26‏/07‏/2015

يا مريم .. صرخة وداع





     
     الماضي يتعايش مع الحاضر ويحترب معه .. الحاضر مفخخ مليئا بالانفجارات والقتل والبشاعة .. الحروب ، القحط ، القتل ، التشرد .. العراق ما بعد زوال الاستبداد .. والنهايات الدامية .
     الروائي  مسيحي الديانة .. ينقل صور من حواديث الطائفة وتاريخها بالعراق .. يستغرق في تفاصيل حكاوي الحياة اليومية والعلاقات مع الاصدقاء .. الحياة الهادئة .. يعيش سكينة الماضي البعيد ما قبل انقلابات العسكر .
    ظللت اقفز بين السطور متجاوزا حكاوي الطبخ اليومي ، وصديق عافته زوجته لإدمانه السهر والعودة متأخرا مخمورا .. وجلسات المجون الجماعية .. ونادل يهتف بقناني ملأى .. صفراء لا تنزل الاحزان ساحتها .. لو مسها حجر مسته سراء .. ورمضان ولى هاتها يا ساقي .. مشتاقة تسعى الى مشتاق .. والحملة الايمانية التي اغلقت فيها الحانات عام 1994 .. وعن وصف مسهب لصور فوتغرافية متناثرة للعائلة منذ زمن طويل ، يتأملها ويتذكر النهايات الحزينة .. بدءا من معاصري حركة حركة رشيد الكيلاني 1941 .. الى عصر الانقلابات العسكرية .. عبدالكريم قاسم .. عبدالسلام عارف ..  صدام حسين .. ومن يعتبر ان قدوم البعثيين عام 1963 والوحشية التي قتل بها عبدالكريم قاسم كانت نهاية الزمن السعيد . ومن يعتبر صعود صدام عام 1979 بداية النهاية .. الى الغالبية التي تحن لزمن الملكية  والوحشية التي قتلت بها العائلة المالكة .. وتمقت الانقلاب العسكري معتبرة اياه بداية السقوط الى الهاوية .
    تغير الناس زمن القحط والحصار وقد انشغل كل واحد بهمومه .. اليأس الذي ذاق مرارة السجن وقرر الابتعاد عن السياسة .. العيون تلاحقه .. ليعود مرة اخرى الى السجن بتهمة رشوة .. لمجرد ان مدير المؤسسة التي يعمل بها طلب اليه استلام ظرف من احد الاجانب . كتب عن الحادثة تقرير كلفه ثلاث سنوات سجن .. لم يكسره السجن لكنه اتعب عقله ، ظل هائما على وجهه الى ان وجد جثمانه على قارعة رصيف .. زوجته تواسي نفسها " السياسة لم تترك لها اي شيء " .. اخاها اعدم عام 1979 .. وزوجها فقد عقله . 
    استبداد البعثيين .. ونظرة الطائفة المسيحية لطارق عزيز وزير خارجية صدام المتهم بينهم بالمروق والغطرسة وارتكاب الجرائم ، كما هي النظرة الى ميشال عفلق المسيحي ومنظر الحزب ، والمتهم بأنه اسلم كما طارق عزيز .. والنهايات التي افضت الى صدور قرار اعدام طارق عزيز الاسير .
   الرواية .. تنبش تراب الاديان والسياسة وتقاطعاتها ..، يتحدث الكاتب بلسان المتكلم .. يرفض القبول بتلك النظرة المنحازة والحازمة في قرارها ، او لعلها المشبعة بالكراهية ، والمتقمصة لدور الضحية والشعور المتولد عن النظرة الدونية ، ووخز الالم الناجم الى حد كبير عن نعرة الاقلية وفقدان تساوي المواطنة.
       باللهجة العراقية العامية .. يرفض صخب الحديث : " احنا لا عندنا حرب ولا ميليشيا ولا بطيخ .. الاسلام انتشر بالسيف .. ليش الدين المسيحي شلون انتشر . بالحكي ؟ الحروب الصليبية وفتح امريكيا الشمالية والجنوبية اندبحوا بيها عشرين مليون بمباركة الكنيسة ".
       مواقف واستجابات تثير اسئلة وشكوك .. دلال التي جن بعشقها يوسف المسيحي .. احبها .. لكنها ما ان عرضت امر الزواج على والدها رفض . معربا عن اعتراضه على شخصه حتى وان اسلم .. يقف الدين حجر عثرة في طريق الحب .. جبال اجتماعية شاهقة الارتفاع يلزم تسلقها .
     سنين الحصار وثراء البعض من التجار .. وخسارة اخرون .. العدوان الثلاثيني وزمن الحرب ..غارات الطائرات الامريكية .. وقعقعة القنابل .. وانقطاعات الماء والكهرباء .. البنزين .. الهاتف .. الاحتماء بالسرادب والملاجئ كلما اشتد القصف .. هجرة الاقارب والاصدقاء .. وضياع وطن " بين ايران والامريكان والعربان ..  وهذوله اللي جو من برا وجابو وصخهم وياهم " .

 مخاوف القتل والدبح والتهجير ..  وام تكلى ترثي فلذة كبدها :
يا قرحة القلب والاحشاء والكبد .. يا ليت امك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد ادرجت في كفن .. مطيبا للمنايا آخر الابد
ايقنت بعدك اني غير باقية .. وكيف يبقى ذراع زال من عضد

     ايماءة بالنكتة وتوظيفها لابراز اطراف الصراع الداخلي .. يقال ان ثلاثة عراقيين ، سني وشيعي ومسيحي . وقع بيدهم مصباح علاء الدين السحري . سأل الشيعي الجني الذي يسكن المصباح .. اريد محو السنة عن بكرة ابيهم .. اجابه : لك ما تريد .. سأل السني ، ماذا تريد : طلب اليه هو الاخر محو الشيعة من الوجود .. اجابه : لك ما تريد .. سأل المسيحي طلبه .. اجابه : انجز طلبات الجماعة اولا .. وتعال .
     قصة السيدة مريم العذراء في القرآن ، وهز جذع النخلة ، ورفض الكنيسة للرواية القرآنية ، ودفاعه عن مصداقيتها ، وعن ورودها في اناجيل اخرى لا تعترف بها الكنيسة .
     ايمانه على طريقته : " لم اكن مهتما كثيرا باختلاف الطرق التي يسلكها البشر الى الله ، فالطريق بحد ذاته لم يكن يضمن طهارة اولئك الذين يمشون عليه . هناك دائما اخيار واشرار يملأون الطرق كلها ، وهناك من يظن ان لا طريق الى الله إلا طريقه هو "
     الحروب تقطع رؤوس البشر والنخل .. ما راح اطلع .. وين اروح واتبهدل بها العمر ..
      تمر ذكرى اللحظات السعيدة كجزر صغيرة تطفو على بحر عميق من الحزن .. ابتلع الاحبة .. يحملق في الفراغ الذي كان قد اخذ يملأ ايامه ..  اختطاف .. فدية .. زمن الغربة والاختناق والتشرد .. ما حدث بعد 2003 لا يشبه ما حدث قبل ذلك ، في ضراوته .. فرح بسقوط صدام كما والده الذي لم يثق بالامريكان .. لكنه توهم ، مثل الكثيرين ، بأن العراق سيتحول الى هونغ كونغ ، كما كانوا يقولون في الاخبار . ولم يكن يتصور انهم سيحولونه الى ما يشبه الصومال .. شاعت لغة الموت وعلا صوت الانفجارات .
      تختلط البدايات والنهايات . كل يبكي عراقه السعيد .. " يا مريم " عنوان الرواية .. واخر صرخة لمسجي على ارض الكنيسة التي تعرضت للتفجير من قبل متطرفين .. نداء مسيحي باسم السيدة العذراء .. مريم البتول .. قالها وغادر الحياة .
   " يا مريم " .. سنان انطوان .. رواية تحكي قصة العراق الجريح .. الكليم الحزين .. تفرض على المرء قراءتها .

ليست هناك تعليقات: