15‏/10‏/2008

الـعـبر

.كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر ( لابن خلدون ).الكتاب من نفائس دخائر الثرات العربي ..التي تستحق عناء القراءة والدرس والتمحيص .
شوارد من الكتاب
1 = إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة ، فتكسر حينئذٍ من سورة بأسهم، وتذهب المنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة.. لأن وقوع العقاب به، ولم يدافع عن نفسه، يكسبه المذلة... الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأذيب والتعليم.. ينقص ذلك من بأسهم كثيراً، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه، وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة.. الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس.
****
2 = أخلاق البشر، فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينة إلى متاع أخيه، فقد امتدت يده إلى أخذه ، إلا أن يصده وازع. قال الشاعر:والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
****
3 = العرب .. لخلق التوحش الذي فيهم، أصعب الأمم أنقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم.. وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى، لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق، لما كان من خلق التوحش القريب المعاناة، المتهيء لقبول الخير، ببقائه على الفطرة الأولى، وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات .
****
4 = سياسة الملك والسلطان، تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر والقوة، وإلا لم تستقم سياسته .
****
5 = إن كثير من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين، يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه، والأمر بالمعروف، رجاء في الثواب عليه من الله، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم، وإنما أمر به حيث تكون القدرة.. فإن لم يستطع فبقلبه .إن كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته.. وأكثر المنتحلين لمثل هذا نجدهم موسوسين أو مجانين، أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم، وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك، ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة، فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم .
****
6 = دولة الموحدين بإفريقية.. صاحبها كثيراً ما يتخذ أجناده.. ويترك أهل الدولة المتعودين للترف، فتستجد الدولة بذلك عمراً آخر.
****
7 = الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات ، منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها ، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحرب.. وإذا كان رفيقاً بهم، متجاوز عن سيئاتهم ، استناموا إليه، واستماتوا دونه .
****
8 = اشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية غالبة على من معها لعصرها، ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية.. ولا يخاطب بالأمر إلا من له القدرة عليه.. وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفاً للأمر الوجودي .
****
9 = الأمامة من أركان الدين كما يزعمون.. وليس كذلك. وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى أمر الخلق .
****
10 = الشرطة.. كان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم، ولم تكن عامة التنفيذ في طبقات الناس، وإنما كان حكمهم على الدهماء.. والضرب على ايدى الرعاع.. ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس، ونوعت إلى شرطة كبرى، وشرطة صغرى، وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء، وجعل له الحكم على أهل المراتب السلطانية، والضرب على أيديهم من الظلامات، وعلى أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الحياة، وجعل صاحب الصغرى مخصوصاً بالعامة .
****
11 = الحرب هو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل، وسبب هذا الانتقام في الأكثر: إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان، وإما غضب لله ودينه، وإما غضب للملك وسعى في تمهيده، الأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة، والعشائر المتناظرة. والثاني أكثر ما يكون من الأمم الوحشية، والثالث: هو المسمى في الشريعة بالجهاد، والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها.. الصنفان الأولان منهما حروب بغي وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل .
****
12 = أبو بكر الصيرفي شاعر لمثونه وأهل الأندلس في كلمه يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف.. منها:
يأيها الملأ الذي يتقنع
من منكم الملك الهمام الأروع
ومن الذي غدر العدو به دجى
فانفض كل و هو لا يتزعزع
ومنها في سياسة الحرب:
أهديك من أدب السياسة ما به
كانت ملوك الفرس قبلك تولع
لا أنني أدري بها لكنها
ذكرى تحض المؤمنين وتنفع
خندق عليك إذا ضربت محلة
سيان تتبع ظافراً أو تتبع
والواد لا تعبره وانزل عنده
بين العدو وبين جيشك يقطع
وأصدمه أول وهلة لا تكترث
شيئاً فإظهار النكول يضعضع
واجعل من الطلاع أهل شهامة
للصدق فيهم شيمة لا تخدع .
****
13 = الشهرة والصيت، قل أن تصادف موضعها في المنتحلين للفضائل على العموم، .. ذك أن الشهرة والصيت إنما هما بالأخبار، والأخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند التناقل، ويدخلها التعصب والتشيع، ويدخلها الجهل، .. ويدخلها التقرب لأصحاب التجلة والمراتب الدنيوية. بالثناء وإشاعة الذكر بذلك، والنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطاولون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا من الأكثر براغبين في الفضائل، ولا منافسين في أهلها .
****
14 = لما يتوقعه أهل الدولة من المعاطب.. الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب، والتخلص من ربقة السلطان، بما حصل في أيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر، ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم في إنفاقه، وحصول ثمرته، وهو من الأغلاط الفاحشة، … إن الخلاص من ذلك بعد الحصول فيه عسير ممتنع.. لأن ربقة الملك يعسر الخلاص منها. لاسيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها، وما يعرض فيها من التخلق بالشر .أخلاق الملك.. أخلاق غريبة مخصوصة، يحتاج مباشرها إلى مدارتها، ومعاملتها بما يجب لها وربما جهل تلك الأخلاق منهم بعض من يباشرونهم، فوقع فيمالا يرضيه. فسخطوا وصاروا إلى حالة الانتقام، فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم، وحجبوا غير أولئك الخاصة عن لقائهم في كل وقت، حفظاً على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم على الناس .
****
15 = السياسة المدنية.. عند الحكماء، ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع، في نفسه وخلقه، حتى يستغنوا عن الحكام رأساً، ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه.. بالمدينة الفاضلة.. وهذه المدينة بعيدة الوقوع .
****
16 = كانت بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى القيام بالسنة. ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغير المنكر، ويعتني بذلك، ويكثر تابعه، فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا، إلا أن الصبغة الدينية فيهم لم تستحكم.. لا يعقلون في توبتهم، وإقبالهم إلى مناحى الديانة غير ذلك. لأنها المعصية التي كانوا عليها.. فتجد ذلك المنتحل للدعوة والقائم بزعمه بالسنة غير متعمقين في فروع الاقتداء والإتباع، إنما دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة، ثم الإقبال على طلب الدنيا، فاتفاقهما ممتنع لا تستحكم له صبغة في الدين، ولا يكمل له نزوع عن الباطل جملة .
****
17 = الثقة بكل أحد عجز، وتدل على العجز.. إلا أن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها، فهو ابن عوائده، لا ابن نسبه، ومع ذلك، فالخديم الذي يستكفي به، ويوثق بفنائه.. لا يعدو أربع حالات: إما مضطلع بأمر ولا موثوق فيما يحصل بيده، وإما العكس في إحداهما فقط مثل: أن يكون مضطلعاً غير موثوق، أو موثوق غير مضطلع، فإما الأول وهو المضطلع الموثوق، فلا يمكن أحد استعماله بوجه، إذ هو باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب الدنيئة،.. فلا يستعمله إلا الأمراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه، وأما الصنف الثاني، وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق، فلا ينبغي لعاقل استعماله،.. فهو على كل حال كلّ على مولاه. فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالها، ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع، ومضطلح غير موثوق.. الا أن المضطلع ولو كان غير موثوق، ارجح لأنه يؤمن من تضييعه، ويحاول التحرر من خيانته جهد الاستطاعة. وأما المضيع ولو كان مأموناً، فضرره بالتضييع أكثر من نفعه .
****
18 = النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون، … ثم أن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع، ولما جعل لهم من الاختيار، وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية، لا بالطبع. وقد يمتنع من المعاونة، فيتعين حمله عليها، فلابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم، لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع.. لأنه قد لا يتم الخير الكثير إلا بوجود شر يسير .
****
19 = اعلم أن الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة، إنما يحصل من توهم الكمال، وإن الناس يحتاجون إلى بضاعته، من علم أو صناعة، كالعالم المتبحر في علمه، والكاتب المجيد في كتابته، والشاعر البليغ في شعره، وكل محسن في صناعته، يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده، فيحدث له ترفع عليهم بذلك، وكذا يتوهم اهل الأنساب ممن كان في أبائه ملك أو عالم مشهور.. فيستنكف أحدهم عن الخضوع، ولو كان للملك. ويعده مذلة وهوانا وسفها، ويحاسب الناس في معاملتهم أياه، بمقدار مايتوهم في نفسه،.. ويستمر في عناء عظيم،.. أما الثروة فلا تحصل له أصلاً، ومن هذا اشتهر بين الناس، إن الكامل في المعرفة، محروم من الحظ، وإنه قد حوسب بما رزق من المعرفة، واقتطع له ذلك من الحظ.. ومن خلق لشيء يسر له.
****
20 = أهل الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق، وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص، ممن أقبل على دينه، وأن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات، فليس على وجه الاضطرار والعموم، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر،.. وهم أيضاً لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم .
****
21 = إن التجار في غالب أحوالهم، إنما يعانون البيع والشراء، ولا بد فيه من المكايسة ضرورة،.. والمكايسة بعيدة عن المرؤة التي تتخلق بها الملوك والإشراف.. فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة.. ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة .
*****
22 = يحمد الرخص في الأقوات.. والعمالة من الخلق هم الأكثر في العمران، فيعم الرفق بذلك، ويرجح جانب القوت على جانب التجارة في هذا الصنف


خواطر بسكال



مقــــدمة

كتاب " خواطر " للفيلسوف الفرنسي "بليز بسكال"(1) . أشاد المترجم في المقدمة بعبقريتة المؤلف : ( تلك العبقرية المخيفة التي انبثقت منها تلك الإلتماعات السماوية الخواطف ، وما كانت إلا معالم نيرة تشرف على عوالم لانهائية من الفكر المنطلق في رحاب المعرفة... خواطر بسكال نفثات علوية خطها لنفسه ليجعل منها نواة لأضخم مصنف من نوعه .
.. قال جوليان غرين: "بسكال أعظم الفرنسيين شأناً"، .. قال فولتير: " لقد جعلنا نرتعد من كينونتنا، وإني لاجرؤ أن أتشيع للإنسانية ضد هذا المتسامي المتنكر للناس، وأجرؤ على التأكيد بأننا لسنا أشراراً وتعساء بالقدر الذي يتصوره".
.. قال فرانسو مورياك: "مالهم يتكلمون عن عبقرية بسكال المرتجفة الواجفة؟ أي إنسان عرف أكثر من سكينة الحب؟".
هذا المفكر الألمعي الذي تبصر الطبيعة في "سامي وملء جلالها" واستوى على شرفات الوحي شاعرا متعالياً.. منطلق في غياهب الآباد يستنطق الفلوات والآفاق البكماء في اللامحدود من دياجير الدهور )(2) .

شوارد من الكتاب

(4)

= مـن هزأ بالفــلسفة فقد تفـلسف حــقاً . (3)


(15)

= البـــلاغة التي تقنع بالعـذوبة لا بالســلطان، كمغتصب (4) .

(41)

= الإنسان يحب الخبث، ولكنه لا يتخبث على العور والتعساء، بل على السعداء المتشامخين .

(80)

= مـا السبب في أن أعرج لا يغيظنا في حين أن عقلاً أعرج يغيظنا؟ ذلك لأن الأعرج يعترف أن مشيتنا مستقيمة ولأن العقل الأعرج يقول أننا نحن الذين نعرج، ولولا ذلك لاستوجب شفقة لا غضباً .

(82)

= أهـل المهارة الخياليون أكثر عجباً بأنفسهم من أهل الاحتراس المتعقلين. إنهم ينظرون إلى الناس بسلطان، ويغالبون بجرأة وثقة، على حين يغالب الآخرون بخشية وحذر.. لا تستطيع المخيلة أن تجعل من المجانين عقلاء، ولكنها تجعلهم سعداء، فيحسدها العقل إذ لا يقدر أن يجعل أصدقاءه إلا أشقياء، فتغمرهم بالمجد بينما هو يغمرهم بالخجل.. من شاء ألا يتبع غير العقل يعتبر في حكم العامة مجنوناً.

(82)

= المودة أو البغضاء تغيران وجه العدل.. لا يجوز لأكثر الناس أنصافاً أن يحكم في قضيته.. العدل والحقيقة سنان دقيقان إلى حد أن ذواتنا الكلية هي أعجز من أن تمسهما بإحكام، فإذا استطاعت ذلك ثلمت رأسهما وشدت حوله على الباطل أكثر من شدها على الحق .

(100)

= كلما رقينا في مدارج الحظ درجة ازداد بعدنا عن الحقيقة، لأن أكثر الناس يخشون تنفير الناس بمقدار ما تكثر الفائدة من مودتهم والخطر من بغضهم .. .

(139)

= كل تعاسة البشر مردها إلى أمر واحد هو أنهم لا يطيقون الاعتكاف في غرفة، إن الرجل ذا الكفاف، لو عرف أن يلزم منزله بلذة، لما خرج منه ليركب البحر أو ليحاصر قلعة .

(148)

= نـحن من الغرور بحيث نريد أن تعرفنا الأرض قاطبة، بل أن يعرفنا حتي الذين يأتون من بعد أن نزول .

(152)

= الصديق الصدوق هو من المنفعة لأعظم الناس قدراً .. لكن عليهم أن يحسنوا الاختيار، لأنهم إذا أجهدوا النفس في سبيل الحمقى، فما كان ذلك ليفيدهم مهما قال هؤلاء فيهم خيراً، فضلاً عن أنهم لا يقولون الخير إذا كانوا في جماعة هم أحقر من فيها، لأن السلطة تعوزهم عندئذ فيشتركون في النميمة مسايرة .
(158)

= عذوبة المجد هي من العظمة بحيث لو ربطناها بأي غرض كان، ولو بالموت، لأحببناها .

(185)
= الله في تدبيره ينظم الأمور برفق فيضع الدين في العقل عن طريق التعليل وفي القلب عن طريق النعمة، ولكن من شاء أن يضع الدين في القلب والعقل بالقوة فما وضع ديناً بل إرهاباً .

(233)

= تقوم قضيتنا على قوة غير محدودة متى كانت حظوظ الربح والخسارة تعادل بعضها بعضاً في الربح، وكان ما نخاطر به محدوداً وما نتوخى ربحه غير محدود .

(294)

= هل أضحك من أن يكون لرجل الحق في قتلي لأنه يسكن وراء النهر، ولأن أميره في نزاع مع أميري وان لم يكن بيني وبينه مثل ذلك؟ لاشك أن ثمة نواميس طبيعية، ولكن هذا العقل الجميل الفاسد قد أفسد كل شيء .

(294)

= قال أوسع المشترعين حكمة أنه من الخير للناس أن يخدعوا غالباً. وقال آخر وهو سياسي حاذق "بما أنه يجهل الحقيقة المنقدة فمن الخير له أن يخدع .
(298)

= العدل بدون القوة عاجز، والقوة بدون العدل غاشمة. والعدل بدون القوة يناهض، لأن الدنيا لا تخلوا أبداً من أهل الشر، والقوة بدون العدل تتهم، فيجب إذن أن يتحدا معاً، وأن يكون ما هو عادل قوياً وما هو قوي عادلاً .. العدل مثار نزاع، والقوة معترف بها دون ما نزاع. وهكذا لم يستطيعوا إعطاء القوة للعدل لأن القوة ناقضت العدل وقالت أنها هي العادلة، وإذ عجزوا عن أن يكون ماهو عادل قوياً عملوا على أن يكون ما هو قوي عادلاً .

(301)

= لمــاذا يتبعون الأغلبية ؟ ألكونها أكثر صواباً؟ كلا، بل أكثر قوة .


(303)

= القوة لا الرأي ملكة العالم، ولكن الرأي هو ما مارست معه القوة. أن القوة تكـوّن الرأي .

(304)

= النّـاس .. جميعهم يريد السيطرة ولا يستطيعها جميعهم وإنما يستطيعها بعضهم .. يتغالبون حتي يغلب فريقهم الأقوى فريقهم الأضعف.. الأسياد لايروقهم أن تستمر الحرب فيأمرون أن القوة التي في يدهم تؤول على الوجه الذي يشاؤون، فيكلها بعضهم إلى اختيار الشعوب والبعض الآخر إلى الوراثة .. الخ .

(311)

= السلطة القائمة على الرأي والمخيلة تسيطر بعض الوقت. وهذه السلطة عذبة واختيارية، على أن سلطة القوة تسيطر أبداً. وهكذا فالرأي ملك العالم ولكن القوة طاغيته .

(320)

= إن أبعد أمور العالم عن العقل تصبح أقربها بسبب فوضى البشر. أي أمر أقل صواباً من اختيار ولد الملكة البكر ليسوس الدولة؟ لا يختار أعرق المسافرين نسباً لقيادة السفينة .. وقد تكون هذه الشريعة مضحكة وجائرة. ولكن بما أن الناس هم كذلك أيضاً، وسيبقون كذلك أبداً، فإنها تصبح معقولة عادلة، إذ من عساهم يختارون؟ أأكثرهم فضيلة أم أكثرهم مهارة؟ هنا تقع الواقعة فوراً إذ كل يدعي أنه الأفضل وكذلك الأمهر. فلنربط هذه الصفة إذاً بما لا يقع الجدل حوله. أنه بكر الملك. إن الأمر واضح ولا منازعة البتة، والعقل لا يستطيع أفضل من ذلك، لأن الحرب الأهلية أعظم الشرور .

(326)

= تجب طاعة الرؤساء ليس لأنهم عادلون بل لأنهم رؤساء .


(346)

= في الفكــر عظمة الإنســــان .

(455)

= في "أنا" ميزتين: فهي جائرة بحد ذاتها لكونها تجعل من هذه الذات مركز كل شيء. وهي مزعجة للغير إذ أنها تريد لو تستعبدهم. لأن كل "أنا" عدوة للغير وتود لو تكون طاغيته. أنك لتنزع ما فيها من إزعاج لا من جور، وإنك لا تجعلها هكذا محببة للذين يبغضون جورها: ولا تجعلها محببة إلا للجائرين الذين لا يرون فيها عدوة لهم، وهكذا تظل أنت جائر ولا تستطيع أن ترضي إلا الجائرين .

(628)

= ما الفرق بين كتاب وكتاب !.. جمال الكتاب كفيلاً ببقائه. وثمة فرق بين كتاب يؤلفه فرد ويبثه في الشعب وكتابه ينشيء بذاته شعباً.

(870)

= لو استطاعوا لجعلوا القوة في يد العدالة: ولكن بما أن القوة ليست في الطواعية التي يريدون، لأنها صفة ملموسة، في حين أن العدالة صفة روحية يتصرفون بها كما يشاؤون، فقد وضعوها في يد القوة. وعلى هذا سموا عادلاً ما تعودوه بالملاحظة. ومن هنا نشأ حق السيف، لأن السيف يعطي حقاً حقيقياً. ولولا هذا لرأينا العنف في جانب والعدالة في آخر .

(920)

= إن كان ما أقوله لا ينيركم فهو يفيد الشعب، إذا سكت هؤلاء فإن الحجارة تتكلم. السكوت هو الاضطهاد الأكبر: إن القديسين لم يسكتوا قط .




