08‏/02‏/2016

وداعا فرنسا .. لن اكررها ثانية .






100

        



  
خير اللهم اجعله خير .. رأيت كما يري الناس في المنام .. وقد حطت بنا الطائرة على ارض مطار باريس .. عبرت المنافذ الجمركية دون تفتيش او احراج .. شرطي الجمارك سألني سؤال واحد فقط .. وعبرت .

– هل لديك تاشيرة شنغن ؟ اجبته : لا للأسف .. انا قادم من ليبيا .. سفارتكم هناك .. وجدتها مقفلة .. وكنت على عجل .

تفحص الجواز .. آه .. من فزان ليبيا .. اهلا وسهلا بك .. نقدر ظرفكم .. تفضل بالعبور .. وعبرت .. شكرت له حسن الاستقبال .. وكنت اخشى ان يسألني عن عدم تجديد مدة صلاحية جواز سفري .. لكنه لم يفعل .. وتيقنت انه على علم بما تعني زحمة .. تجديد .. اصدار .. تفعيل جواز سفر مواطن من فزان .. وعبرت .
      في اليوم التالي .. قصدت مكتب اللجؤ والهجرة .. غمرني مدير المكتب بحفاوة اخوية .. اهلا باخوتنا اهل فزان .. نادى على النادل .. وسألني ما قهوتك .. عربية ؟
– نعم عربية .
– قهقه قليلا .. نحن هنا نقول عنها قهوة تركية .
        وظللنا نتجاذب اطراف الحديث .. عن ليبيا وفرنسا وفزان .. ومستقبل العلاقات الاخوية بينما انشغل موظفون باستكمال الاجراءات .. وأخذنا الوقت لأكثر من ربع ساعة .. احتسينا قهوتنا سويا .. شيء من مؤانسة .. واستلمت جواز سفري الفرنسي الجديد .. وشكرت له حسن الاستقبال اكثر .. وقد خصني بـ ” جواز دبلوماسي فرنسي ” .. وغادرت .
       عند شارع الشانزليه .. تظاهرات صاخبة .. تشجب .. تندد بقدومي .. وبمنحي الجنسية الفرنسية .. من اخبرهم بقدومي .. استرق السمع .. كيف تسرب .. لا ادري .. قيل لي ..تيار يميني متطرف .. يهتف .. لا اهلا .. ولا مرحبا .. وتأسفت .
        في اليوم الثالث .. استيقظت مبكرا ..  توجهت الى المطار على الفور .. اتصلت بمكتب شركة الخطوط الجوية الليبية بمطار شارل ديغول  .. هل لديكم طائرة متجهة الى فزان هذا اليوم ؟

      – رد للاسف .. طائرة سبها غدا .. واوباري بعد غدا .. وتمنهت الاربعاء .. والخميس غات .
            وما هو اقرب موعد لطائرة متجهة الى ليبيا ؟ اجابني .

– طائرة سرت ستقلع بعد ربع ساعة .

وعلى الفور .. لم انتظر .. قررت العودة الى ارض الوطن .. وخلال سعات محدودة .. حطت بنا الطائرة على ارض مطار سرت العالمي .. وعند سلم الطائرة .. توقفت .. مزقت جواز السفر الدبلوماسي الفرنسي .. وقلت في نفسي .. وداعا فرنسا .. لن اكررها ثانية .

في مطار سرت كان في انتظاري صديق قديم .. ابوالقعقاع الليثي .. استضافني بمنزل العائلة .. وغمرني بحفاوة انستني ارق باريس .. وهجير فزان .. ومواصلة الرحلة .. ومرت الايام .. وتطاول الدهر .. وراق لي تمضية بقية حياتي في سرت .. فكرت .. واعدت النظر .. ولسعتني بعوضة .. قضت مضجعي .. قفزت من غفوتي في هلع .. برهة زمن .. وهدأت انفاسي اكثر .. عندما تيقنت ان ما جرى .. مجرد اضغاث احلام .. فلا فرنسا منعتني من دخولها بجواز سفر او بدونه .. ولا وجود لجناح يميني متطرف يندد بقدومي .. وحتى البقاء في سرت بقية حياتي .. ليس قراري .

