08‏/02‏/2016

وداعا فرنسا .. لن اكررها ثانية .






100

        



  
خير اللهم اجعله خير .. رأيت كما يري الناس في المنام .. وقد حطت بنا الطائرة على ارض مطار باريس .. عبرت المنافذ الجمركية دون تفتيش او احراج .. شرطي الجمارك سألني سؤال واحد فقط .. وعبرت .

– هل لديك تاشيرة شنغن ؟ اجبته : لا للأسف .. انا قادم من ليبيا .. سفارتكم هناك .. وجدتها مقفلة .. وكنت على عجل .

تفحص الجواز .. آه .. من فزان ليبيا .. اهلا وسهلا بك .. نقدر ظرفكم .. تفضل بالعبور .. وعبرت .. شكرت له حسن الاستقبال .. وكنت اخشى ان يسألني عن عدم تجديد مدة صلاحية جواز سفري .. لكنه لم يفعل .. وتيقنت انه على علم بما تعني زحمة .. تجديد .. اصدار .. تفعيل جواز سفر مواطن من فزان .. وعبرت .
      في اليوم التالي .. قصدت مكتب اللجؤ والهجرة .. غمرني مدير المكتب بحفاوة اخوية .. اهلا باخوتنا اهل فزان .. نادى على النادل .. وسألني ما قهوتك .. عربية ؟
– نعم عربية .
– قهقه قليلا .. نحن هنا نقول عنها قهوة تركية .
        وظللنا نتجاذب اطراف الحديث .. عن ليبيا وفرنسا وفزان .. ومستقبل العلاقات الاخوية بينما انشغل موظفون باستكمال الاجراءات .. وأخذنا الوقت لأكثر من ربع ساعة .. احتسينا قهوتنا سويا .. شيء من مؤانسة .. واستلمت جواز سفري الفرنسي الجديد .. وشكرت له حسن الاستقبال اكثر .. وقد خصني بـ ” جواز دبلوماسي فرنسي ” .. وغادرت .
       عند شارع الشانزليه .. تظاهرات صاخبة .. تشجب .. تندد بقدومي .. وبمنحي الجنسية الفرنسية .. من اخبرهم بقدومي .. استرق السمع .. كيف تسرب .. لا ادري .. قيل لي ..تيار يميني متطرف .. يهتف .. لا اهلا .. ولا مرحبا .. وتأسفت .
        في اليوم الثالث .. استيقظت مبكرا ..  توجهت الى المطار على الفور .. اتصلت بمكتب شركة الخطوط الجوية الليبية بمطار شارل ديغول  .. هل لديكم طائرة متجهة الى فزان هذا اليوم ؟

      – رد للاسف .. طائرة سبها غدا .. واوباري بعد غدا .. وتمنهت الاربعاء .. والخميس غات .
            وما هو اقرب موعد لطائرة متجهة الى ليبيا ؟ اجابني .

– طائرة سرت ستقلع بعد ربع ساعة .

وعلى الفور .. لم انتظر .. قررت العودة الى ارض الوطن .. وخلال سعات محدودة .. حطت بنا الطائرة على ارض مطار سرت العالمي .. وعند سلم الطائرة .. توقفت .. مزقت جواز السفر الدبلوماسي الفرنسي .. وقلت في نفسي .. وداعا فرنسا .. لن اكررها ثانية .

في مطار سرت كان في انتظاري صديق قديم .. ابوالقعقاع الليثي .. استضافني بمنزل العائلة .. وغمرني بحفاوة انستني ارق باريس .. وهجير فزان .. ومواصلة الرحلة .. ومرت الايام .. وتطاول الدهر .. وراق لي تمضية بقية حياتي في سرت .. فكرت .. واعدت النظر .. ولسعتني بعوضة .. قضت مضجعي .. قفزت من غفوتي في هلع .. برهة زمن .. وهدأت انفاسي اكثر .. عندما تيقنت ان ما جرى .. مجرد اضغاث احلام .. فلا فرنسا منعتني من دخولها بجواز سفر او بدونه .. ولا وجود لجناح يميني متطرف يندد بقدومي .. وحتى البقاء في سرت بقية حياتي .. ليس قراري .

ملحة لقاء


DSCF1457

     اشياء وأشياء لا حصر لها تتقاذفني .. مثخنة بالحرقة وجمر الواقع .. وبالضرورة الغاشمة العمياء .. ذات يوم .. وكنت هائم على وجهي .. والصحراء ملاذ الحزانى .. والزهاد الحيارى .. توارت معالم اجمات النخيل .. واختفت جلبة القرية والناس .. الرمل الناعم على مد النظر .. تسرب العطش والجوع ينهش احشائي .. انهك قواي .. وهززت راسي بقرف .. وتمتمت الشفاه .. انه الجوع والعطش .. انياب الصحراء .. وأعادت السؤال القديم .. أليس خيار التوحد بالصحراء انتحار اخر ؟ ..