– تعقيب –

خواطر بسكال ..... خواطر البستاني ... وفيما الفلسفة إذا ترجمت إلى لغة أخرى أنتجت فلسفة أخرى ...
قال أبو نصر الفارابي : " إذا كانت الفلسفة قد إنتقلت إليهم من أمة أخرى فإن على أهلها أن ينظروا إلى الألفاظ التى كانت الأمة الأولى تعبر بها عن معاني الفلسفة ، ويعرفوا عن أي معنى من المعاني المشتركة معرفتها عند الأمتين هي منقولة عند الأمة الأخرى " ... وقال الجاحظ " متى ما وجدنا الترجمان قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما ، لأن كل واحدة من اللغتين تجدب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها "... وقال كولن ولسون :" يعتبر بليز بسكال عظيما لأسباب كثيرة إلي درجة أن الكتابة عنه ليست سهلة ، لان من يكتب عنه يجب أن يقرر أولا من أية زاوية سيبحث أمره.
.. لقد برع بسكال في كل الأمور .. ومن الصعب علينا ، في عصرنا ، عصر الطموح المادي .. أن نفهم عظمته ، أو أن نصدر عليه حكما(5).
إلى أي مدى وفق المترجم في مهمته ؟ . يمكن موائمة ذلك وأراء أخرى :

1.= الترجمة تحتاج إلى أن تدخل في إطار خطة إستراتيجية ثقافية شاملة تأخذ بعين الاعتبار حوار الذات مع الآخر في كل المجالات لكي يأتي كل ذلك متوافقاً مع حاجاتنا المعيشية بحيث لانترجم إلا ما يتوافق مع متطلباتنا المنتظمة في نسق عقلاني عملي ، فلا تعود الترجمة تطلب لأخر الصرعات المذهبية أو الأدبية أو حتى العلمية ، بالتالي تكف الترجمة عن أن تكون مثل الأعاصير الموسمية التي تعصف بأكواخنا الفكرية الهشة ... فالكتابة والترجمة فعلان ثقافيان يكون المترجم فيهما يمثل ثقافة مغايرة (6)
٭٭٭
2.= " إن تاريخ الفلسفة ليس سوى حركة ترجمة لم ترض قط عن نفسها لنتذكر ما قاله ماركس عن ترجمة موليتور لكتاب الرأسمال إلى الفرنسية من أن تلك الترجمة " وإن لم تكن نسخة مطابقة للنصالألماني فهي تناسب الفرنسي وقت ظهورها . " (7)
٭٭٭
3.= الكاتب لايكتب شيء إلا إذا كانت له غاية ، وكانت هذه الغاية لها قيمة لديه . هذه الغاية القيمة هي التي يضعها المترجم في إعتباره حينما يختار أثر من الآثار ... هناك فارق بين ما نريد ترجمته وما يريدون هم ترجمته . أعتقد أنه من الخير أن نوجه ذلك . ولا نتركه لتوجيه غيرنا ، لاسيما أن الثقافة في عصرنا أصبحت وسيلة من وسائل الحرب والسلام .
المعركة اليوم في الساحة العربية هي معركة ترجمة ، .. الكتابة الممكنة اليوم هي : الترجمة والتصنيف والتلخيص ..... الترجمة الحقيقية هي التي تعبر عن ضرورة تاريخية ... و لكن من الذي يتحكم بالاختيارات والأولويات ؟
إنهم مثقفو هذه الأمة ومفكروها .... الترجمة الناجحة كما يقول بعضهم " هي تلك التي يبدو فيها النص وكأنه لم يترجم .. "
الترجمة نقل كامل للفكر من لغة إلى أخرى .. اللغة العربية أثبتت مرونتها وقدرتها في الماضي عندما هضمت كل الحضارات الكلاسيكية للبشرية ( حضارة اليونان والرومان والفرس والهند والشرق البعيد . (8)
٭٭٭
4.= الوضع في عصر الترجمة الثاني أقرب إلى الإتباع منه إلى الإبداع فأكثرنا لا يفكر بالأصالة عن نفسه ، بل بالنيابة عن غيره ...إننا لا نترجم ما نحن بحاجة إلي ترجمته ، بل نترجم في الغالب – ما تفرزه حاجة الغير ، فنحن في الترجمة مستهلكون أكثر منا منتجين . (9)
٭٭٭
5.= الترجمة ... حوار موضوعي بين قوى بشرية ذات ثقافات متنوعة . أفضل أشكال الحوار ما كان قائماً على التكافؤ الثقافي بين القوى الحية ، وإلا تحولت الترجمة إلى عامل قهر واستغلال ثقافي... وإلى استلاب. (10)
٭٭٭
6.= " لا يمكن للمترجم أن يقوم بالحوار على أكمل وجه إلا إذا أمتلك وأتقن أدواته ... والغايات الحضارية الكامنة في النص نفسه ... حركة الترجمة عملية مستمرة لتغيير اللغة والإنسان والتراث والمجتمع . (11)
٭٭٭
7. = الترجمات وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية والفلسفة والفكر السياسي غالباً ما تكون حاوية على شحنة رمزية قوية ..... الترجمة التي لا تريد أن تكون انشأ جديداً بل تود أن تظل ترجمة ، إحدى أكبر التمثيل الفكري والتعبير تعقيداً وتداخلاً وتطلباً للضغوط الصارمة .. لأن المسألة ستظل مرتبطة دائماًً بالسؤال التالي : كيف نحافظ على الوحدة البنيوية والرمزية للنص مع تفجير المعنى وتوليد الفكرة الجديدة الوافدة من الجوف اللغوي العربي ذاته ؟ (12)
٭٭٭
8.= أن تترجم هذا يعني أن تقول ما تريد على لسان الآخرين ... وما المترجمون إلا مبدعين نذروا أنفسهم لإيصال هذا التراث الفكري إلى شعوبهم مقابل أن يقولوا ما يريدون .... فيما إذا كانت هذه الكتب تدعم قضايانا وتوجهاتنا يجب أن نبحث عنها ونترجمها ، وإذا كانت تعادينا يجب أن نترجمها أيضاً لنتمكن من دحضها ... إن النضال المبني على المعرفة أجدى بكثير من العداء والحقد وقليل من المعرفة . (13)
( خواطر بسكال كتاب يفرض على المرء قرأته )
------------------------------------------------------

(1) ولد بسكال بمدينة كليرمون عام 1623.
(2) بسكال، خواطر، تعريف أدوار البستاني (سلسلة الروائع الإنسانية) ، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، مقدمة المترجم. ص1-4..

(3) ص11. "جاء في مونتين: أخذوا على أحد الأقدمين أنه يمتهن الفلسفة على كونه لا يعتد بها في حكمه، فقال: إن في هذا الفلسفة الحقيقية. (المعرب)..
.
(4) ص14. "المغتصب يمارس سلطانه بتعسف القوة.. البلاغة ترضينا دون أن تقنعنا. (المعرب).
.
(5) كولن ولسون ، سقوط الحضارة ، دار الآداب ، بيروت ،ص 226 .

(6)- مجلة الوحدة ، المجلس القومى للثقافة العربية ، 1989 .ع 61/62 كلمة الوحدة صـ 5- 6
(7)- عبد السلام بن عبد العال . مجلة الوحدة ، المجلس القومى للثقافة العربية –العدد (61 – 62 ) 1989- صـ 10
(8 )- هاشم صالح ، دور الترجمة في تشكيل الفكر العربى المعاصر ، مجلة الوحدة صــ 20-29 .
(9)- جورج طرابيشي ، المصدر السابق ، صــ 30- 35 . له العديد من الكتب المترجمة والمؤلفة .

(10)- حافظ دياب ، الترجمة وأسئلة النهضة ، المصدر السابق صــ 37 .
(11)- د. مسعود ظاهر ، الاتجاهات الأساسية لحركة الترجمة في لبنان والوطن العربي ، مجله الوحدة ، صـ 45- 56.
(12)- عبد الوهاب حفيظ ، حول الترجمة والتعريب والتغريب " مأساة المصطلح وفراغ المعنى مجلس الوحدة
صــ 74-84 .
(13)- منذر حلوم ، ملاحظات مترجم ، مجلة الوحدة ، صـــ 112-





استبيان حول العولمة

يمكن صياغة توصيف العولمة من خلال مناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان " العرب والعولمة " في صورة استبيان على النحو الآتي :
________________________________________
ضع العلامة (*) امام الرؤى التى ترجح صحتها ؟
1 - العولمة عملية تاريخية ..تعود الى خمسة قرون خلت .. عام سقوط غرناطة وطرد المسلمين و اليهود من اسبانيا و بداية اكتشاف العالم الجديد . وعام سقوط حائط برلين وتفكك منظومة اوربا الشرقية والاتحاد السوفياتى من بعدها .. لم تكن ثورة او قطيعة مع الماضى ، بل عودة الى تسارع واضح لوثيرة تطورات سادت في القرن التاسع عشر ، بعد ركود قصير نسبيا فى مسيرتها مابين الحربين العالميتين الاولى والثانية في القرن العشرين . •
2 - العولمة شانها .. شان كل التحديات المصيرية تجمع بين التهديدات والفرص . وهى بهذا ليست كلها شرا بالضرورة ، وعلينا الخروج منها لاعليها .
3 - العولمة محاولة لعولمة نمط الحياة الامريكى .
4 - العولمة سلاح خطير يكرس الثنائية وانشطار الهوية الثقافية الوطنية . السيادة الثقافية تنهار بتزامن ضغوط الخارج مع اخفاقات مؤسسات الداخل .
5 - الهجوم الكاسح للعولمة سيؤدى الى الارتداد نحو التشبت بالثقافة والهوية القومية. ..التبعية الثقافية هى نهاية عمليات السيطرة الكلية التى تبدا في المجالات الاخرى .
6 - العولمة نظام راسمالى اكثر تكاملا .
7 - العولمة قابلة للارتداد لانها تحمل في ثناياها التناقضات التى قد تقضى عليها .
8 - العولمة تعنى بالضرورة الهيمنة .
9 - العولمة تعنى حقا ان الدولة في طريقها الى الاضمحلال .
10 - العولمة في حقيقتها امتداد للدولة القومية القوية.
11 - العولمة لا تؤدى بالضرورة الي ضياع الهوية ، بل الى ردة فعل تحافظ عليها و تعمق بعدا جديدا ( البعد الاثنى ) كبديل في تشكيل الهوية الحديثة للدولة .
12 - العولمة اقتضت إستبدال مبدأ الامن الدولى الذي يوفر الشرعية للتدخل في شؤون الدول الاخرى ( دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الانسان .. الخ ) بمبدا سيادة الدولة . وإقامة منظومة أمنية عالمية جديدة على اساس مرجعية من الاتفاقات الدولية للتسلح تقسم العالم الى من يملك السلاح ومن يحرم منه ، وسيطرة الكبار على نظم الرقابة المستجدة في مجالات التسلح .
13 - العولمة في حساب التحليل العلمى – محض فرضية تحتاج الى إثبات حتى تستقر حقيقة .. وانه من المبكر جدا الاطمئنان الى حقيقة اننا على عتبة عالم جديد ، او اننا على وشك ان نشهد نهاية المجال الوطنى والسيادة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة .
14 - العولمة افراز من افرازات الدولة القومية عند لحظة من لحظات تضخم قوتها وفيضها على العالم من حولها .
15 - العولمة ايدولوجيا جديدة نظير سابقتيها : " نهاية العالم " و " صراع الحضارات ".