ملحة لقاء


DSCF1457

     اشياء وأشياء لا حصر لها تتقاذفني .. مثخنة بالحرقة وجمر الواقع .. وبالضرورة الغاشمة العمياء .. ذات يوم .. وكنت هائم على وجهي .. والصحراء ملاذ الحزانى .. والزهاد الحيارى .. توارت معالم اجمات النخيل .. واختفت جلبة القرية والناس .. الرمل الناعم على مد النظر .. تسرب العطش والجوع ينهش احشائي .. انهك قواي .. وهززت راسي بقرف .. وتمتمت الشفاه .. انه الجوع والعطش .. انياب الصحراء .. وأعادت السؤال القديم .. أليس خيار التوحد بالصحراء انتحار اخر ؟ ..

     اهصر بين اصابعي حفنة أمل .. ولمحت مغارة حضن الكهف .. وتمتمت الشفاه ثانية .. يا لروعة المأوى .. كان كهفا عاليا شامخا .. واستأنفت الصعود .. واقتربت من بلوغ المغارة .. فجأة .. اخترقت جدار الصمت نغمة رطبة .. شجية عذبة .. ابهجتني .. وأرعبتني في آن .. مثقلة بجرس البشر .. حدقت النظر .. يا إلهي .. وسرت رعشة في عروقي .. فتاة متفردة .. وسط هجير صحراء مقفرة .. تقطن مغارة .. اتراها زاهدة متوحدة .. اتراها لاجئة طريدة شريدة .. اتراها جنية الصحراء .. تسمرت مكاني برهة زمن .. أدركت جفوتي وترددي .. خجلي وتمهلي .. قالت بحروف رطبة .. على رسلك ايها الغريب المهاجر .. تعال اشرب شيئا من اللبن لترطب حلقك .. دنوت منها في حذر وذهول .. اقتربت اكثر وأكثر .. وتعثرت بحجر .. ادمى كاحلي .. برقت ملامح طيفها .. غصن البان .. وينع فتان .. وطراوة الخيزران .. سرحت عينياي قليلا .. بإمعان .. نظراتها الدافئة .. عيناها العسليان .. وجنتاها المتوردة .. جمالها الآسر .. بسرة عرجون .. جيدها .. طلتها .. فارعة كنخلة برني .. حورية الصحراء .. حورية الجن .. لا ادري .. وأوهام اخرى اشبه بالهذيان .. نهشت الصدر والكيان .. صهرت لبي .. خبلت عقلي .. فاظلم .. واتخذت قراري .. غضضت بصري .. وناولتني قدح اللبن .. شربت مريئا .. وناولتني اخر .. شكرت لها كرمها .. ودعتها .. ومضيت .. ولاحقتني بالسؤال : الى اين ايها العابر ؟

      – على باب الله .. ابحث عن كهف يؤويني .. بلادي حروب .

     – لا تبتئس كثيرا .. لكل منا وجعه .. انا الاخرى .. بلادي حروب وازمات .. وجماعات يقتلون جماعات .. واشتدت النزاعات .. والخصومات .. تركتهم .. مهجرين مشردين .. ولاجئين دائحين .. ومختطفين ونازحين .. فاض الجور والفجور .. الحرب الاهلية اعظم الشرور .. اعتزلتهم منذ زمن .. لكن اصغي اليّ قليلا .. اترى ذاك الجبل المتعامد .. حضنه الشرقي مغارة تلائمك .. ولا تجعل نفسك في عوز .. لدي تمر وماء .. يكفينا لشهور سواء .. ودعتها بآيات الثناء .. والمودة والإطراء .. ومضيت .. وكدت اتوارى .. وصفر حجر في الهواء .. سقط من اعلى قمة الجبل .. وأصابها .. هشم ضلعها ورأسها .. وأطلقت صرخة .. وطاح منديلها .. وانحل شعرها .. وأنسبل على كتفيها .. وسالت الدماء .. وغطت وجهها .. هرولت وهرعت .. اكاد اسعف نزفها .. ويزداد نزفا .. وخشيت سقوط حجر اخر .. اخذت بجناحيها .. وولجت بها المغارة .. اسندتها لفراشها .. حدجتني بنظرة ذابلة .. وقالت بحروف متلعثمة اسيرة .. وصيتها الاخيرة :


” عليك بنفسك .. ابني لك كوخا عند التبة .. واحفر لك بئرا عمق الوادي .. واروي الارض .. تنمو شجرة .. نخلة وطلحة .. وعشبة عقول .. ورثم ورسو وضمران .. وتصير غابة مخضبة الاركان .. عبقها زهرة النرجس والفل والزعفران .. وتفيض دورة الفلك كما كان .. وتنفر بذور العصر المطير .. ويعود الخصب القديم الوفير .. وتمطر سحابة .. وينساب نهر .. وتستمتع بخلوتك .. تناغي الفيلة والزراف .. وتناجي الغزلان والخراف .. وتستظل شجر الصفصاف .. وتكتب قصيدة بعمر كل الدهور والعصور .. الحياة تستدعي الحياة .. والحذر ان تقع وقعتي ..!! . ابتعد عن المغارات .. إياك .. إياك .. وابتلع الاهات .. وتناسى ما قد فات .. ونبش المواجع الموبقات .. واعلم .. ان النبل هو ان تغفر ” .

