19‏/01‏/2015

عودة للشرعية الدستورية


  


     " إن أبعد أمور العالم عن العقل تصبح أقربها بسبب فوضى البشر. أي أمر أقل صواباً من اختيار ولد الملكة البكر ليسوس الدولة ؟ لا يختار أعرق المسافرين نسباً لقيادة السفينة .. وقد تكون هذه الشريعة مضحكة وجائرة. ولكن بما أن الناس هم كذلك أيضاً ، وسيبقون كذلك أبداً ، فإنها تصبح معقولة عادلة ، إذ من عساهم يختارون ؟ أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة ؟ هنا تقع الواقعة فوراً إذ كل يدعي أنه الأفضل وكذلك الأمهر. فلنربط هذه الصفة إذاً بما لا يقع الجدل حوله. أنه بكر الملك. إن الأمر واضح ولا منازعة البتة ، والعقل لا يستطيع أفضل من ذلك ، لأن الحرب الأهلية أعظم الشرور " .

      رؤية للفيلسوف بسكال .. قد تسعف في حالة التشظي الليبية ، وتعيد الى الواجهة السؤال : من الغى الدستور الليبي الذي اجتمع عليه السلف عام 1951 م . عندما كانت الامة في تمام صحتها ، وقد انتهى عصر القبيلة ودولة الهمجية ، ودفنت الاحقاد ، وقبرت الجهوية ، وكرمت الاسرة السنوسية لنضالاتها ضد المستعمر ، من ليبيا الى افريقيا ، ولدورها في نشر الاسلام بديلا للوثنية في ادغال افريقيا . وكان العهد عندما كان للعهد مرتبة المقدس .. ومن باب توقير السلف .. تعهداتهم .

  الغى الدستور للمرة الاولى من قبل الانقلابيون في اول سبتمبر عام 1969 م ، وكان الامر مبررا ، فقد صعدوا للسلطة بالدبابة ، واغتصبوا السلطة على حداثة سن .. قسرا .. وهم فئة محدودة من ضباط الجيش ، لا علاقة لهم بالشعب ، ولم يكن على علم بحراكهم السري .. وكانت انتفاضة الجياع في 17 فبراير 1969 ، بهدف اعادة قطار تاريخ الامة الى السكة  . لكن ما حدث ، كان مفاجئا .. فقد الغى المجلس الوطني الانتقالي الدستور مرة اخرى ، واصدر ما يسمى ( بالإعلان الدستوري ) ، وان كان عدد اعضاء المجلس الانتقالي ضعف عدد اعضاء مجلس الانقلاب الاول .. وهو ما يستدعي السؤال : لماذا ؟! .

        - لماذا لم يختار المجلس اعادة احياء الدستور مع التعديل بما يلائم مقتضيات العصر ؟!     

       - لماذا لم يختار البناء على ما هو قائم بدلا من البدء من نقطة الصفر ؟!

      اما كان ذلك يغني عن انتظار لجنة الستين التي طال انتظارها لانجاز دستور  ، والتي حسب المعطيات المسربة من المستبعد ان تصل الى انجازه في القريب ، لا بل هناك من يستبعد اصلا انجازها للمهمة .!

      الاجابة في بطن الشاعر .. فهل بالإمكان تحري شيء منها ، فيما لو القينا نظرة على بعض مواد الدستور . ودون تعليق :

المادة (10)

( لا يجوز الجمع بين الجنسية الليبية وأية جنسية أخرى ).

المادة (12)

( الحرية الشخصية مكفولة وجميع الأشخاص متساوون في الحماية أمام القانون ) .

المادة (14)

( لكل شخص الحق في الالتجاء للمحاكم وفقا لأحكام القانون ) .

المادة (15)

( كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا في محاكمة تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه وتكون المحاكمة علنية إلا في الأحوال الاستثنائية التي ينص عليها القانون ) .

المادة (16)

( لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه أو تفتيشه إلا في الأحـوال التي ينص عليها القانون ، ولا يجوز إطلاقا تعذيب أحد ولا إنزال عقاب مهين به ) .

المادة (17)

( لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها ، كذلك لا توقع عقوبة أشد من العقوبة التي كانت نافذة وقت ارتكاب الجريمة ) .

المادة (18)

( لا يجوز بأي حال إبعاد ليبي من الديار الليبية ولا يجوز أن تحظر عليه الإقامة في جهة ما أو أن يلزم بالإقامة في مكان معين أو منعه من التنقل في ليبيا إلا في الأحوال التي يبينها القانون ) .

المادة (19)

( للمساكن حرمه ، فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه ) .

المادة (20)

( تكفل سرية الخطابات والبرقيات والمواصلات التليفونية وجميع المراسلات على اختلاف صورها ووسائلها ، ولا يجـوز مراقبتها أو تأخيرها إلا في الحالات التي ينص عليها القانون ) .

المادة (21)

( حرية الاعتقاد مطلقة وتحترم الدولة جميع الأديان والمذاهب وتكفل لليبيين وللأجانب المقيمين في أرضها حرية العقيدة والقيام بشعائر الأديان على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب ) .

المادة (22)

( حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل ولكن لا يجوز إساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافي الآداب ) .

المادة (23)

( حرية الصحافة والطباعة مكفولة في حدود القانون ) .


      بالأمس .. شكلت الشرعية الدستورية نقطة التقاء ووفاق ، للخروج من حالة التشرذم ، القبلي ، والجهوي ..  ويبقى السؤال . من عساهم سيختارون ؟  أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة ؟ ..  وان الحرب الاهلية اعظم الشرور .

17‏/01‏/2015

من المدرسة الى المعركة

 

 

    " من المدرسة الى المعركة " كتاب صدر حديثا يروي جانبا مهما من تلك المآسي التي ظلت طي الكتمان لأكثر من ربع قرن من الزمان ،  ومنها قصة : اختطاف طلبة مدرسة النصر الثانوية بمدينة مرزق ، فزان ، صباح يوم 26 / 12 / 1986 م .  ودون معرفة ذويهم أجبروا على ركوب الحافلات ، الى مطار سبها ، وعلى مدرج المطار ارتدوا الملابس العسكرية ، وعلى متن طائرة النقل العسكرية وجدوا انفسهم في مطار قرية اوزو الحدودية جنوبا ، وبعد 10 ايام نقلوا بالطائرة مرة اخرى الى الجبهة الامامية للحرب ، قاعدة " وادي الدوم " بالأراضي التشادية .  رحلة القرصنة والمعاناة التي تلتها يوثقها احد الضحايا الطالب عبدالله صالح محمد ، عدد المختطفين  250 طالبا ، ومع توالى نكبات الهزائم في المواقع المتقدمة ، " فادا " ، " بئر  كوار " ، جاء الدور على قاعدة وادي الدوم الحصينة ، والتي تجاوزت تقديرات تجهيزها خمسة مليار دولار ..  لا كتب ، لا جرائد ، لا اتصالات ، وعيون تتربص ليل نهار ، الإصبع على الزناد ، وحداثة التجربة  .

       في مساء يوم 22 / 3 / 1987 حدثت الطامة الكبرى ، دوى صهيل الانفجارات حول القاعدة والمطار حيث كان يرابض ذلك التلميذ ، عمره 17 عاما ، صحبة زملائه ، اعلى التبة ، بحوزتهم رشاشة متوسطة ، ما ان دوى شررها حتى اغترفت قذيفة الرشاشة وعدد ثلاثة من زملائه ، حاول اسعافهم وزميله الاخر ، لكنهم لقوا حتفهم في الحال ، انسحب نحو طرف المطار ، حاول امتطاء عربة تركها جنود اخرين ، لكنها هي الاخرى اصيبت ، وانتهى امرهم للبحث عن ملاذ ، القاعدة مسورة بالألغام ، والمسالك السرية لا يعرفها سوى القليل ، وبعد لآي وبمساندة جنود اخرين تمكنوا من الفرار سويا .. تاهوا بالصحراء بعد قطع مسافة 50 كم ، انهكه التعب ، قرر وزميل له التخلي عن مواصلة الرحلة ، ليقع في الاسر .  

     تمكن من الهروب بعد أثنى عشر شهرا . بمساعدة احد الجنود الذي رق لحاله وقد كلف بأعمال الطبخ والتنظيف ، وظل يتنقل في الخفاء بين قرى ووديان شمال تشاد ، قورو ، فايا ، ازوار ، برداي ، زموري ، ومن هناك ، ولمسافة 75 كم ، راجلا صحبة الدليل ، نحو اوزو التي لا تزال حينها ضمن التراب الليبي ، وبها قاعدة عسكرية . السير ليلا ، صعود الجبال ، مهاد ووهاد ، الهمسة ضجة ،  الجوع ، العطش ، القلق ، الخوف من الوقوع في قبضة الجيش التشادي مرة اخرى ، خطر الالغام ، اشياء لا حصر لها .. هواجس ومشاعر مختلطة واكبت رحلة فتى صغير يحلم ذات يوم بالرجوع الى وطنه الام .. يتأمل اللحظة التي تكتحل عينيه برؤية امه وأبيه .

  وأخيرا يصل على مقربة من القوات الليبية .. يشير اليه الدليل بالجبل والاتجاه ، فلم يبقى سوى 15 كيلو متر .. قطعها متوحدا .. لكنه فوجئ عند الوصول ، توقع ان يستقبل كبطل ، ربطت عيناه وأودع السجن ، ومن هناك الى سجن ابوسليم بطرابلس ، وبعد مضي شهرين ، اطلق سراحه .. رمي به عند محطة الحافلات طرابلس ، الى سبها ، ثم الى مرزق .. تجربة مليئة بالآلام والأحزان ، ولحظات الفزع والرعب .. " ما بكيت في حرب وادي الدوم ، ولا جوع " اونيقه " ، ولا تشريد " فايا " ، ولا عزلة " زوار " .. لكن السجن الانفرادي ابكاني " .. كتاب " من المدرسة الى المعركة " .. قصة مأساة جيل  ..  كتاب زاخر بالعبر .. يستحق عناء القراءة . 

سجنيات .. مأساة اجيال



    "  سجنيات " .. للاديب عمر الككلي .. خطرات قلب اضناه الالم ، تنهش بأظافر كليمه ذكريات تسع سنوات خلف القضبان ،  تمزق احشاء الزنازين والجدران ، تستدعى اسماء رفاق الدرب ، ادباء وكتاب ليبيين ، تجرعوا سقم المأساة ذاتها .. يطلق العقال لزوابع من الاحاسيس تتفجر ينابيع من المشاعر الدفينة في ركام الذاكرة . " خفقان اجنحة في القفص ، .. حبكة القهر في لعبة غير ممتعة تفرضها الجدران المحيطة بالجميع ، وذلك الزمن المجتزأ من الحياة " ، كما يصفها رفيق الزنزانة ، الاديب سالم العوكلي .

     بأسلوب ادبي راقي ، مفعم بعبق السخرية البادخة ، التورية ، الاستعارة ، الكناية ، ينصرف الككلي بادواته المتعددة المتنوعة في رسم الكلمات  ، ينحت لوحات مجتزاة من حركة الاحياء الاموات ، السجان والسجين ، الجلاد والضحية .. والوطن .. ليبيا.

  التهكم سلاح اخر ، ينال مقت الجلاد وقسوته حد المدح ، "  يمارس التعذيب بضمير تكنوقراطي !. إذ يقوم بوظيفته دون ان يوجه الى الضحية .. أي نوع من الايذاء المعنوي ، انما ينكب على عمله في عناية وإخلاص وصمت ، الى ان تلين المادة وتستوي ، وتصير جاهزة لأن تستلمها جهة اخرى " . ثمة فرق بين جلاد وأخر ، او لكأن عقدة "ستوكهولم " اصابت بعض الضحايا مع طول الامد والعشرة ، فأشفق على حال الجلاد وبؤسه . 

   الروائح النتنة الكريهة ، اكتظاظ المكان ، وتوالي الرواد ، في سؤال السجين الجرئ " لماذا اخذت كمية الطعام التي تمنحونها لنا تتناقص ..؟  رد العريف .. بهدوء ، وهو يضرب الغارف مكفيا على الصحن : كثرت امة محمد ! . 

     ينال منه العجب لحال صديقه وهو يكتم صراخه عندما يأتي دوره في وجبات الفلقة والإذلال ، حارما اياهم من التشفي به ، وعندما صاح به السجان ان يتوقف ، وقد همس مغمغما " قد تقف الاسود للهررة " . ويوم تلاوة الحكم ( غير القضائي ) : حكمت المحكمة بالسجن المؤبد .. تعالت خفقات قلبه بتسارع شديد ، حتى كاد ان يهتف بأعلى صوته ( يحيا العدل ) .

   تعتصره المساحة الضيقة ، فيتفحص  الجدران الكالحة الواجمة ، بحثا عن اثار من سبقوه . يقتفي في كتاباتهم ، سجل المكان الآسن .. والوطن الاسير .

    وفي حلقة نقاش تعالت اصوات رفاق الدرب .. هم السجان بنهرهم .. وسؤال : " شن كنتوا تقولوا ؟ عم الصمت ، تقدم صديقه بجرأة ، مسافة معقولة من الكوة .. كنا ، يا سيدي نتناقشوا في انبجاسات الهيمنة السديمية المقترنة باضطرابات ارتجاعية في المجتمعات ذات البيئة المتراكزة حول الانسداد القيمي .. قال الحارس بهدوء : باهي : غير تناقشوا بالشوية ." .  

      ستة عشر شخصا في زنزانتين خاليتين من الاسرة ، حشايا على البلاط ، وكالعادة في مواجهة الغزاة  .. لا يتخلف عن مشاركة زملائه في مذبحة جماعية لسحق الصراصير بالنعال .

     ألمه صفع السجان لزميله كفين ماكنين دونما سبب ، وقد بلغ من الكبر عتيا ، العجز لم يسعفه بردة فعل .. ضحك .. " ثارت ثائرة العريف الارعن وعلا جؤاره : تضحك ؟ٌ! .. ايش تبيني ندير ، بيكي ؟. دمعتنا مش لك . دمعتنا غالية داسينها للاحباب !.

   صباح يوم  3 . 3 . 1988 .. سمح لذوي السجناء بزيارتهم  .. اخ رفيق له ، يحتضنه مجهشا بنوبة بكاء .. تعالت عبراته .. خامرته شكوك .. ثم يلتقي بأخيه ..علامات الاسى والحزن تعلو وجهه ، يسأله : " عودنا انفسنا على توقع المساوئ ووطناها على تقبل اخبار المصائب " هات ما عندك .. ينفي .. وفي الداخل يبادره اخ الرفيق " شد حيلك يا عمر .. والدك اعطاك عمره " .

   تمر الايام ، وتأتي لحظة الخروج من الاسر ، اربع سنوات لم تكتحل عينيه برؤية امه ، الشيخوخة امتصت تألقها ، ينحني .. يحتضنها .. الدوام لله .. تجيبه بصوت يصارع الارهاق والهموم .. عظم الله اجركم .. انا امك يا عمر .

  " سجنيات " للاديب عمر الككلي .. رحلة الالم المضني .. ذاكرة شعب .. مأساة اجيال .. كتاب يفرض على المرء قراءته .

11‏/01‏/2015

طرق وعرة





  ماذا اقرأ الان ؟
   اقرأ حوار فايدروس وسقراط على لسان افلاطون ، وايهما اولى بالشفقة .. من احب ، ام من لم يتورط في الحب ؟
    على ضفاف البحيرة .. ظل ونسيم عليل .. تعال نستلقي على الحشائش .. نمرن ذاكرتنا .. ألا يروقك الهواء هنا ؟ أليس رقيقا الى ابعد حد ؟
سقراط على طريقته في توليد العقول يستدرج فايدروس .. ليدلي له بفحوى خطاب لوسياس ، ثناؤه لبلاغته وعمق معانيه .. وما دونه عنه ، وفرضية يطرحها الخطيب لوسياس .. ملخصها .. ان من يتورط في الحب اولى بالعطف ممن سلم منه .. وعن تفضيل من سلم من الحب على المتيم .. اذ المحبين سرعان ما يندمون على ما قدموه من خير في اليوم الذي تنتهي فيه رغبتهم .. في حين ان الاخرين من غير المحبين لا يأتي عليهم الوقت الذي يظهر لهم فيه هذا الندم . فهم لا يتصرفون مدفوعين بضغط معين ، بل يكونوا اكثر حرية .. اضف لهذا ما يضيعه المحبين من مصالح ، وما يتكبدون من خسائر ومشقة ارضاء لمحبيهم .. وما اذا اخذتهم المغالاة في الاهتمام الى الحد الذي يجعلهم يلحقون الضرر بمن سبق لهم ان احبوا ان راق لمحبوبيهم الجدد .
وبمعنى ما .. الحب وقد اضحى محنة تشتت فكرهم .. وتظلل احكامهم وهم يبالغون في الثناء . كما ان هناك من المحبين من يجعلون شهوة الجسد هدفهم الاول . ومن المحتمل ان تنتهي علاقتهم يوم الانتهاء من ارضاء شهواتهم ، وتنطفئ جذوة الحب يوم تذبل النضارة .. كصداقة الذئب والحمل .. وينتهي من كل هذا ، الى انه اولى بنا ان نشفق على هؤلاء المحبين لا ان نحسدهم .. والواجب يقضي علينا ان نولي عطفنا لهم ، وان نحسن معاملتهم لتخليصهم من بؤسهم .
   يتسأل سقراط وقد انصت بإمعان : كيف هذا ؟ ايتحتم علينا ان نمتدح هذا المقال لان مؤلفه قد قال ما يجب ان يقال ؟ ام بالأحرى لان لغته واضحة وعباراته محددة ملائمة ؟
الامر يتوقف عليك .. بلاغته وهذا امر لا يكفي لإرضائي .. ثمة احكام تصدر عن العقل ، هي عين الاعتدال والاتزان ، وأحكام عن الشهوة ، تعد افراطا وتطرفا .. اغسل قلبك بالماء العذب لتجلو تلك المرارة القابضة في الحديث . وذاك الهوس المتخم بقصائد شعر ، الذي ما ان صادف نفسا طاهرة رقيقة ايقضها فاستسلمت لنوبات ملهمة . فالنفس في طبيعتها مجنحة تحب التحليق ، ما يمكنها من رفع الحمل الثقيل والارتفاع به ، اجنحتها تتغذى وتسمو بصفات الحكمة والجمال والخير ، وفي المقابل تضمر وتتلاشى بانغماسها في الشر والدناءة .. بل هي اشبه بمركبة مكونة من جوادين مجنحين وسائق يقود .. العربة غير متجانسة الاجزاء لان السائق يقود زوجا من الجياد ، احد الجياد اصيل ، اما الثاني فهو على العكس من ذلك سواء في طبيعته او في سلالته ، ما يعني : ان مهمة السائق تصبح شاقة مضنية .
   الطريق وعر .. ومعاني جمة اكثر سموا تزخر بها محاورة فايدروس لافلاطون .. تستحق عناء التروي في القراءة .. ولا يكفي نهش صدر الكتاب كما الحال هنا .. ما يستدعي عودة اخرى للتدوينة .
-----------
   الصورة المرفقة ليست اثينا 450 ق م .. بل طريق اوباري غات بقزان .. هو الاخر طريق وعر يستدعي التروي والانتباه