قصة النمر الماعز .. وراعي الثور

قصة النمر الماعز
( قصة الخطأ الذى يؤدى الى العبودية والمعأناة )قصة هندية قديمة
كانت ام النمر قد ماتت وهى تضعه وتركت النمر الوليد وحيدا في الدنيا ، ومن حسن الطالع أن الماعز كانت رحيمة ، وتبنت النمر الصغير ، وراحت تعلمه كيف يلتهم العشب بانيابه القاطعة ، وكيف يثغو على نحو ما تفعل . ومر الوقت ، وحسب النمر أنه كباقي قطيع الماعز ، ولكن ذات يوم صادف نمر عجوز قطيع الماعز هذا ، وهربت الماعز كافة في فزع ، بإستثناء "النمر الماعز" الذي كان في منتصف مراحل نموه ، والذي لم يساوره لسبب مجهول شعور بالخوف ، وفيما وحش الأدغال الضاري يدنو ، بدأ الصغير يحس بالوعي بنفسه ويشعر بعدم الإرتياح ، ولكي يخفي وعيه بنفسه بدأ يثغو قليلا ، ويقضم بعض العشب ، فصرخ النمر العجوز في الصغير في دهشة وغضب ، وسأله عما عساه أن يفعل عندما يلتهم العشب ويثغو كالماغر ، ولكن الصغير كان أكثر حرجا حيال هذا كله من أن يجد جوابا ، فواصل قضم العشب ، وعندما أستبد بنمر الأدغال الغضب حيال هذا السلوك ، قبض على عنقه وحمله الى بحيره قريبة ، وأمسكه بازاء الماء ، وأمره بأن يتطلع الى نفسه ، وصرخ به : ( أذلك وجه نمر يشبه القدر أم أنه وجه مستطيل كوجوه الماعز ؟ )كان نمر الصغير لا يزال أعظم خوفا من أن يحير جوابا ، وهكذا حمله النمر العجوز الى كهفه ، ودفع بقطعة لحم كبيرة من اللحم الريان الأحمر الطازج بين فكيه ، وفيما تقاطرت السوائل إلى معدة النمر الصغير ، شرع يحس بقوة جديدة وعنفوان جديد ، ولم يعد يخطئ ويحسب نفسه ماعزا ، وهز ذيله بقوة من جانب إلى آخر ، وزار كما يليق به . لقد وصل إلى التحقق من أنه نمر. ولم يعد ينظر الى نفسه على أنه ما كان يبدو له في غمار جهله ، وإنما أدرك طبيعة الحقة التي لاعلاقة لها بعالم الماعز .
قصة راعي الثور( قصة تاوية قديمة )
الراعى وهو يبحث يائسا في كل مكان عن ثوره المفقود .. لمح اثار حوافر الثور . الامر الذى اعاد له الامل في أن ثوره لم يفقد للابد .. يلمح الثور بالفعل .. أنه امسك الآن بثوره ، مستخدما لجام الانضباط للسيطرة عليه .. الآن يتبع الثور عن طواعيه راعية الى الدار .. الآن يمتطى الراعي الثور ، وهو يعزف على الناى في نشوة ..الأشياء تتكشف امامه على نحو ما هي عليه في ذاتها ، فالغدران تنساب من تلقاء ذاتها ، والزهور الحمراء تزدهر حمرتها بصورة طبيعية .. راعي الثور يدخل سوق البلدة يقوم بكل الاشياء العادية التى يقوم بها الآخرين . انه لا ينسحب من العالم ، وإنما يشرك الجميع من حوله في وجود المستنير .. وبسبب تألق حياته يجعل الأشياء الذابلة تزدهر .
- جون كولر . الفكر الشرقى القديم

هل للإنسان مستقبل ..؟

تساؤل للفيلسوف الانجليزي برتراند رسل ( 1882) الحاصل على جائزة نوبل عام 1950 لشهرته فى مجال الرياضيات . والداعية الى السلام والى إنقاد البشرية من ذلك المصير المظلم الذى يعده لها تجار الحروب ، وقد عبر عن إذانة صريحة لاؤلئك الذين يكدسون اسلحة الدمار الشامل ويتلاعبون بمصير البشر . .في مستهل الحرب العالمية الاولي 1914 -1918 كان رسل من اولئك الذين رفعوا شعار (الحرب ضد الحرب) داعيا الى عدم التطوع فى الجيش البريطانى.. ودفع من عمره ستة شهور قضاها في السجن بسبب موقفه هذا . له مؤلفات عده فى الرياضيات وفى تاريخ الفلسفة الغربية ومناهجها ، وكان آخر ما كتبه مؤلفه الذى حمل عنوان " هل للإنسان مستقبل "(1) عرض فيه لأخطار السلاح النووى ، ورؤيته لمستقبل البشرية فى عالم مستقر . إفتتاحية الكتاب ضّمنها تحليلا لأخطار القنبلة الذرية :" ان العصر النووي الذي يعيشه الجنس البشري والذي قد يموت سريعا به ، بدأ بالنسبة للدنيا باسقاط قنبلة ذرية علي هيروشيما في 6 اغسطس عام 1945 .. وعندما انتهت الحرب الالمانية كانت الغالبية العظمى للعلماء الذين اسهموا في صنع القنبلة الذرية ، يقررون ان من الواجب ألا تستخدم ضد اليابانيين الذين كانوا علي وشك التسليم ، وكان يجب علي الغربيين ألا ينهجوا نهج هتلر في الحاق الدمار بالارض . وقد قدم كثير من العلماء التماسات عاجلة الي الحكومة الامريكية يطالبون بعدم استخدام القنبلة كسلاح حربي .. و قدم سبعة من أقدر علماء الذرة التماسا عرف باسم " تقرير فرانك " قدموه الي وزير الدولة للحرب في يونيو عام 1945 .قال التقرير :إن النجاح الذي احرزناه في تطوير القوي النووية يثير خطر لاحد له . اكثر من اى إختراع أخترع في الماضي . وانه لا يوجد سر من الاسرار التي يمكن الحفاظ عليها لمدة طويلة ... كانوا يحاولون إخراس العلماء بالقول بانهم رجال دنيا ، وليسوا على صلة بالواقع ، وانهم غير قادرين على إصدار الاحكام الصحيحة عن السياسة .. وقد أثبتت التجارب بعد ذلك انهم من ادراك كنه الامور، بينما عمى الجنرالات والسياسيين عن سبر اغوارها .هل من الممكن لمجتمع علمي ان يوجه نفسه توجيها غير منظور الي الدمار ؟إني اري بعين خيالي كابوسا مرعبا ، وأنا اسير في الطرقات .. اراها كلها وقد تحولت الي اكوام من الرماد تدفن الاجساد تحتها ومن حولها . لايكفي – هذه المرة – ان نقلل من عدد الحروب وإنما يجب ان نمحو نهائيا كل الحروب .. تلك معضلة على الانسان ان يجد لها حلا ، فسيمحي الانسان وقد يصبح الكوكب الارضى أسعد حالا بدوننا .العلماء انفسهم قلقين الى حد بعيد وضمائرهم مشتعلة بما فعلوه . رغم انهم يعلمون انهم اجبروا على هذا العمل .لا اظن ان هنالك أية فائدة من توقيع معاهدات تمنع إستخدام القنبلة الذرية او تمنع صنعها ،لأنكم لن تستطيعوا تنفيدها ، وعقوبة من لايتخلى عن المعاهدات في هذه الحالة اكثر بكثير من عقوبة المتخلي عنها .. وسارت الدنيا في طريق خطأ ، واوغلت مع السنيين في سفرها على طول الطريق .. نحو الفناء . "
هل للإنسان مستقبل ؟" كتاب يفرض على المرء قراءته .
(1) برتراند رسل ، هل للإنسان مستقبل ، ت .عايد الرباط ، الدار القومية للطباعة والنشر .