       وحل صمت ثقيل طويل .. لا يسمع فيه سوى لهاث انفاس الضحية .. واسبلت عينيها .. وماتت .. الوداع الابدي .. هذه الكلمة التي لا دواء لها .. واغرورقت عيناي بالدموع .. درفت لوعة وزفرة .. واجتاحتني حسرة .. وجال فكري بتأبينها .. حفرت القبر .. وواريتها الثرى .. وانهال التراب على التراب كما ترى .. وخططت على شاهد قبرها .. ” هنا ترقد الفتاة الجميلة الحسناء .. حورية الصحراء .. عاشت زاهدة متفردة .. بمغار كهف منعزلة متوحدة .. حلمت بعودة العصر المطير .. والخصب الوفير .. بين قفر وهجير .. وصحراء جرداء .. عابسة عجفاء ” .. ومضى الوقت مسموما بروائح الموت والجثث والفناء .. والنهايات المرعبة الحمقاء .. واسترسلت الذكريات .. تنبش ما قد فات .. الهجر والبعاد .. والمسافات والزاد .. وبراثن اليأس .. والقرية والناس .. حركاتهم .. سكناتهم .. انينهم .. توجعهم .. حروبهم .. وولولة امهات .. تكالى مكلومات .. وايتام حفاة عراة .. وجلادين قساة .. وجبروت وطغاة .. وهدم البنيان .. وتفترق الخلان .. ووطن اكوام حطام .. مدافن والآم .. وفتاة هدها الترحال .. تشكو تقلبات الحال .. والغربة في البلاد .. وجور العباد .. اخترمتها الليالي ومر النهار .. وصارت ثالثة التراب والأحجار .. وحجرا اعمى اصم .. سقط من اعالي القمم .. خطف روحها وانتقم .. ماتت حالمة .. واريتها الثرى .. اتون الصحراء .

عابد

22‏/10‏/2015

سجينة طهران


 

     كلمات متخمة بالجراح  .. مشاعر تفيض حزنا دفين .. كتبت بعد مرور ربع قرن على مرور المحنة .. في ديار الغربة .. بعيدا عن ثرى الوطن .. كتبت بعدما عجزت عن كبح جماح الذاكرة .. كي تنسى .. رعب اللحظات .. ما انفك يطاردها .. ( مارينا نعمت ) .. رواية "  سجينة طهران " .. تحكي قصة الثورة الاسلامية في ايران .. شاهد عيان .. عهد النقلة .. من حكم الشاه .. الى حكم الامام .    



    صورة عسيرة المتابعة . صوب الجنود بنادقهم نحو الحشود واطلقوا النيران ، فاخذ الناس يفرون .. ورأيت بعضهم يسقط على الارض . ألقى الجنود بالجثث فوق شاحنة عسكرية ، وللحظة ... اشعر بالالم والفزع ، لم استطع ان انطق ، ولا ان ابكي .. اخبرت نفسي ان ذلك ربما كان محض تخيل .. كانت عيناه مغلقتين وفمه مفتوحا قليلا ، وقميصه الابيض ملطخا بالدماء .. شعرت ان صخرة قد سحقت صدري .. تمنيت لو كنت معه لحظة وفاته عندما كان خائفا وحيدا .. نظرة خاوية ذاهلة ..  احاول ادراك الهوة القاتلة التي خلفتها الموت . والسقوط الرهيب في هاوية المجهول . والانتظار المفزع لأن تصطدم بالارض الصلبة وتتمزق اشلاء صغيرة .. الانكسار .. توقف عقلي ولم استطع التفكير .. الاسى الذي يجتاح نفسي يتزايد سريعا .. سيدمر روحي ويحولها الى عدم .. حزني فصلني عن العالم ، .. قلت بصوت مرتفع " لقد مات " ، ولدي امل في ان يساعدني قولها على فهم ما حدث .. يا للبشاعة .. حرقة في صدري .. انطلقت من حلقي صرخات حادة .. ازداد الامر سوءا .. لما يموت الناس ؟ لما ياخذ الموت احبابنا ؟ .         
     اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا .. نظرت حولي ، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب اغلق الى الابد .. هناك الكثير من القصص التي لن تروى ابدا .. ما اخر شيء فكروا فيه قبل ان تغادر ارواحهم اجسادهم ؟    

  من حقهما ان يعرفا اين دفن ، ومن حقه ان يدفن في قبر لائق .   