04‏/01‏/2015

ماذا اقرأ الان ؟


 

ماذا اقرأ الان ؟

اقرأ .. من انت ؟ من اين جاء العالم ؟

   درس في الفلسفة للمعالجة بعناية كبيرة .. كثيرون يفضلون القراءة ، لكن كل شيء متوقف على ما نقرأ .. يمكن الاكتفاء بقراءة الصحف ، لكن هناك قضايا يجب ان تشغل اهتمام كل الناس .. ان نعرف من نحن ؟ ولماذا نعيش ؟ قراءة ما فكر به الاخرون يمكن ان تساعدنا على تشكيل حكمنا .. في كل الحالات يظل هناك حل .. انها قصة عادة .. ما هو الممكن فعله في هذا العالم اولا .. الحياة لغز كبير .

    اقرأ رواية " عالم صوفي ".. قصة الفلسفة .. اضع خطوط بالقلم الرصاص لخلاصات ..للاسف لا زلت اقرأها ولم انجز قراءتي .. كل ما هناك انطباعات اولية .. صوفي تلميذة يانعة تتوق للمعرفة ، تفاجأ بتلقيها لرسائل متوالية ، تطرح عليها الاسئلة التي تساعدها على اعمال العقل والتفكير ، تتركها في حيرة ، تنتظر الاجابات في رسائل تالية ، تتدرج الاجابات وتنساب مفصحة عن تاريخ الفلسفة والفلاسفة . من الاسطورة والركون للميثالوجيا ، الى اعمال العقل والتفكير .

   الاسئلة الفلسفية تخص كل البشر ، إلا انهم لا يصبحون جميعهم فلاسفة .. لان اغلب الناس مشغولون بحياتهم اليومية .. لقد غرقوا نهائيا في الخدر الذهني الهادئ لروتينهم اليومي .. الفيلسوف انسان لم يستطع يوما ان يتعود على العالم .. وحدهم الفلاسفة يمتلكون شجاعة السير في الرحلة الخطيرة التي تقودهم الى اقصى حدود اللغة والوجود .. نحن نطوف الفضاء .. لا احد ينتبه لتحذيرات الفلاسفة .. الافضل ان اتحدث عما اعرفه جيدا .. الاساطير تحاول ان تقدم جوابا عما لا يستطيع الانسان فهمه .. التصور الاسطوري للظواهر الطبيعية .. العاصفة رحلة الاله .. الشياطين قوى الفوضى .. التوازن الهش بين قوى الخير وقوى الشر .. وعندما تنام الاسطورة على ورقة ، يمكن انت تصبح موضوعا للمناقشة ، وهذا ما فعله فلاسفة اليونان ، هيزيود ، هوميروس ، وفي مقولة الفيلسوف كزينوفان 570 ق. م : " لقد خلق الناس الالهة على صورتهم " ، نقد الميثالوجيا القديمة ، اذ لا يمكن للبشر ان يظلوا مكتوفي الايدي منتظرين تدخل الالهة ، ان مسئوليتهم ان يبادروا ويملكوا زمام الامور ويخوضوا معركتهم ضد قوى الشر .. اسئلة الذات الحائرة ، تجد اجاباتها في النقلة من نمط التفكير الاسطورى الى نمط التفكير المبني على العقل والتجربة .

    الفلاسفة الطبيعين .. لابد للاشياء من اصل واحد هكذا اعتقد الفلاسفة الطبيعيين ، الماء ، التراب ، الهواء ، النار ، طاليس ، اناكسيمانس ، بارمنيدس ، هرقليطس ، امفيدوكليس .. حركة الاضداد والتغير المستمر .. امتزاج وانفصال ، الطبيعة في تحول دائم ، ثم انكساغوراس وفكرة الجزء الذي لا يتجزءا ، وسؤال ما اذا كان علينا ان نصدق ما يقوله لنا عقلنا ؟ ام نثق بحواسنا ؟

    وجدت صوفي ان في الفلسفة حقا شيء عبقري ، ذلك انها تستطيع ان تتابع كل هذه الافكار بعقلها هي ، دون ان تسترجع ما تعلمته في المدرسة . ووصلت الى استنتاج ان الفلسفة ليست شيئا يمكن تعلمه ، وإنما يمكن تعلم التفكير ، بطريقة فلسفية .

    ثم درس الفيلسوف ديمقريطس ، كل شيء مركب من عناصر صغيرة جدا ، غير قابل للتجزئة " ذرات " . ولو كان للذرات ان تستمر في التكسر ، لانتهى الامر الى ان تفقد الطبيعة كثافتها . تتفكك وتتبعثر وتعود لتتجمع وتتشكل من جديد . لم يلجأ ديمقريطس الى أي قوة او روح لتفسير الظاهر الطبيعية واعادة التشكل ، بل الحتمية في قوانين الطبيعة ، لذا نسميه بالمادي .

    نمط اخر من التفكير او التفسير ساد لدى بعض الاغريق ، الاهتداء بالعراف ، والكاهن ، اعتقادا منهم بان مواقع النجوم في الفضاء تؤثر على حياة الناس على الارض . وان القدر المحتوم يحكم مصير مستقبلهم . تفسير شيء يفلت بطبيعته من كل تفسير .

    وسط كل تلك المحاولات لتفسير ظواهر الطبيعة ، انبرى علم جديد مهمته ايجاد الاسباب الكامنة وراء مجرى الحوادث ، والمتحكمة بمسار التاريخ ، اشهر رواده هيرودوت ( 484 – 424 ) .

    المرض على سبيل المثال كان ينظر اليه على انه ظاهرة فوق طبيعية ، وعقاب الهي ، او وقوع تحث التاثير السيئ للنجوم . وبينما كان فلاسفة التاريخ يفتحون الطريق امام انماط جديدة من التفكير ، ولدت رؤية جديدة للطب على يد ابو الطب الاغريقي هيبوقراطس ، وقد نبه الى ان الحالة الصحية الجيدة هي الحالة الطبيعية ، وعندما نقع مرضى ، يكون قطار الطبيعة خرج عن سكته . حالة فقدان توازن ، لذا فالطريق الى الصحة هو الاعتدال . وللمهنة اخلاقياتها ، وقسمها الذي دشنه واملاه على تلاميذه :

 

    لقد شكل فلاسفة الطبيعة محطة القطيعة مع العالم الاسطوري ، وجاء الدور لفلاسفة اخرون ، اكثر شهرة وثراء ، سقراط ، افلاطون ، ارسطو . فلاسفة اثينا التي اصبحت تعج بالحياة الثقافية منذ 450 ق . م . واتجه البحث الى الانسان وموقعه في المجتمع ، والى السياسة ، والمشروع الديمقراطي الذي يشترط ان يكون الانسان مستنيرا كي يساهم فيه . وما يحتاجه من التربية الشعبية ، وكان الاساس اتقان فن الحوار ، الجدل . وغمرت اثينا طائفة من اساتذة الفلسفة القادمين من المستعمرات ، اطلق عليهم اسم " السوفسطائيين " اى المثقف الكفؤ . يشاطرون الفلاسفة الطبيعيين في نقذهم للميثولوجيا ، لكنهم يرفضون ما يبدو لهم مجرد تأمل دون وجود محسوس ، وانه مهما وجدت من اجابات للاسئلة الفلسفية ، فإن الانسان لا يستطيع الوصول الى اليقين التام فيما يخص الغاز الطبيعة والكون . " الشك الارتيابي " .