تاريخ الفلسفة الغربية


تاريخ الفلسفة الغربية كتاب يستحق عناء القراءة . للفيلسوف الانجليزي برتراند رسل ، عرض فيه لتاريخ الفلسفة الغربية ومناهجها . فى مسالة الثقافة والفلسفة عند المسلمين يقول :
يبدا العصر الاسلامي بالهجرة ، سنة622 م ،ومات محمد "صلي الله علية وسلم " بعدها بعشر سنوات . فبدأت الفتوحات العربية بعد موته مباشرة ، وسارت بسرعة خارقة لكل مألوف .. وعملت ظروف مختلفة على تيسير هذا التوسع ، ففارس والامبروطورية الشرقية كانتا منهوكتين بحروبهما الطويلة ، وكان السوريون نسطوريين في كثرتهم الغالبة ، فعانوا من اضطهاد الكاثوليك ، واما المسلمون فقد افسحوا صدورهم تسامحا لكل المذاهب المسيحية ، وكذلك رحب "موحدو طبيعة المسيح " في مصر بالفاتحين ...وفي افريقيا تحالف العرب مع البربر الذين لم يكن الرومان قد افلحوا قط في اخضاعهم اخضاعا كاملا ، وتعاون العرب والبربر معا على فتح اسبانيا ، وساعدهم على ذلك اليهود الذين كانوا قد ذاقوا المر من اضطهاد الفيسيقوطيين . اما الثقافة المميزة للعالم الاسلامي ، فعلى الرغم من انها بدأت في سورية ، الا انها سرعان ما ازدهرت اعظم ازدهار لها في طرفى هذا العالم .. كان اول معرفة العرب بالفلسفة اليونانية ، مستمدا من السوريين ، ...فقد ترجم الكندي (ت 873) –وهو اول من كتب الفلسفة بالعربية ، وكان هو نفسه عربيا -.. وحدث اذ ذاك ان اتصل مسلمو فارس بالهند ، فاستمدوا في القرن الثامن اول معرفتهم بالفلك من مؤلفات سنسكريتية ، وفي سنة 830 تقريبا ، نشر محمد ابن موسى الخوارزمي .. كتابا ترجم الى اللاتينية في القرن الثاني عشر بعنوان "الاعداد " .وهذا الكتاب هو اول مصدر استقى منه الغرب ما نسميه بالاعداد "العربية" وكتب المؤلف نفسه كتابا في الجبر ، استخدمه الغرب متنا في هذه المادة حتي القرن السادس عشر . بين الفلاسفة المسلمين فيلسوفان جديران بالاهتمام الخاص ، هما ابن سينا وابن رشد . اولهما اشهر من زميله بين المسلمين ، على ان ثانيهما اشهر من الاول بين المسيحيين . ظل –ابن سينا 980-1037- في اوربا مرشدا في الطب من القرن الثاني عشر الى القرن السابع عشر... لم تكن له شخصية القديس ، ...وكان موضع ارتياب المتمسكين باصول الدين ، لكنه كان محببا الى الامراء لمهارته في الطب ، وكان احيانا يتعرض للخطر بسبب عداوة الجنود المرتزقة من الاتراك ، فقضى حينا من الدهر متخفيا ، وحينا اخر في السجن ، وله موسوعة ألفها، يكاد الشرق لا يعرف عنها شيئا ، لعداوة رجال الدين له ، لكنها ذات اثر قوى في الغرب ، عن طريق ترجمتها الى اللاتينية .. وفلسفته اقرب الى ارسطو .. وقد شغلته مشكلة المعاني الكلية .. اما ابن رشد (1126 -9 ولد في قرطبة حيث كان ابوه وجده قاضيين ، وكان هو نفسه قاضيا في اشبيلية اولا ثم في قرطبة ، بدا بدراسة الدين و الفقه ، ثم الطب و الرياضة والفلسفة ، وقد اوصى به "للخليفة " ابى يعقوب يوسف ، ..فقربه هذا الحاكم اليه .. وجاء خلفه يعقوب المنصور ، فلبت احد عشر عاما يواصل خطة ابيه في رعايته لابن رشد ، لكنه فزع لمعارضة المتمسكيين باصول الدين لابن رشد فجرده من منصبه ، ثم نفاه الى مكان صغير بالقرب من قرطبة اول الامر ، ثم الى مراكش ، وكانت تهمته انه يرعي فلسفة الاقدميين على حساب الديانة الحق ، واصدر المنصور مرسوما يقول فيه ان الله قد اعد نار الجحيم لاولئك الذين يحسبون العقل وحده قادر على بلوغ الحقيقة ، والقى في النار كل ما وجده من كتب في المنطق والميتا فزيقا.. وطغت على العالم الاسلامي موجة من التعصب الجامد لاصول الدين ، فانتهى بذلك التامل الفكري . فعلى الرغم من ان ابن رشد كان مؤمنا ، .. فقد كان هناك مذهب يأخد به رجال الدين الذين لم يتهاونوا قط في الاستمساك باهذاب الدين في اصوله ، وهو معارضة الفلسفة كلها ، باعتبارها وخيمة العواقب على العقيدة الدينية ، و كان من هذا الفريق الغزالي ، كتب كتابا بعنوان " تهافت الفلاسفة". يقول فيه مادام القران قد ذكر كل الحقيقة الضرورية ، فلا حاجة بنا للتامل الذي لا ينبى على الوحى ، فرد عليه ابن رشد بكتاب اسماه "تهافت التهافت " يعتبر الدين مشتملا علي حقيقة فلسفية صبت في قالب رمزي . وابن رشد اهم في الفلسفة المسيحية منه في الفلسفة الاسلامية ، فهو في الفلسفة الاسلامية يعد نهاية طريق مغلق ، بينما هو في الفلسفة المسيحية بداية الطريق .. وكان تاثيره في اوربا عظيما جدا . حفز المسلمون والبيزنطيون كلاهما بلاد الغرب على النهوض بعد ان زالت عنها غمرة البرابرة .. وكان اليهود حلقة اتصال مفيدة بين مسلمي اسبانيا والمسيحيين ، فقد كان في اسبانيا عدد كبير من اليهود ظلوا بها حين غادرها المسلمون ، لما كانوا يعرفون من العربية ، ثم اقتضتهم الضرورة كذلك ان يعرفوا لغة المسيحيين ، كان في مستطاعهم ترجمة المؤلفات العربية ، وكذلك نشا عامل اخر عمل على دمج اليهود بالمسلمين ، وذلك حين اضطهد المسلمون اشياع ارسطو في القرن الثالث عشر ، مما ادى بالفلاسفة المسلمين في اسبانيا ان يلوذوا باليهود فرارا ، خصوصا في اقليم بروفانس . " تاريخ الفلسفة الغربية " كتاب يفرض على المرء قراءته .

----------------------------

ابن رشد رائد الاتجاه العقلي
إشراف وتصدير : الدكتور عاطف العراقي ( مصر )عرض الدكتور : أنطوان سيف ( لبنان ):
بعد ثلاثة أشهر من دفن ابن رشد في مراكش ، نقلت رفاته إلى مقبرة أجداده في قرطبة . وشهد الشيخ الصوفي محي الدين بن عربي الحدث ، وكان في الثالثة والثلاثين من عمره ، فقال : " ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة ، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر " .ولكن المشهد كان بالفعل أكثر مأساوية . لم يكن جنازة منعزلة لفيلسوف كهل وفرد ، لقد كان على الحقيقة موكب الفلسفة العقلانية العربية المهزومة في ديارها وعلى يد بعض أهلها ، بعدما ظلت تقدم انجازات فكرية وعلمية جعلت بها الثقافة العربية منارة الثقافة العالمية ومركزها بلا منازع على مدى قرون ..قبل وفاته بثلاث سنوات – وكان في السبعين من عمره – اتهم ابن رشد بالكفر والزندقة . فحوكم علنا أمام السلطان الموحدي يعقوب المنصور في جامع قرطبة الأعظم التي شغل فيها منصب قاضي القضاة لسنوات ... لعنه الحاضرون وأخرج مهانا . وجمعت كتبه في الفلسفة وأحرقت . وحرّم اقتناؤها ومطالعتها ، هي وأمثالها ، تحت طائلة العقاب الصارم . ونفي إلى بلدة " أليسانة " في الأندلس لا يسمح له بأن يبرحها ، وكانت آهلة بالمنفيين اليهود وغيرهم .أسباب محنة ابن رشد لم تكن شخصية فحسب ، إذ شملت غيره أيضا من الذين اشتغلوا بالحكمة وعلوم الأوائل . وقد اقتضاها ابتغاء السلطان تملق الفقهاء المتزمتين والعامة في زمن اشتداد الصراع والحروب مع أمراء اسبانيا .لقد كان ابن رشد آخر أعلام الفلسفة العربية العقلانية النقدية الكبار . وقد نكّب بسبب موقفه هذا . وان تزامن هذه المحنة مع بدايات ما اصطلح على تسميته بـ " عصور الانحطاط " التي لم تضع حدا حاسما لها " النهضات " العربية الحديثة ، وعزز الاقتناع بالترابط السببي ما بين ضرب التيار العقلاني النقدي ، الذي مثله ابن رشد خير تمثيل ، والتقهقر الحضاري والسياسي اللاحق له ، هذا الترابط الذي يزيده توكيدا تقدم الغرب المطّرد مند ذاك الوقت الذي تلقف فيه أفكار ابن رشد ونظرياته وشروحا ته ، بعد أن وضعت تحت الحظر في موطنها الأصلي .هذه " اللحظة الرشدية " التاريخية المنيرة والمتألقة هي التي يمثلها الوعي العربي المعاصر ، ويتحسر على افتقاده لها ، ويعمل على استعادتها .لقد اتخذ ابن رشد هذه الصورة الرمزية الاستقطابية " المنقذة " التي تجسدت بمسلكيات ومواقف لا تخلو من العزم والتصميم والجدية . ولعل ابرز هذه المواقف هو المجلد الضخم ( 466 صفحة ) الذي أصدرته ( لجنة الفلسفة والاجتماع ) التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر : بعنوان : " الفيلسوف ابن رشد .. مفكرا عربيا ورائدا للاتجاه العقلي " .. شاركت فيه مجموعة من ثمانية عشر باحثا واختصاصيا في الفلسفة العربية من المحاضرين في الجامعات المصرية ... واشرف على إصدار هذا المجلد ، الذي دام الإعداد له أكثر من خمس سنوات ، الباحث المعروف وأستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة الدكتور عاطف العراقي ، وهو من ابرز المختصين في فلسفة ابن رشد ، وصاحب كتاب " النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد " .هذا المجهود لاستحضار الغائب الكبير " ابن رشد " لا يداور لحجب غايته : الوقوف بوجه حركات التطرف الديني المنتشرة في بعض بلدان العالم العربي اليوم ، التي تتوسل العنف المسلح كطريق أوحد للعمل السياسي وللتعبير عن مواقفها ، وترفض الحوار العقلاني الحر والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف . وان الخوف الواسع من هذه التوجهات وأمثالها ، ينبع من كون ذاكرة الناس تعج بالعديد من الأمثلة التاريخية الحية المرعبة . فإن هذا النهج العنفي الذي تطبقه هذه الحركات والأحزاب ، على اختلاف شعاراتها البراقة والمعلنة ، يبقى لاحقا ودائما نهجها الوحيد والمفضل إذا ما تسنى لها الوصول إلى هذه السلطة !وتبدو هذه الحقائق ، لا بل المخاوف ، في خلفية قرار المثقفين العرب ، الملتزمين بتقدم أمتهم بخطى واثقة منفتحة من غير عقدة خوف على العالم ، ومواجهة " إيديولوجيات العنف " بقوة من غير عنف وبشجاعة أخلاقية لافتة ، وبالعمل الحثيث ، في الوقت ذاته ، على تغيير الشروط الموضوعية الملائمة لنشأتها واستفحالها .تلك هي دلالة " استعادة " ابن رشد بعد غربة قسرية استمرت ثمانية قرون ، واستمر بسببها الغياب العربي عن الصفوف الأولى لمسيرة الحضارة الإنسانية . ويختصرها المشرف على العمل بقوله :" نحن العرب في أمس الحاجة إلى الاستفادة من فلسفة ابن رشد عميد الفكر العقلاني ، إذا أردنا لأنفسنا طريق التقدم ، طريق الزعامة الفكرية ... وسنجد في دروس ابن رشد أسس التنوير ومحور الصحوة الكبرى " .