    ظلت حرية التعبير قائمة بضعة اشهر بعد اندلاع الثورة ، صحف .. مناقشات سياسية .. جماعات سياسية محظورة في زمن النظام السابق ، لكنها ظلت تعمل سرا عدة سنوات .     ان المجاهدين كانوا ماركسيين ظلوا الطريق واعتنقوا الاسلام ... مسلمين اشتراكيين يؤمنون بأن الاسلام بوسعه ان يقود البلاد نحو العدالة الاجتماعية ويحررها من التغريب .     

   كلاهما اراد تحقيق العدالة للجميع وبناء مجتمع تقسم فيه الثروات بالتساوي ، ولكن اساليبهما اثبتت خطأها على ارض الواقع .. الشيوعية لم تنجح .. والخلط بين الدين والسياسة امر ينطوي على خطورة .. اي شخص ينتقد الحكومة الاسلامية سيعتبر مناهضا للإسلام ، ومن ثم عدوا لله .. لا يستحق هؤلاء الاشخاص الحياة ما لم يغيروا طريقة تفكيرهم .    

   قبلها .. لم تكن معتقدات الناس وإيمانهم مشكلة قط .. الان يبدو ان العالم قد انقسم تيارات مائجة .. ولم اكن اتفق مع اي منها .. لم انتم .. مما خلف لي شعورا بالوحدة والضياع ..  

  ملامح النضج المشوب بالحزن .. يقلق من كل شيء .. تتيح للجماعات السياسية ان تقول وتفعل ما تشاء حتى يتسنى تميز الاصدقاء من الاعداء .. عاجلا او اجلا سوف يلقون القبض على كل من فعل شيئا .  



      والدي يقرأ الصحف .. على وجهه نظرة جادة يطالبني فيها بعدم الازعاج .  

                توخي الحذر ....       

         قفز على الثورة .. ركل بقدمه الديمقراطية التي اجلسته على الكرسي .. مثل منديل ورق بال ادى وظيفته ، وما عاد له إلا صندوق القمامة  .  

    ترفق بهم القدر وتمكنوا من السلطة ، خرجوا ليذيقوا الويل مضاعفا للشعب الذي حررهم .. ولكل من يفكر في لفظ كلمة " لا" للفاشية باسم الدين .. ان تقول لا حين خنع الناس واطمأنوا بقولة نعم .. خطيئة سياسية .    

   الاحلام الموؤدة لجيل من الشباب شاخ قبل الاوآن .. مرهقة بالدموع .. الخوف افضع السجون على الاطلاق .   

   شلال الذكريات الحزينة .. حين لم تستطع ان تنسى كان الحل في ان تتذكر .. تجارب حبيسة ذهن موجوع بأثقال المحنة .. كيف انقلب مجتمع منفتح الى شرنقة منغلقة .. احادية التفكير حين يظن انه امتلك اليقين كاملا .. واحتكر الطهر .. حلق عصفور ثم اختفى في الشجرة .. الصمت والظلام سيان .. غياب الصوت والضوء .. الحاضر متوقفا او مجمدا ، والمستقبل مقتولا غامضا مشكوكا في امره .. تزاحمت الكلمات في ذهني بلا معنى ، ولم استطع تكوين جملة مفيدة .. موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا بؤسا .. لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي .. رائحة الغبار احرقت انفي ، كتمت انفاسي كي لا اسعل .  



       اختفت كل الالوان ومظاهر البهجة .. الناس .. ينظرون للاسفل وهم يسيرون في الطريق كأنهم يتجنبون النظر الى بعضهم الى بعض والى المناظر المحيطة بهم .. كادت كل الجدران تعلوها شعارات تنمي الشعور بالكراهية .   

      فكل ما ارجوه في الحياة والموت ، روحا طليقة ، وشجاعة كي احتمل .   

       ان السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا ..  

   " رواية " سجينة طهران " ..  رواية تفرض على المرء قراءتها .



....

بعض الحكي لاصآر معقود بالروح
تبقى معه زحمه مشآعر أسيره 
لاطايله مخرج ولا طايلهه بوح 
علّ وعسى كتمآنهآ يكون خيره
 شاعر خليجي  


26‏/07‏/2015

يا مريم .. صرخة وداع





     
     الماضي يتعايش مع الحاضر ويحترب معه .. الحاضر مفخخ مليئا بالانفجارات والقتل والبشاعة .. الحروب ، القحط ، القتل ، التشرد .. العراق ما بعد زوال الاستبداد .. والنهايات الدامية .
     الروائي  مسيحي الديانة .. ينقل صور من حواديث الطائفة وتاريخها بالعراق .. يستغرق في تفاصيل حكاوي الحياة اليومية والعلاقات مع الاصدقاء .. الحياة الهادئة .. يعيش سكينة الماضي البعيد ما قبل انقلابات العسكر .
    ظللت اقفز بين السطور متجاوزا حكاوي الطبخ اليومي ، وصديق عافته زوجته لإدمانه السهر والعودة متأخرا مخمورا .. وجلسات المجون الجماعية .. ونادل يهتف بقناني ملأى .. صفراء لا تنزل الاحزان ساحتها .. لو مسها حجر مسته سراء .. ورمضان ولى هاتها يا ساقي .. مشتاقة تسعى الى مشتاق .. والحملة الايمانية التي اغلقت فيها الحانات عام 1994 .. وعن وصف مسهب لصور فوتغرافية متناثرة للعائلة منذ زمن طويل ، يتأملها ويتذكر النهايات الحزينة .. بدءا من معاصري حركة حركة رشيد الكيلاني 1941 .. الى عصر الانقلابات العسكرية .. عبدالكريم قاسم .. عبدالسلام عارف ..  صدام حسين .. ومن يعتبر ان قدوم البعثيين عام 1963 والوحشية التي قتل بها عبدالكريم قاسم كانت نهاية الزمن السعيد . ومن يعتبر صعود صدام عام 1979 بداية النهاية .. الى الغالبية التي تحن لزمن الملكية  والوحشية التي قتلت بها العائلة المالكة .. وتمقت الانقلاب العسكري معتبرة اياه بداية السقوط الى الهاوية .
    تغير الناس زمن القحط والحصار وقد انشغل كل واحد بهمومه .. اليأس الذي ذاق مرارة السجن وقرر الابتعاد عن السياسة .. العيون تلاحقه .. ليعود مرة اخرى الى السجن بتهمة رشوة .. لمجرد ان مدير المؤسسة التي يعمل بها طلب اليه استلام ظرف من احد الاجانب . كتب عن الحادثة تقرير كلفه ثلاث سنوات سجن .. لم يكسره السجن لكنه اتعب عقله ، ظل هائما على وجهه الى ان وجد جثمانه على قارعة رصيف .. زوجته تواسي نفسها " السياسة لم تترك لها اي شيء " .. اخاها اعدم عام 1979 .. وزوجها فقد عقله . 
    استبداد البعثيين .. ونظرة الطائفة المسيحية لطارق عزيز وزير خارجية صدام المتهم بينهم بالمروق والغطرسة وارتكاب الجرائم ، كما هي النظرة الى ميشال عفلق المسيحي ومنظر الحزب ، والمتهم بأنه اسلم كما طارق عزيز .. والنهايات التي افضت الى صدور قرار اعدام طارق عزيز الاسير .
   الرواية .. تنبش تراب الاديان والسياسة وتقاطعاتها ..، يتحدث الكاتب بلسان المتكلم .. يرفض القبول بتلك النظرة المنحازة والحازمة في قرارها ، او لعلها المشبعة بالكراهية ، والمتقمصة لدور الضحية والشعور المتولد عن النظرة الدونية ، ووخز الالم الناجم الى حد كبير عن نعرة الاقلية وفقدان تساوي المواطنة.
       باللهجة العراقية العامية .. يرفض صخب الحديث : " احنا لا عندنا حرب ولا ميليشيا ولا بطيخ .. الاسلام انتشر بالسيف .. ليش الدين المسيحي شلون انتشر . بالحكي ؟ الحروب الصليبية وفتح امريكيا الشمالية والجنوبية اندبحوا بيها عشرين مليون بمباركة الكنيسة ".
       مواقف واستجابات تثير اسئلة وشكوك .. دلال التي جن بعشقها يوسف المسيحي .. احبها .. لكنها ما ان عرضت امر الزواج على والدها رفض . معربا عن اعتراضه على شخصه حتى وان اسلم .. يقف الدين حجر عثرة في طريق الحب .. جبال اجتماعية شاهقة الارتفاع يلزم تسلقها .
     سنين الحصار وثراء البعض من التجار .. وخسارة اخرون .. العدوان الثلاثيني وزمن الحرب ..غارات الطائرات الامريكية .. وقعقعة القنابل .. وانقطاعات الماء والكهرباء .. البنزين .. الهاتف .. الاحتماء بالسرادب والملاجئ كلما اشتد القصف .. هجرة الاقارب والاصدقاء .. وضياع وطن " بين ايران والامريكان والعربان ..  وهذوله اللي جو من برا وجابو وصخهم وياهم " .

 مخاوف القتل والدبح والتهجير ..  وام تكلى ترثي فلذة كبدها :
يا قرحة القلب والاحشاء والكبد .. يا ليت امك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد ادرجت في كفن .. مطيبا للمنايا آخر الابد
ايقنت بعدك اني غير باقية .. وكيف يبقى ذراع زال من عضد

     ايماءة بالنكتة وتوظيفها لابراز اطراف الصراع الداخلي .. يقال ان ثلاثة عراقيين ، سني وشيعي ومسيحي . وقع بيدهم مصباح علاء الدين السحري . سأل الشيعي الجني الذي يسكن المصباح .. اريد محو السنة عن بكرة ابيهم .. اجابه : لك ما تريد .. سأل السني ، ماذا تريد : طلب اليه هو الاخر محو الشيعة من الوجود .. اجابه : لك ما تريد .. سأل المسيحي طلبه .. اجابه : انجز طلبات الجماعة اولا .. وتعال .
     قصة السيدة مريم العذراء في القرآن ، وهز جذع النخلة ، ورفض الكنيسة للرواية القرآنية ، ودفاعه عن مصداقيتها ، وعن ورودها في اناجيل اخرى لا تعترف بها الكنيسة .
     ايمانه على طريقته : " لم اكن مهتما كثيرا باختلاف الطرق التي يسلكها البشر الى الله ، فالطريق بحد ذاته لم يكن يضمن طهارة اولئك الذين يمشون عليه . هناك دائما اخيار واشرار يملأون الطرق كلها ، وهناك من يظن ان لا طريق الى الله إلا طريقه هو "
     الحروب تقطع رؤوس البشر والنخل .. ما راح اطلع .. وين اروح واتبهدل بها العمر ..
      تمر ذكرى اللحظات السعيدة كجزر صغيرة تطفو على بحر عميق من الحزن .. ابتلع الاحبة .. يحملق في الفراغ الذي كان قد اخذ يملأ ايامه ..  اختطاف .. فدية .. زمن الغربة والاختناق والتشرد .. ما حدث بعد 2003 لا يشبه ما حدث قبل ذلك ، في ضراوته .. فرح بسقوط صدام كما والده الذي لم يثق بالامريكان .. لكنه توهم ، مثل الكثيرين ، بأن العراق سيتحول الى هونغ كونغ ، كما كانوا يقولون في الاخبار . ولم يكن يتصور انهم سيحولونه الى ما يشبه الصومال .. شاعت لغة الموت وعلا صوت الانفجارات .
      تختلط البدايات والنهايات . كل يبكي عراقه السعيد .. " يا مريم " عنوان الرواية .. واخر صرخة لمسجي على ارض الكنيسة التي تعرضت للتفجير من قبل متطرفين .. نداء مسيحي باسم السيدة العذراء .. مريم البتول .. قالها وغادر الحياة .
   " يا مريم " .. سنان انطوان .. رواية تحكي قصة العراق الجريح .. الكليم الحزين .. تفرض على المرء قراءتها .

24‏/07‏/2015

اعجام .. اعدام




   تشدني العبارات الدليقة الرنانة عندما اقرأ رواية ما ، كثيرا ما افضل قراءة رواية نالت من الشهرة ما يستدعي شغف قراءتها .. تشدني ايضا عبارة " الرواية الفائزة بجائزة كذا " .. تتنوع الجوائز ومصادرها ، كما رعاتها .. ويبدو ان الشطر الاخير هو مهم ايضا .. ودائما يفضي الى مدى تماهي الافكار المعالجة بالرواية مع وجهة النظر التي تتبناها الجهة مسبقا .. رواية " اعجام " للروائي العراقي والمترجم سنان انطوان فازت بجائزة البوكر العالمية .. ما شدني لقراءتها بحثا عن ضالتي في سراديب المعاناة العراقية .             
      اعجمت ابهمت .. مبهم الكلام .. واستعجم عليه ما يقرأه اذا التبس عليه .. اعجام قصة مخطوط  غير منقط الحروف عثرت عليه وزارة الداخلية العراقية  .. وتولت فك شفرته ..  يوميات طالب جامعي ارقه العيش تحت نير الاستبداد .. للقلم والبندقية فوهة واحدة .. يقرأ نصوص تنهق وتعوي للحزب العبثي (البعثي ) الحاكم على الصفحة الثقافية بالجريدة  .. يكتب خلسة يومياته بالجامعة .. عن ابوعمر ضابط الامن بالكلية ,, بلهجته السمرائية التي يبالغ بها لتقريبها اكثر من لهجة تكريت ( محط راس صدام ) .. وشهادة دكتوراه فخرية في  العقوق ( الحقوق ) تمنح للقاعد ( القائد ) الملهم  .. وعن الاغاني والشعارات التي كانت وزارة السخافة والابهام ( الثقافة ) تقصف بها جيله يوميا .. يتلاعب بترتيب الكلمات .. كي تصبح الاغاني السياسية اكثر واقعية .
      عن ثورات .. وفورات .. وشعارات  .. وهذا الحر والبؤس .. والانزعاج والتململ في العيون المتعبة .. وتحذيرات الجدة .. " انته شعليك بالحكومة ؟ " .
      يوميات من زمن الحرب .. يرفض المحرر الثقافي لصحيفة الجمهورية نشر نصه الحزين الذي يحكي مرثية ام تنتظر جثمان ابنها الوحيد .. ترسيخ مفهوم الوطن فوق الجميع .. ينشرون لمن يكتب مثلهم .. يطبل ويزمر .
   اشياء كثيرة تتهشم في بداخله  وقد قبض عليه .. واولج السجن .. اغتصاب .. ازدراء .. طقوس سادية  تعيش ذكراها ماثلة في ذهنه .. يعذبه الواقع المر .. ولا يجد مفر .. السفر ممنوع .. وفي الافق ظلام وقيود ومستقبل مجهول .. يمارس الرقابة الذاتية على افكاره واليات عقله .. يتذكر نكتة تتداولها الالسن خفية .. " رجل مصاب بالكآبة يذهب الى الطبيب النفساني يشكو الكآبة .. ينصحه بمخدر يبقيه نصف قرن نائما .. يتناوله وعندما يستيقظ بعد نصف قرن يجد الجموع تهتف لحفيد الرئيس " .
  يستعرض مشاهد درامية من زمن الحرب .. تقليد نوط الشجاعة لرجل قتل ابنه لانه رفض الالتحاق بوحدته العسكرية ..  ترويج لمفهوم الوطن فوق الجميع .. وداخل اسوار الجامعة يطلب اليه انجاز بحث .. لكن العنوان لا يجد قبولا لدى الاساتذة ..  بحث عن علاقة السلطة واللغة .. يرفض العنوان من قبل رئيس القسم .. ترفض سكرتيرة المكتبة اعارته كتب تخدم بحثه .. رويات اوريل " مزرعة الحيوانات " و " 1984 ) .. تعري الاستبداد .. كتب محظور تداولها او اعارتها .
      اغفاءة قلم يسعها ان تكتمل قبل ان تصطدم بصرخة .. وقد علمته التجربة عدم التسرع او التهور والصمت وتأخير ردود الافعال لأطول فترة ممكنة .
      تتوقف الدراسة بالجامعة .. ويحشر الطلبة قسرا للمشاركة بمسيرة تضامنية مع القاعد .. لمن لا يصفقون اثناء مهرجانات الاسفاف الخطابية وعندما يذكر اسم القائد والثورة .. " تبت اللقطات مصورة التفاف الطلاب حول قيادتهم ، وترسل الصور الى العالم اجمع .. ويتسابق المحللون والخبراء في تفسير سر حبنا للطغاة لشعوبهم المثقفة " .
     الانتماء للحزب .. تحذيرات لمن لا ينتمي بالحرمان من مواصلة دراساته العليا ..  خلف قضبان دونها قضبان  .. الماضي والحاضر يصطدمان ..  تسافر شظاياهما في كل اتجاه .. رفضه الصامت .. اذ الافكار والشعارات السياسية مثل الاحذية تستبدل بحسب المناسبة والارضية .
      هاجس الخوف يلاحق الجميع في كل مكان .. في الشارع والبيت .. " من الافضل ان تكون هناك صورة صغيرة للرئيس بالبيت لكي لا نعطي فرصة لاولاد الحرام ان يؤذونا " .
     يتذكر محنة شقيقه جميل الذي هرب من العراق عام 1969 بعد ان اعدموا صديقه بتهمة الماسونية .. وخافت زوجته ان يلاقى نفس المصير . بالرغم من انه لم يكن ماسونيا .
       يتأسى لحادثة زميلته التي تطرد من درس مادة الثقافة السياسية الملزم بدراستها الجميع ..  طالب الاداب كما طالب الطب البيطري .. كتيبات ومطبوعات  .. احاديث القائد  .. استاذ المادة يزعجه وضع  الطالبة وردة حمراء على ياقتها يوم 31 اذار ذكرة تاسيس الحزب الشيوعي المحظور.. يفهم على انه تعبير عن الاحتفال  .. وماذا بقى من الحزب .. قطع اربا اربا .. بنهاية السبعينات اعدم عشرين ضابطا بتهمة الانتماء .. والبقية بين السجون والمنافي .. حتى وردة حمراء كانت كافية لاثارة الرعب في اوصالهم .. اختبأ القمر خلف سحب سوداء .
      كان دجلة هادئا غير آبه بالعبث والموت على شاطئيه او بالقصور التي اخذت تطعن ضفتيه . يردد سؤال السياب .. أغابة من الدمع انت ام نهر ؟
      محنة المثقف .. تجسدها محنة شاعر الرافدين الجواهري الذي انتهى به المطاف شريدا عام 1980 بسبب موقفه من الحرب .. سأكتب جروحي . اتعثر في ظلام ما جرى .. وعندما هم بشراء نسخة من مجلة اليوم السابع وكيف فاجأه البائع بطلب المزيد من النقود .. تبين له ان كتيب يباع مرفق بالعدد يحوي خطاب الرئيس القائد .. رفض شراء العدد .. وحسرة في جواب البائع : " شنسوي يعني . همه يفرضونه علينه وماكو مرتجع "  .
     بيان اعلن بالتلفزيون الرسمي .. " منع اللغات الاجنبية واللهجات المحلية التي تشجع الانفصاليين والمندسين من اعداء الوطن . وتوقيع عقوبة الاعجام بكل من تسول له نفسه نشر الغموض والابهام " .. ووراء اسوار الجامعة الموحشة .. والزي الموحد ، ومنع اللحي .
   في الرياضة .. نادي الرشيد " بتاع الحكومة " .. وكيف يختار البعض الذهاب الى الملعب ليهتف ضد الرشيد ..
     لم تترك العقود السبع في جدته اثرا واضحا باستثناء الشعر الابيض .. ولا تزال على رأيها .." ليش اللي رحييجي رحيكون احسن ؟ هذا الشعب مينحكم إلا بالحديد ! " .
      " فكرت بالهدر وبالورق الذي يضيع ، وبالقرار الذي كان قد صدر قبل فترة ، والذي يحذر الناس من رمي الجرائد في القمامة لان صور القاعد كانت على الصفحة الاولى كل يوم ، وكان الناس يستخدمون الجرائد على موائد الاكل ولتنظيف الشبابيك .. اخالف القوانين باستمرار وانتقم على طريقتي الخاصة .. اختار الصفحة الاولى لأنها تحفل بالصور وبالافتتاحيات .. واسمح لشاربيه ان تمشطا استي " .
      عربدة انتهت به خلف جدران السجن .. وفي لحظة من لحظات القدر حدث انقلاب وذهب الطاغية .. قيل انه فر الى ليبيا  .. استلمت جماعة " العراق الحر " مقاليد الحكم .. وصدر عفو عام عن كل المحبوسين .. يشاكي نفسه .. يتسأل : "  كم كنت احلم بيوم كهذا !! ترى اين هو الان ؟ امازال يبتسم ابتسامته البلهاء ؟ ماذا سيفعلون به ؟ .. البعثيون ما زالوا يسببون المشاكل حتى وهم في غياهب السجون .
    ما احلى ان امشي دون ان تصفعني الجدران .. اعمار الطغاة قصار .. الاعجام او الاعدام اسمين للرواية اختارهما الكاتب في رمزية صححها بهامش الرواية .. الاول عنوان يفضي الى الخرس المزمن ، والثاني الى الخرس الابدي .


  تهب ذاكرتي علي بضراوة .. تقتلع الاسلاك الشائكة .. ( اعجام ) .. رواية تفرض على المرء قراءتها .