     اهصر بين اصابعي حفنة أمل .. ولمحت مغارة حضن الكهف .. وتمتمت الشفاه ثانية .. يا لروعة المأوى .. كان كهفا عاليا شامخا .. واستأنفت الصعود .. واقتربت من بلوغ المغارة .. فجأة .. اخترقت جدار الصمت نغمة رطبة .. شجية عذبة .. ابهجتني .. وأرعبتني في آن .. مثقلة بجرس البشر .. حدقت النظر .. يا إلهي .. وسرت رعشة في عروقي .. فتاة متفردة .. وسط هجير صحراء مقفرة .. تقطن مغارة .. اتراها زاهدة متوحدة .. اتراها لاجئة طريدة شريدة .. اتراها جنية الصحراء .. تسمرت مكاني برهة زمن .. أدركت جفوتي وترددي .. خجلي وتمهلي .. قالت بحروف رطبة .. على رسلك ايها الغريب المهاجر .. تعال اشرب شيئا من اللبن لترطب حلقك .. دنوت منها في حذر وذهول .. اقتربت اكثر وأكثر .. وتعثرت بحجر .. ادمى كاحلي .. برقت ملامح طيفها .. غصن البان .. وينع فتان .. وطراوة الخيزران .. سرحت عينياي قليلا .. بإمعان .. نظراتها الدافئة .. عيناها العسليان .. وجنتاها المتوردة .. جمالها الآسر .. بسرة عرجون .. جيدها .. طلتها .. فارعة كنخلة برني .. حورية الصحراء .. حورية الجن .. لا ادري .. وأوهام اخرى اشبه بالهذيان .. نهشت الصدر والكيان .. صهرت لبي .. خبلت عقلي .. فاظلم .. واتخذت قراري .. غضضت بصري .. وناولتني قدح اللبن .. شربت مريئا .. وناولتني اخر .. شكرت لها كرمها .. ودعتها .. ومضيت .. ولاحقتني بالسؤال : الى اين ايها العابر ؟

      – على باب الله .. ابحث عن كهف يؤويني .. بلادي حروب .

     – لا تبتئس كثيرا .. لكل منا وجعه .. انا الاخرى .. بلادي حروب وازمات .. وجماعات يقتلون جماعات .. واشتدت النزاعات .. والخصومات .. تركتهم .. مهجرين مشردين .. ولاجئين دائحين .. ومختطفين ونازحين .. فاض الجور والفجور .. الحرب الاهلية اعظم الشرور .. اعتزلتهم منذ زمن .. لكن اصغي اليّ قليلا .. اترى ذاك الجبل المتعامد .. حضنه الشرقي مغارة تلائمك .. ولا تجعل نفسك في عوز .. لدي تمر وماء .. يكفينا لشهور سواء .. ودعتها بآيات الثناء .. والمودة والإطراء .. ومضيت .. وكدت اتوارى .. وصفر حجر في الهواء .. سقط من اعلى قمة الجبل .. وأصابها .. هشم ضلعها ورأسها .. وأطلقت صرخة .. وطاح منديلها .. وانحل شعرها .. وأنسبل على كتفيها .. وسالت الدماء .. وغطت وجهها .. هرولت وهرعت .. اكاد اسعف نزفها .. ويزداد نزفا .. وخشيت سقوط حجر اخر .. اخذت بجناحيها .. وولجت بها المغارة .. اسندتها لفراشها .. حدجتني بنظرة ذابلة .. وقالت بحروف متلعثمة اسيرة .. وصيتها الاخيرة :


” عليك بنفسك .. ابني لك كوخا عند التبة .. واحفر لك بئرا عمق الوادي .. واروي الارض .. تنمو شجرة .. نخلة وطلحة .. وعشبة عقول .. ورثم ورسو وضمران .. وتصير غابة مخضبة الاركان .. عبقها زهرة النرجس والفل والزعفران .. وتفيض دورة الفلك كما كان .. وتنفر بذور العصر المطير .. ويعود الخصب القديم الوفير .. وتمطر سحابة .. وينساب نهر .. وتستمتع بخلوتك .. تناغي الفيلة والزراف .. وتناجي الغزلان والخراف .. وتستظل شجر الصفصاف .. وتكتب قصيدة بعمر كل الدهور والعصور .. الحياة تستدعي الحياة .. والحذر ان تقع وقعتي ..!! . ابتعد عن المغارات .. إياك .. إياك .. وابتلع الاهات .. وتناسى ما قد فات .. ونبش المواجع الموبقات .. واعلم .. ان النبل هو ان تغفر ” .

       وحل صمت ثقيل طويل .. لا يسمع فيه سوى لهاث انفاس الضحية .. واسبلت عينيها .. وماتت .. الوداع الابدي .. هذه الكلمة التي لا دواء لها .. واغرورقت عيناي بالدموع .. درفت لوعة وزفرة .. واجتاحتني حسرة .. وجال فكري بتأبينها .. حفرت القبر .. وواريتها الثرى .. وانهال التراب على التراب كما ترى .. وخططت على شاهد قبرها .. ” هنا ترقد الفتاة الجميلة الحسناء .. حورية الصحراء .. عاشت زاهدة متفردة .. بمغار كهف منعزلة متوحدة .. حلمت بعودة العصر المطير .. والخصب الوفير .. بين قفر وهجير .. وصحراء جرداء .. عابسة عجفاء ” .. ومضى الوقت مسموما بروائح الموت والجثث والفناء .. والنهايات المرعبة الحمقاء .. واسترسلت الذكريات .. تنبش ما قد فات .. الهجر والبعاد .. والمسافات والزاد .. وبراثن اليأس .. والقرية والناس .. حركاتهم .. سكناتهم .. انينهم .. توجعهم .. حروبهم .. وولولة امهات .. تكالى مكلومات .. وايتام حفاة عراة .. وجلادين قساة .. وجبروت وطغاة .. وهدم البنيان .. وتفترق الخلان .. ووطن اكوام حطام .. مدافن والآم .. وفتاة هدها الترحال .. تشكو تقلبات الحال .. والغربة في البلاد .. وجور العباد .. اخترمتها الليالي ومر النهار .. وصارت ثالثة التراب والأحجار .. وحجرا اعمى اصم .. سقط من اعالي القمم .. خطف روحها وانتقم .. ماتت حالمة .. واريتها الثرى .. اتون الصحراء .

عابد