-------------------------

ابن رشد والاصلاح السياسي ونقد الاستبداد
مجلة العربي

زينب عفيفي



إنها المرة الأولى التي يتحدث فيها ابن رشد عن مدينة فاضلة ولكنها مدينة يمكن إيجادها في دنيا الواقع فربما تكون هي أيضا المرة الأولى التي سيجد القارئ العربي في تراثه المتراكم عبر خمسة عشر قرنا من الزمان، خطابًا سياسيًا يواجه السياسة مواجهة صريحة بالعلم والفلسفة ويندد بجميع أشكال التسلط والاستبداد، ويؤمن بالتقدم وينشد إصلاح الحكم والسياسة.

هي مدينة رأى ابن رشد إمكانية تحققها في زمانه ومكانه عن طريق تربية أناس (بصفات وخصائص معينة) أناس ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك (الإسلام) أساسا لهم وبحيث تكون الفلسفة قد بلغت غايتها في ظل تلك الملة، مدينة غايتها أن يتمكن أهلها من بلوغ كمالاتهم الإنسانية وذلك عن طريق التحلي بالفضائل النظرية (فضيلة العقل والحكمة) والفضائل العلمية (العلوم المختلفة وتطبيقاتها) والفضائل العمليه (الأخلاق والسياسة) ثم الفضائل الخلقية (السلوك الأخلاقي).

ولم يكن المنطق سوى العلم الصحيح الذي يجب البدء به ليكون جميع أعضاء هذه المدينة فاضلين فهو الذي «يعصم العقل من الخطأ» والفيلسوف رئيس المدينة الفاضلة يحتاج إلى ما يعصم عقله من الخطأ وبالتالي إلى علم صحيح يؤسس العمل الفاضل، وليس إلى تأمل الحقائق المجردة كما ذهب أفلاطون حين اعتقد أن العلم الذي يجب البدء به هو التعاليم (رياضيات، هندسة، فلك، موسيقى) إذ إن هذا العلم يجعل المتعلم يتعامل مع المجردات فيحلق في السماء يتأمل المثل التي اعتبرها حقائق الأشياء.

على الرغم من أن مسيرة الحياة الثقافية قبل ابن رشد بنحو قرن من الزمان ومع حكم المرابطين قد صبغت المجتمع الأندلسي بصبغة الجمود والتخلف؛ إذ اندثرت العواصم العلمية والثقافية وصمت الشعراء والأدباء، وأهمل المرابطون الثقافة والعلم ورفضوا العلوم اليونانية وخاصة الفلسفة وعلم الفلك فانطفأ شعاع الحضارة ونور المعرفة في عواصم الأندلس.

وعلى الرغم من أن الناظر إلى الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية في تلك الحقبة من الزمان لم يكن يتوقع بصيص أمل أو شعاع نور، إلا أنه كان يلوح من حين لآخر بريق أو بشير إنقاذ يثير في النفوس الأمل والتفاؤل بفجر جديد يعود فيه إلى الأمة الإسلامية مجدها وعظمتها، ولم يكن ظهور دولة الموحدين سوى هذا الشعاع الذي أضاء سماء الأندلس واستمر ما يقرب من قرن وربع قرن من الزمان، إذ انتعشت في ظلها الحياة الاقتصادية والاجتماعية وهدأت الاضطرابات السياسية وازدهرت الثقافة العربية الإسلامية وسيطرت العقلية العلمية الثقافية المتأثرة بفكر وفهم ابن تومرت وابن باجة وابن طفيل على السطوة الدينية والفقهية للمتزمتين من الفقهاء، مما أدى إلى السماح باستيعاب المفاهيم الفلسفية والتي كان لها أثرها في تغيير الخطوط العريضة لتلك السطوة الدينية فنجد عبد المؤمن بن علي الكومي يحاول إصلاح التعليم وتأسيسه على العقل فيسند هذه المهمة عام 1152 م إلى ابن رشد الفيلسوف الشاب ولم يسندها إلى فقيه من الفقهاء.

* حرية فكرية

تحت رعاية أبي يعقوب يوسف عبد المؤمن (1123-1184م) وبتأكيد منه ينعم ابن رشد (1126م/520 هـ) في بلاطه بالحرية الفكرية والأمن السياسي، وينطلق بعقلية فاحصة نقدية ينهل من معين الفلسفة الأرسطية ويقرب عباراتها المختلطة المشوشة بعد تصحيحها، من عقلية ذلك الأمير المتفتح للثقافة والعلوم فيبدأ بأن يزيل ما اختلط بفلسفة أرسطو من اضطرابات واختلاط نجم عن المترجمين والشراح، ثم يشرع ابن رشد ونفسه مملوءة بالأمل بعد أن وكل إليه الخليفة مهمة تصحيح مسار الفكر والثقافة في المجتمع الأندلسي في وضع قواعد ترسم الشكل الأساسي للمفكر العصري (على عهده) بروحه الحرة وقدرته التفسيرية، فيعيد بذلك الاعتبار لمعايير الاستقلال الفكري والأخلاقي للفيلسوف ضد التدخلات الخارجية سياسية كانت أم دينية، مستهدفا من ذلك وضع أسس قيام حكومة الحكماء.

كما رأى أن إصلاح العقيدة وتخليصها من تخليط المفكرين والأشاعرة هو أهم مراحل الإصلاح، والذي سيعقبه بالضرورة إصلاح المجتمع والسياسة. ومن هنا فقد جاءت ثمراته الفلسفية في مختلف المجالات وفي فترات زمنية متلاحقة تعبيرا حقيقيا عن مشروعه المستقبلي لإصلاح المجتمع. كان الهدف الرشدي ينحصر في تأسيس مستقبل معرفي تلتقي فيه الفلسفة والسياسة والعقيدة.

بدأ ابن رشد بالفعل تحقيق هذا المشروع بما يضعه من مختصرات لكتب أرسطو وغيره مثل جالينوس (مختصر السماع الطبيعي - الكون والفساد - النفس - الحيوان... إلخ) وهدفها من وجهة نظره إنقاذ الضروري وهي فترة سادها اليأس والاضطراب والتشاؤم في المجتمع الإسلامي.

ثم تلاها بالجوامع (جوامع كتب أرسطو في الطبيعة مثلا وما بعد الطبيعة) وهي تخليص القول البرهاني من القول الجدلي، وقد ساد هذه الفترة أيضا التشاؤم والإحباط والصراع السياسي بين الإمارات من جهة وبين الإمارات والفرنجة في الأندلس من جهة أخرى. ثم بدأ ابن رشد إعلان أولى مراحل التصحيح في حدود ما يسمح به نظام الحكم في ذلك الوقت بإعلان التلاخيص مثل تلخيص الخطابة لأرسطو ثم تلخيص الأخلاق النيقوماخية «لأرسطو وقد تميزت هذه الفترة بالتردد والتفاؤل الحذر.

في هذه الفترة التي كان ابن رشد ينشد فيها تحقيق حياة سياسية صحيحة تسود فيها القوانين وضع كتابه «الكليات» في الطب، وكتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، وكان هدفه - على الرغم من تباعد موضوعهما - وضع دساتير وقوانين للقول الطبي والقول الفقهي، فكان كتابه في الطب كتاب كليات لا جزئيات، وكتابه في الفقه كتاب أصول لا كتاب فروع، يقول في مقدمة كتابه في الكليات: «فإن كتابنا هذا إنما قصدنا فيه أن نجعله كالدستور والقانون لمن أحب أن يستوفي أجزاء الصناعة على هذا التقسيم والترتيب».

وكثيرا ما ينبه ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» إلى أن الغرض من الكتاب أصول العقائد والأحكام إذ يقول: «وليس قصدنا تفصيل المذهب ولا تخريجه في هذه المسائل، وإنما هو الأصول الضابطة للشريعة لا إحصاء الفروع».

كان هدفه في هذه المرحلة الانتقال من مستوى المعارف المشتتة والمعتمدة على بادئ الرأي إلى مستوى المعرفة العلمية المنظمة بجملة من المبادئ والأصول والقوانين.

* تصنيف العلوم

قسم أرسطو العلوم قسمين: القسم الأول هو العلم النظري ويقدم معارف من شأنها أن يعلمها الإنسان دون أن يكون عليه أن يعملها، وإن هدفها العلم لذات العلم مثل علوم التعاليم وعلوم الطبيعة، والقسم الثاني هو العلم المدني ويضم العلوم التي من شأنها أن يعلمها الإنسان ويعملها وإن هدفها هو العمل مثل علم الأخلاق وعلم السياسة.

انطلق ابن رشد في سياسته من الاهتمام بالعمل، وهذا العمل مؤسس على مبادئ العلم المدني، ومبادئ علم الأخلاق وكلاهما - في رأيه - يعتمد على علم النفس لأن موضوع علم الأخلاق هو «الملكات والأفعال الإرادية والعادات وغيرها» وكل ذلك مما يدخل في نطاق علم النفس الذي يعتبر بدوره فرعًا من العلم الطبيعي، فالنفس في تعريفها المعتمد عند ابن رشد «كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة» غير أن النفس لا تفعل ولا تنفعل بغير الجسم فهي صورة للمادة وترتبط بها ارتباطا عضويا.

فكأن العلم الطبيعي عند ابن رشد هو الذي يؤسس علم النفس، وعلم النفس يؤسس علم الأخلاق والذي يؤسس بدوره علم السياسة والمقصود بالسياسة كما عرفها ابن رشد هو علم الأفعال الإرادية التي تصدر عن الإنسان، كما أنها علم تدبير المدينة، والمدينة لا يمكن تدبيرها إلا بواسطة أفرادها، ومن هنا كان تركيز ابن رشد على القول بأن الإنسان مدني بالطبع وبحيث إنه لايستطيع تحقيق كمالاته بمفرده، لأن كل واحد يقدم للآخرين ما يساعدهم على تحقيق هذا التكامل. المدينة تسعى إلى تحقيق كمالاتها في عيش أفرادها عيشا مشتركا، فإذا كان علم الأخلاق هو علم تدبير نفس الفرد، فإن علم السياسة هو علم تدبير نفوس الجماعات.

