد على موائد الاكل ولتنظيف الشبابيك .. اخالف القوانين باستمرار وانتقم على طريقتي الخاصة .. اختار الصفحة الاولى لأنها تحفل بالصور وبالافتتاحيات .. واسمح لشاربيه ان تمشطا استي " .
      عربدة انتهت به خلف جدران السجن .. وفي لحظة من لحظات القدر حدث انقلاب وذهب الطاغية .. قيل انه فر الى ليبيا  .. استلمت جماعة " العراق الحر " مقاليد الحكم .. وصدر عفو عام عن كل المحبوسين .. يشاكي نفسه .. يتسأل : "  كم كنت احلم بيوم كهذا !! ترى اين هو الان ؟ امازال يبتسم ابتسامته البلهاء ؟ ماذا سيفعلون به ؟ .. البعثيون ما زالوا يسببون المشاكل حتى وهم في غياهب السجون .
    ما احلى ان امشي دون ان تصفعني الجدران .. اعمار الطغاة قصار .. الاعجام او الاعدام اسمين للرواية اختارهما الكاتب في رمزية صححها بهامش الرواية .. الاول عنوان يفضي الى الخرس المزمن ، والثاني الى الخرس الابدي .


  تهب ذاكرتي علي بضراوة .. تقتلع الاسلاك الشائكة .. ( اعجام ) .. رواية تفرض على المرء قراءتها .

ليست هناك تعليقات: