22‏/10‏/2015

سجينة طهران


 

     كلمات متخمة بالجراح  .. مشاعر تفيض حزنا دفين .. كتبت بعد مرور ربع قرن على مرور المحنة .. في ديار الغربة .. بعيدا عن ثرى الوطن .. كتبت بعدما عجزت عن كبح جماح الذاكرة .. كي تنسى .. رعب اللحظات .. ما انفك يطاردها .. ( مارينا نعمت ) .. رواية "  سجينة طهران " .. تحكي قصة الثورة الاسلامية في ايران .. شاهد عيان .. عهد النقلة .. من حكم الشاه .. الى حكم الامام .    



    صورة عسيرة المتابعة . صوب الجنود بنادقهم نحو الحشود واطلقوا النيران ، فاخذ الناس يفرون .. ورأيت بعضهم يسقط على الارض . ألقى الجنود بالجثث فوق شاحنة عسكرية ، وللحظة ... اشعر بالالم والفزع ، لم استطع ان انطق ، ولا ان ابكي .. اخبرت نفسي ان ذلك ربما كان محض تخيل .. كانت عيناه مغلقتين وفمه مفتوحا قليلا ، وقميصه الابيض ملطخا بالدماء .. شعرت ان صخرة قد سحقت صدري .. تمنيت لو كنت معه لحظة وفاته عندما كان خائفا وحيدا .. نظرة خاوية ذاهلة ..  احاول ادراك الهوة القاتلة التي خلفتها الموت . والسقوط الرهيب في هاوية المجهول . والانتظار المفزع لأن تصطدم بالارض الصلبة وتتمزق اشلاء صغيرة .. الانكسار .. توقف عقلي ولم استطع التفكير .. الاسى الذي يجتاح نفسي يتزايد سريعا .. سيدمر روحي ويحولها الى عدم .. حزني فصلني عن العالم ، .. قلت بصوت مرتفع " لقد مات " ، ولدي امل في ان يساعدني قولها على فهم ما حدث .. يا للبشاعة .. حرقة في صدري .. انطلقت من حلقي صرخات حادة .. ازداد الامر سوءا .. لما يموت الناس ؟ لما ياخذ الموت احبابنا ؟ .         
     اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا .. نظرت حولي ، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب اغلق الى الابد .. هناك الكثير من القصص التي لن تروى ابدا .. ما اخر شيء فكروا فيه قبل ان تغادر ارواحهم اجسادهم ؟    

  من حقهما ان يعرفا اين دفن ، ومن حقه ان يدفن في قبر لائق .   



    ظلت حرية التعبير قائمة بضعة اشهر بعد اندلاع الثورة ، صحف .. مناقشات سياسية .. جماعات سياسية محظورة في زمن النظام السابق ، لكنها ظلت تعمل سرا عدة سنوات .     ان المجاهدين كانوا ماركسيين ظلوا الطريق واعتنقوا الاسلام ... مسلمين اشتراكيين يؤمنون بأن الاسلام بوسعه ان يقود البلاد نحو العدالة الاجتماعية ويحررها من التغريب .     

   كلاهما اراد تحقيق العدالة للجميع وبناء مجتمع تقسم فيه الثروات بالتساوي ، ولكن اساليبهما اثبتت خطأها على ارض الواقع .. الشيوعية لم تنجح .. والخلط بين الدين والسياسة امر ينطوي على خطورة .. اي شخص ينتقد الحكومة الاسلامية سيعتبر مناهضا للإسلام ، ومن ثم عدوا لله .. لا يستحق هؤلاء الاشخاص الحياة ما لم يغيروا طريقة تفكيرهم .    

   قبلها .. لم تكن معتقدات الناس وإيمانهم مشكلة قط .. الان يبدو ان العالم قد انقسم تيارات مائجة .. ولم اكن اتفق مع اي منها .. لم انتم .. مما خلف لي شعورا بالوحدة والضياع ..  

  ملامح النضج المشوب بالحزن .. يقلق من كل شيء .. تتيح للجماعات السياسية ان تقول وتفعل ما تشاء حتى يتسنى تميز الاصدقاء من الاعداء .. عاجلا او اجلا سوف يلقون القبض على كل من فعل شيئا .  



      والدي يقرأ الصحف .. على وجهه نظرة جادة يطالبني فيها بعدم الازعاج .  

                توخي الحذر ....       

         قفز على الثورة .. ركل بقدمه الديمقراطية التي اجلسته على الكرسي .. مثل منديل ورق بال ادى وظيفته ، وما عاد له إلا صندوق القمامة  .  

    ترفق بهم القدر وتمكنوا من السلطة ، خرجوا ليذيقوا الويل مضاعفا للشعب الذي حررهم .. ولكل من يفكر في لفظ كلمة " لا" للفاشية باسم الدين .. ان تقول لا حين خنع الناس واطمأنوا بقولة نعم .. خطيئة سياسية .    

   الاحلام الموؤدة لجيل من الشباب شاخ قبل الاوآن .. مرهقة بالدموع .. الخوف افضع السجون على الاطلاق .   

   شلال الذكريات الحزينة .. حين لم تستطع ان تنسى كان الحل في ان تتذكر .. تجارب حبيسة ذهن موجوع بأثقال المحنة .. كيف انقلب مجتمع منفتح الى شرنقة منغلقة .. احادية التفكير حين يظن انه امتلك اليقين كاملا .. واحتكر الطهر .. حلق عصفور ثم اختفى في الشجرة .. الصمت والظلام سيان .. غياب الصوت والضوء .. الحاضر متوقفا او مجمدا ، والمستقبل مقتولا غامضا مشكوكا في امره .. تزاحمت الكلمات في ذهني بلا معنى ، ولم استطع تكوين جملة مفيدة .. موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا بؤسا .. لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي .. رائحة الغبار احرقت انفي ، كتمت انفاسي كي لا اسعل .  



       اختفت كل الالوان ومظاهر البهجة .. الناس .. ينظرون للاسفل وهم يسيرون في الطريق كأنهم يتجنبون النظر الى بعضهم الى بعض والى المناظر المحيطة بهم .. كادت كل الجدران تعلوها شعارات تنمي الشعور بالكراهية .   

      فكل ما ارجوه في الحياة والموت ، روحا طليقة ، وشجاعة كي احتمل .   

       ان السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا ..  

   " رواية " سجينة طهران " ..  رواية تفرض على المرء قراءتها .



....

بعض الحكي لاصآر معقود بالروح
تبقى معه زحمه مشآعر أسيره 
لاطايله مخرج ولا طايلهه بوح 
علّ وعسى كتمآنهآ يكون خيره
 شاعر خليجي