ربما يفسر لنا ذلك سر اهتمام ابن رشد بالنشاط الفني وموافقته للدور التربوي للموسيقى والألحان ولبعض أنواع الشعر والحكاية (التمثيل) وفي «جوامع سياسة أفلاطون» يقر ابن رشد بقدرة الفن في التكوين الخلقي والاتجاه إلى فعل الخير لارتباط الروح بالجمال والخير أيضا بالجمال.

يؤكد ابن رشد أن هذا العلم يتضمن أفعال الإنسان الإرادية، والمبدأ هنا هو الاختيار الحر الذي يتخذ من الإرادة والقصد أساسا لتحققه، وهو عكس الحال في الطبيعيات حيث إن الطبيعة هي المبدأ وكذلك الإلهيات، حيث الله هو المبدأ.

ويرى أن الأخلاق والسياسة قسمان لعلم واحد هو علم السياسة، والقسمان يرتبط كل منهما بالآخر ارتباط المبدأ بالمضمون أو النظري بالممكن والعملي.

العلم السياسي إذن يرتبط بعلم الأخلاق ارتباطا وثيقا ولما كانت الأخلاق في الإسلام مؤسسة على الشريعة والملة، من هنا كان اهتمامه بالشريعة (الملة الإسلامية) واضعة القيم والمبادئ الأخلاقية، وبكتاب أرسطو «الأخلاق النيقوماخية» كما ذكرنا سابقا.

وفي نطاق المعرفة يقرر ابن رشد أن العقل الفعال هو جزء من النفس وهو فانٍ من جهة وأزلي من جهة أخرى وأن العقل الإنساني الهيولاني هو عقل النوع الإنساني، ولما كان العقل الفعال هو الذي ينقل العقل الهيولاني عندما يتصل به من وضع الاستعداد إلى حالة إدراك المعقولات، فإنه إذا ما اتحد العقل الهيولاني والفعال وأصبح العقل والمعقول شيئا واحدا في عملية التفكير، تحققت سعادة الإنسان على الأرض وتحدث المعرفة العلمية. وعندما تتخطى المعرفة العلمية العلم الطبيعي وتتجه إلى الحياة المدنية والاجتماع الإنساني فيتكون النشاط السياسي وتتبلور النظرية السياسية الرشدية وتتحقق المدينة الفاضلة.

فحين تبين لابن رشد إن الإنسان ليس وعاء يتلقى من السماء معقولات تترسب في الذهن الإنساني بل إنه يمتلك طموحا حقيقيا إلى المعرفة الصحيحة حينئذ مال إلى إبراز إيجابية العقل الهيولاني وكرس طموح البشر إلى المعرفة والعلم والعمل السديد.

* نقد الاستبداد

يحاول ابن رشد تحليل أنواع السياسات أو مايسمى بأنظمة الحكم، وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة كانت ماثلة أمامه من خلال شرحه وتعليقه على جمهورية أفلاطون، وقد تكون أكثر مناسبة للمجتمع الإغريقي عنها للمجتمع الإسلامي، إلا أن ابن رشد كان في تحليله إنما يضع الواقع العربي والأندلسي نصب عينيه؛ إذ يقارن بين أنواع هذه السياسات ويوضح كيف تتحول الواحدة منها إلى الأخرى ويحلل شخصية الرئيس في كل منها وسلوك الأفراد وطباعهم ويستبعد ابن رشد في عرضه النماذج الإغريقية التي قدمها من أفلاطون ويعتمد على نماذج الحضارة العربية ومن الأندلس بصفة خاصة.

ويشير ابن رشد في تعليقاته وشرحه على جمهورية أفلاطون إلى أشكال النظم السياسية وإلى أساليب الحكم، ولا سيما النظم السياسية المضادة للمدينة الفاضلة كالنظام الاستبدادي أو النظام القائم على الجاه والشرف والمجد، أو ما يجمع بين النظام القائم على الجاه والنظام القائم على الثراء والمال. ويشير كذلك إلى أن هذه الأنظمة قد مارسها الساسة والأمراء والخلفاء في بلاد الأندلس وعلى زمانه، بل إننا نؤكد أن ابن رشد في رؤية فلسفية للتاريخ يعرض لأسباب سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين على أنقاضها وكيف سقطت، ويعزو ذلك إلى ابتعادها عن دولة الشرع، حيث تحولت بعد تسعين سنة إلى دولة المال، ثم بعد عشرين سنة أخرى إلى مدينة الاستبداد، ويعلل أسباب فنائها بظهور حركة سياسية مضادة للاستبداد قائمة على الشريعة (ويقصد بها دولة الموحدين). ثم يصف بعد ذلك في تحليل سياسي عميق ما جرى عند قيام دولة الموحدين وكيف أنها اعتمدت في أول أمرها على الشريعة الإسلامية- والشرع (ويقصد به المبادئ الأخلاقية التي تسمح بقيام مدينة فاضلة) غير أنه يرى أنها تحولت بعد فترة إلى مدينة الجاه والشرف ثم إلى مدينة الاستبداد.

ثم يتحدث باستفاضة عن أنواع السياسة، فهو يتحدث أولا عن السياسة الكرامية والمدن الكرامية وهي التي يتعاون أهلها على طلب الشرف والمجد وهم يعتقدون أن الغلبة يجب أن تكون لهم دائما، ولذلك فهم سادة دائما في مدنهم، وأمثال هؤلاء كما يرى ابن رشد يطلبون الأفعال التي يبقى لهم بها الذكر الحميد فيصيرون مكرمين في حياتهم وبعد مماتهم.

وأما النوع الثاني من السياسات فهي سياسة الخسة والمبالغة في الخراج والإسراف في النفقة، إذ يعمد أصحابها إلى جمع الثروة حتى ولو كانوا في غير حاجة إليها وينفقون على أنفسهم بإسراف.

ثم يشير ابن رشد إلى نوع ثالث وهو ما يسمى السياسة الجماعية أو مدينة الحرية، وهي التي يكون فيها كل واحد من الناس مطلقا من كل قيد ويفعل ما يرغب فيه ولذلك يجتمع فيها مختلف السياسات، ففيها قوم يحبون الكرامة، وقوم يحبون اكتساب الأموال، وآخرون يحبون التغلب ولذلك يكون فيها كل الصنايع والهيئات وتكون مهيأة لأن تنشأ فيها التربية الفاضلة، ويؤكد ابن رشد أنه لاسيادة في هذه المدينة إلا باختيار وإرادة الناس وتبعا للقوانين الأولى (الفطرية) حيث تحدد لهم حقوقهم.

وأما النوع الرابع فهو سياسة التسلط أو مدن التغلب ويجتمع أهلها على غاية واحدة وهي شهوة التسلط وحدها أو شهوة الكرامة أو شهوة اليسار أو شهوة التمتع باللذات أو كلها جميعا.

ويرجع ابن رشد كما أرجع أفلاطون من قبل اختلاف السياسات إلى اختلاف وتباين أخلاق النفس، فالجزء الغضبي فيها يرغب في الكرامة، فإذا زاد على ذلك صار غلبة، والجزء الشهواني يرغب في اليسار وحب اللذات، ولو لم تكن أجزاء النفس متفاضلة لكان اجتماع الناس الإنساني اجتماع أحرار وقد يفسد بعضها لأن كل كائن فاسد.

وعلى ذلك فالمدن قد تتحول بعضها إلى بعض مثل تحول المدينة الفاضلة إلى المدينة الكرامية (على الرغم من صعوبة فساد المدينة الفاضلة) لأن أصحابها قد يفضلون الكرامة والقهر وحب السيادة أكثر من الفضائل التي التزموا بها من قبل ويصيرون إلى الطغيان ويغلب على نفوسهم حب الرئاسة والمال.

ويستفيض ابن رشد في شرح سياسة وحدانية التسلط والاستبداد وأن الاستبداد يبدأ في هذه المدينة عندما يجد المستبد أو المتسلط في أول أمره جماعة تطيعه بإلحاق الضرر بمن يرغب هو في إيذائه وزجره بالإكراه والفتك بمن يريد الفتك به ولايزال يسلط جماعة من الناس على أخرى ليكشف الناس وخاصة ذوي اليسار ويظل يفعل ذلك إلى أن يصبح عدوًا لغالبية أهل المدينة، وفي هذه الحالة إما أنهم يجمعون على قتله أو أن يبسط سلطانه عليهم ويتغلب على الجميع ويصير وحداني التسلط. ويعطي ابن رشد مثالاً بما حدث في قرطبة إذ قامت ثورة على المرابطين وقام حكم جماعي كان على رأسه كبار القضاة والفقهاء وكان من بينهم جد ابن رشد الذي كانت له الكلمة المسموعة.

كان على رأسه كبار القضاة والفقهاء وكان من بينهم جد ابن رشد الذي كانت له الكلمة المسموعة وقد انتهت تلك الثورة باستيلاء ابن غانية وهو من بقايا المرابطين على قرطبة عام 543 هـ وقد مارس حكما استبداديا عانت منه قرطبة الكثير إذ كان يدفع بمجتمعه إلى الحرب ويجمع الأموال منهم بحجة الحرب، ولكنه استولى عليها وجمعها لنفسه ظنا منه أنه إذا سلبهم أموالهم فإنهم لن يستطيعوا خلعه فينشغلوا بأنفسهم والبحث عن قوتهم اليومي، كما لجأ إلى المكر للفتك بمن له عنده أموال كثيرة وسلمهم لأعدائهم كما تآمر على أصحاب الشجاعة والعظمة وطهر المدينة منهم. وخوفا من ازدياد الكارهين له فإنه يزيد من حراسه ليكونوا له أكثر آمنا وحماية ويستقدمهم من خارج المدينة حتى لا يتآمروا عليه ويجزل لهم العطاء من أموال الجماعة التي نصبته رئيسا لها وبذلك يرون أن فعله عكس ما قصدوه من تسليمه الرئاسة لأنهم نصبوه رئيسا ليحميهم من ذوي اليسار وليحتمي بهم، وترى الجماعة أنها فرت من الاستعباد بتسليمها الرئاسة إليه فإذا هي تقع في استعباد أكثر قسوة.

