20‏/06‏/2015

مذكرات الأمير عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة



    مذكرات اخر ملوك غرناطة الزيريين ابي عبدالله الصغير الذي سلم غرناطة الى الملكين الكاثوليكيين يوم 2 كانون الثاني 1492م ، تعطي صورة مخالفة للمعهود عن المعرفة بالاندلس والاندلسيين ، ولعلها - وهذا اهم - تساعد في فك شفرة الرقي المعرفي والخصب الثقافي . ومستوى وعي الامير بقضايا عصره .
      يكتب يومياته بعد ان عزل عن عرشه واصبح طريدا في العدوة الجنوبية ، حيث مدينة فاس .. خلجات نفس تتحسر على ملك قد ضاع .. " بعبق الذكرى الضائعة .. اربعا وستين سنة في فاس .. ولد في عرش آيل للغروب .. محن المحيط الذابل .. " شتمت على انني من ضيع المملكة ومع ذلك لم ينشغل احد بالحقيقة " .. " لم اكن لا الان ولا في اي وقت مضى من قرر المعارك  .. مات املي قبلي ، ما بقى لدي منه متواضع جدا "
     " مثل عصفور يستريح فجأة ثم يتلوى ويتمطى .. اتحدث عن اقدم هاجس للانسان .. هاجس ان يكون محميا .. كي لا بقى وحيدا ضائعا وسط الليل .. ومضة تعبر وتختفي .. جلبات غير مفهومة ، يختلط بعضها ببعض .. نهيق متطاول  لم يعد بالامكان كبحه.. عشرة كلاب تنبح والقرية ساكنة.. اشعر بوخزة في خاصرتي ، تصعد الى حنجرتي  تراني اكتب كي أؤجل الوداع ؟ ..  يؤكدون ان التاريخ يكرر نفسه ، وهذا ليس صحيح ، الذين يتكررون هم المؤرخون .. ان اي تاريخ لا يمكن ان يحكى قبل ان ينتهي  "
    احيانا كتبت وعدت الى ما كتبت ، واخرى عبورا ، كمن يتقيأ رغما عنه .. اشياء هي من الكثرة بحيث انني لن استطيع ان اعدها لك حتى ولو لم اسكت في حياتي .. بحر السياسة الهائج .. الحاكم الجيد يجب ان يكون اكثر الرجال علما وذكاء .. عظمة اي شعب تبرز في الاحترام الذي يكنه لأعدائه .
     نظرة الاندلسيين الى الدين ليس اكثر من مسألة طقوس .. " اخاف المتدينين الحقيقيين ، لانهم كثيرا ما يتحولون الى متعصبين . يذكر بالمرابطين وقدومهم الاندلس ، " فقد كانوا بالنسبة الى ثقافتنا وهدوئنا مثل المطرقة " .
في جواب للطبيب اليهودي ابراهيم عن سؤال الأمير ابي عبدالله الصغير اخر ملوك غرناطة   .. نستشف روح التعايش والتقارب ، بل الكتاب بمجمله يعطي صورة ايجابية للقبول بالاخر رغم الخلاف العقائدي الديني ، هذا المناخ الهادئ سمح  للعبقرية الاندلسية ان تزدهر ، وللابداع ان يتجلى في شتى انواع المعارف .  السؤال كان حول الأديان السماوية الثلاث ، ومناحي التناقض والاختلاف ؟
   يجيب الطبيب الذي يحتفظ بايات التوقير للامير الصبي : " ربما ليست هي المتناقضة ، وإنما نحن . من هنا يأتي خطر الهرطقة . فبعد ان نفي الشعب اليهودي الى بلاد بابل الذي لم يكن لنا فيه دور ، لأننا لم نكن أحرار ، .. برز بين اليهود الخوف من الذوبان والاندثار كشعب ، نظرا لأهمية المنتصرين .. الهلينية .. كانت غايتنا الأساسية هي الاستمرار والحفاظ على أنفسنا كشعب له مميزاته الخاصة وفردانيته . لذلك كان الإصرار على كل الأشياء ، على التحريمات ، وأوقفنا التطور .. لقد اثبت صحة مخاوفنا ، كان باستطاعتنا ان نقبل عقيدة المسيح لكن أتباعها اللطيفين جعلوها متناقضة مع الروح العبرية ، .. شعبي أضاع أرضه الموعودة . اضطررنا ان ندافع عن أنفسنا ، ان نجمع أنفسنا ، وان ننغلق حول حاخاماتنا : كان التلمود وطننا البديل عن ارض الوطن ، كما كانت سفار اد أي الاندلس ، منذ قرون كثيرة .  يا بني ، لقد اضطر الشعب اليهودي لان يقاتل على امتداد التاريخ كي يبقي نفسه . ديننا ليس عقائديا مثل المسيحية ، ولا ناظما للسلوك مثل الاسلام ، ديننا سياسي . صار مجرد سياسة . انتم والمسيحيون تعتقدون انكم تدفعوننا وتحصروننا في حي ، في جالية ، هذا ليس صحيحا : نحن الذين نحصر انفسنا ليحمي بعضنا ظهر بعض ، لنتحصن ، لاننا بحشرنا لأنفسنا ندافع عن أنفسنا بشكل أفضل من العدوى والتسلل ، ونصان بشكل افضل من التغير .. ان تكون يهوديا يا ابا عبدالله يعني ان تقاتل بلا هوادة كي تبقى كذلك بالطريقة الأكثر صرامة  .  ولأننا نحاول بأي ثمن ان لا نهضم ".
  الكثير من الحكم النابضة بتجربة حياة فريدة يدبجها بين السطور : " كانت في العالم سيدة وخادمتان ، الثقافة والسياسة والاقتصاد ، فاستطاعت الخادمتان ان تسرقا السيدة " الثقافة " مكانها لتحلا محلها ، ومهمتنا نحن المثقفين هي كيف نعيد السيدة الى مكانتها والخادمتين الى عملهما . ذلك و هاجس الروائي انطونيو غالا ..  العرب لم يغزوا الاندلس ، ولم يفتحوها عسكريا ، بل ثقافيا .. القوة تلغي ولا تقنع " .

    كتاب .. يوميات اخر ملوك غرناطة .. نافذة لتحري الاسباب الكامنة وراء زوال مملكة ومجد دام لاكثر من ثمانية قرون .. كتاب يفرض على المرء قراءته .