    الانسان مقياس كل شيء ، هذا ما يقولة استاذهم بروتاجوراس . الصح والخطأ ، الخير والشر ، تحدد بحسب حاجات الكائن البشري . وهو ما حدا بسقراط الى مقارعتهم والقول بوجود معايير مطلقة تناسب جميع الناس .

    لم يكتب سقراط حرفا واحدا ، وكل ما بلغنا عنه من افكار كانت بلسان تلميذه افلاطون ، يكمن سر فعاليته في انه لم يحاول تعليم الناس ، بل كان يعطي الانطباع بانه يريد ان يتعلم من محدثه ، يناقش ويحاور ويطرح الاسئلة ، ثم يرتب الحوار بشكل يجعل محاوره يكتشف مثالب تفكيره . مهمته في هذه هي توليد العقول ، فالمعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من داخل كل منا دون ان يستطيع احد قذفنا بها . مهمته مساعدة الناس على التفكير وشحذ عقولهم ، من خلال الحوار ، وكان ينتقد الظلم وغياب العدالة ، واساءة استعمال السلطة ، ويرفض المشاركة في حضور اعدام مواطن ، او ان يكشف عن اسماء المعارضين السياسيين ، وقد كلفه ذلك حياته . اتهم بأنه ادخل الهة جديدة ، وافسد عقول الناشئة ، فحكم عليه بالاعدام . كان بامكانه ان ينجو من الاعدام لو انه قبل بمغادرة اثينا ، لكنه اصر على البقاء مؤكدا انه كان يعمل للصالح الاجتماعي .

    الفيلسوف هو الذي يعي دائما انه يعرف القليل القليل . يحاول بلوغ المعرفة الحقيقية . سقراط كان واحدا منهم ، لم يكن يعتبر نفسه مثقفا وعالما ، ورفض تقاضي مالا مقابل تعاليمه . بينما كان السوفسطائيون يقبلون اخذ اجر لقاء تعليقاتهم المتراوحة في دقتها ، وهؤلاء موجودون في كل زمان ، متبجحون بمعرفتهم لاشياء لا يملكون ادنى فكرة عنها . زد على هذا ، ادعاء المعرفة واعلان ذلك على العامة ، قد يكلف صاحبه حياته . ومع ذلك حرص سقراط على ان يحدد نهائيا وبوضوح كل ما هو صحيح وكل ما هو خاطئ ، وفي اعتقاده ان القدرة على التمييز بين الخير والشر تكمن في عقل الانسان ، لا في المجتمع . اذ من المستحيل على الانسان ان يكون سعيدا اذا تصرف على عكس قناعاته . هناك من يمضون وقتهم في السرقة ، انهم يعرفون ان هذا سيء وغير مبرر ، هؤلاء ليسوا سعداء حقا كما يعتقد سقراط .

    اثينا مهد الحضارة الاوربية .. ومن ساحة السوق حاور سقراط اهلها ، ومنها نحثث مفاهيم عدة .. السياسة ، الاقتصاد ، الديمقراطية ، التاريخ ، البيولوجيا ، الفيزياء ، الرياضيات ، المنطق ، اللاهوت ، الفلسفة ، علم النفس ، المنهج ، النسق ، الفكرة .. انه لحدث رهيب عندما اقدمت اثينا على الحكم بالموت على الرجل الاكثر نبوغا وسموا فيها .. وتستمر احداث الرواية .. تتنقل بين حقول الفلسفة .. من عصر الاسطورة .. الى الفلسفة المعاصرة . مرورا بالحديثة .

    لا زلت اقرأ .. ولا اظنني سانجز تدوينتي قريبا .. اقرأ على مكث .. يسرح العقل والخيال بزواريب الوطن .. تختطفه انهار الدماء .. وشبكة الانترنت .. والى ان يذوب الثلج دموعا ، وتصعد الشمس في السماء فتجفف كل الدموع .. قد اتمم قراءتي .. عندها .. اعود لنسج تدوينتي .. كل ما هناك الان .. عالم صوفي .. رواية تفرض على المرء قراءتها .

عابد