وبذلك يكون ابن رشد قد نجح في إعلان مشروعه الإصلاحي، وأعلن بصراحة ووضوح تأسيس مستقبل معرفي تلتقي فيه الفلسفة والسياسة والعقيدة.

* أزمة ابن رشد

في قمة هذا النجاح الذي بدأ ابن رشد أولى خطواته بدأت تتراءى علامات اضطراب ويأس إذ بدأ الواقع السياسي للدولة الموحدية على عهد أبي يوسف الملقب بالمنصور (1184 - 1198م) الذي تولى الخلافة بعد وفاة أبيه عام 580 هـ في الترهل، وأخذت الأزمة السياسية في التفاقم خاصة بعد هزيمته في تونس أثناء مطاردته لابن غانية من بقايا المرابطين، وتوالت الهزائم والفشل في استرجاع المدن الأندلسية التي استولت عليها البرتغال، ولا شك أن اشتداد الصراع بين المنصور الموحدي والنصارى في الأندلس كانت وراء أزمة ابن رشد النفسية، إذ اضطر المنصور إلى التقرب من الفقهاء والعامة والتملق إليهم فشعر ابن رشد أن مشروعه الإصلاحي يكاد يتهاوى وأن ما كان يحلم به من تغيير وجه الحياة الثقافية في الأندلس قد أوشك على الضياع.

وعلى الرغم مما حظي به ابن رشد من رضا المنصور فإن الخلافات السياسية بينه وبين أخيه أبي يحيى والي قرطبة والصديق المقرب لابن رشد كان لها تأثيرها العميق فيما حل به من النكبة وعما تسبب له من أزمة نفسية أثناء فترة نفيه إلى «ألسانة» فالنكبة لم تشمل ابن رشد وحده، بل شملت معه جماعة من المفكرين لأنهم اشتغلوا بالحكمة وعلوم الأوائل من أمثال أبي جعفر الذهبي، وأبي عبد الله قاضي بجابة.

ليس هذا فحسب بل إن أزمة ابن رشد النفسية قد تفاقمت بعد موت أبى يحيى واشتداد قوة وبأس خصوم الفلسفة وأعدائها والذين نصبوا أنفسهم حراسا على الفكر وضيقوا الخناق عليه إلى درجة أنه اعتبر أن حضور الفلسفة في زمانه وفي شخصه هو، إنما يكون بفضل العناية الإلهية إذ يقول: «ومن هذا النوع من الناس تظهر فئة السوفسطائيين القائمين على أمر هذه المدن (الأندلس) ممن يعرضون عن كل ما هو جميل كالفلسفة وغيرها ويستحسنون كل ما هو قبيح وبالجملة كل الشرور المدنية الواقعة في مثل هذه المدن، أما آراؤهم وتسلطهم على المدن فهي أكبر أسباب ضياع الفلسفة وانطفاء نورها».

وهكذا وجد ابن رشد نفسه بين خصوم الفلسفة من جهة، والمتفلسفين المسيئين إليها من جهة أخرى وهو وضع حرج كان من أسباب شدة أزمته النفسية، وربما استعاد ما حدث لابن باجه الأندلسي وكيف تكالب عليه حاسدوه مما أدى إلى وفاته مسموما وهو صاحب الفكر العقلاني الحر الجريء. كما تفكر فيما آل إليه مصيره واعتبر أنه يعيش وسط وحوش ضارية عبر عنها بقوله: «وإذا اتفق ونشأ في هذه المدن فيلسوف حقيقي كان بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية، فلا هو قادر على أن يشاركها فسادها ولا هو يأمن على نفسه فيها، ولذلك فإنه يفضل التوحد ويعيش عيشة المنعزل فيذهب عنه الكمال الأسمى الذي إنما يحصل له في هذه المدينة».

لقد دان ابن رشد الوضع السياسي الاستبدادي القائم على عهد المنصور كما دان الدولة كلها وما آلت إليه من فساد واستبداد، مشهرا بانحرافها عن المقاصد التي أعلنت عنها عند قيامها، ولم يستثن من أهلها إلا من كان منهم على الخلق الفاضل ومن كانت به فضيلة الشريعة القرآنية.

أيا كانت الأسباب فمما لا شك فيه أن العوامل السياسية المختلطة بالدين كانت العامل الأكبر في كل ما أصاب الفكر عامة والفلسفة خاصة, مما كان له آثاره الخطيرة على رجل عاش يحلم بمشروع إصلاح ثقافي ينقل الأمة الإسلامية من مرحلة الجمود والتخلف إلى الانطلاق والتقدم!!

مغامرة زرادشت

مغامرة زرداشت بالكلام عن النساء (1)
بينما كنت اسير اليوم منفردا في طريقى عند الغروب ، التقيت بشيخة ناجتنى قائلة :
لقد كلمنا زرادشت مرارا نحن النساء ، ولكنه لم يتكلم عنا مرة واحدة .
قلت لها : يجب ان لا يتكلم الرجال عن النساء الا للرجال .
فقالت : لك ان تتكلم امامى عن النساء لانى بلغت من العمر اراذله ، فلن تستقر اقوالك في ذهنى .
وقبلت رجاء العجوز فقلت لها :
كل ما في المراة لغز .. ليس الرجل للمراة الاوسيلة , اما غايتها فهي الولد ، ولكن ما تكون المراة للرجل ياترى ؟ ان الرجل الحقيقى يطلب امرين : المخاطرة واللعب ، وذلك ما يدعوه الى طلب المراة ، فهي اخطر الالعاب . خلق الرجل للحرب ، وخلقت المراة ليسكن الرجل اليها ، وما عدا ذلك فجنون ، ولا يحب المحارب الثمرة اذا تناهت حلاوتها ، فهو لذلك يثوق الى المراة لأنه يستطعم المرارة في اشد النساء حلاوة .تفهم المرأة الطفل باكثر مما يفهمه الرجل ، غير أن الرجل اقرب الى خلق الطفل من المرأة ، ففي كل رجل حقيقى يحتجب طفل يثوق الى اللعب . فلتعمل النساء على اكتشاف الطفل في الرجل . لتكن المرأة لعبة صغيرة طاهرة كالماس تشع في فضائل العالم المنتظر . ليتوهج الكوكب السنى في حبك ايتها المرأة وليهتف شوقك قائلا :- لاضعن للعالم الانسان المتفوق ، وليكن في حبك إستبسال تتسلحين به لاقتحام من يثير الوجل في قلبك .. ضعى شرفك في حبك ..غير أن الشرف في حبك هو الخلق الذى يجعلك تبادلين المحبة بأكثر منها ، فلا تنحدرين للمقام الثاني .
روح المرأة صفحة ماء ممتاوجه تداعبها الرياح ، في حين أن روح الرجل اعماق تزمجر امواجها في المغاور السحيقة القرار ، وقد تشعر المرأة بقوة الرجل ولكنها لن تفهمها .
عندئذ قالت العجوز : لقد تكلم زرادشت على اشياء طريفة اجدر بسماعها من النساء من لم يزلن في مقبتل العمر . ومن الغريب أن ينطق زرادشت بالحق عن النساء وهو لا يعرفهن إلا قليلا ، افتكون إصابته ناشئة عن أن ليس في حالة المرأة شى ممتع ؟
والان اصغ اليّ يا زرادشت ، فانى ساعلن لك حقيقة صغيرة مكافاة على ما قلت ، وكبر سنى يجيز لى أن اعلن ذلك ، فاسترعها واطبق شفتيك عليها لئلا يتعالى صراخها من فمك .
فقلت هاتها .. قالت العجوز : اذا ما ذهبت الى النساء فلا تنس السوط .
( 1 ) فردريك نيتشه ، هكذا تكلم زرادشت ، المكتب العالمى للطباعة والنشر .

مغامرة كولن ولسون

قصة مغامرة الكاتب الأنجليزى كولن ولسون بنشر كتابه " اللامنتمي " قصة مشكلة النجاح كما يرويها الكاتب في ثنايا سيرته الذاتية كتابه " رحلة نحو البداية (1) ":
الوقوع في اسر " النجاح الشعبي " تجربة تسبب الدوار ، ولا يستطيع احد ان يتمناها مرتين ، وكل كاتب يحلم ، بالطبع ، بالنجاح. ولكن ما يحلم به يختلف تماما عن الحقيقة .
قبل ان انشر كتابى " اللامنتمى " فكرت اقول لنفسى ينبغي لهذا ان يعيد الأمور الى نصابها ويعيدها الى الحياة . ثم فجاة اصبحت في التلفزيون تحت الاضواء المركزة ، القى التشجيع لكى اتشاجر .. او في افتتاح معرض للفن .. مع احد اللوردات القى التشجيع لكى اناديه باسمه المجرد .. في حفلة يشيرون اليّ الضيوف باعتبارى مثل الاعجوبة الطبيعية ، او يهاجمنى ناقد .. فما علاقة كل هذا بكتاب " اللامنتمى " ؟..لقد كان شيئا لا يصدق ، وكان اكثر غباء وجنونا من كل ما كان بوسعى ان اتخيله ، ولم يكن على علاقة مطلقا بأي شئ اهتم به . كان استعراضا ساخرا فكاهيا للنجاح .
في ذلك الصباح من يوم الاحد ، حينما ظهرت اول عروض الكتاب ، فكرت بينى وبين نفسى قائلا اننى كسبت وفزت واحرزت هدفي . ثم حينما مرت اسابيع الدعاية ، تبينت كل ما فعلته عدا ذلك ، تبينت اننى لم احرز هدفي . وان المعركة قد انتقلت فحسب الى جهة اخرى ، وبدأت اكتشف حقيقة ما قاله سارتر من ان " الجحيم هم الآخرون " ...
عارضني "اير " بعرض لاذع لكتاب اللامنتمى شبهنى فيه بكلب راقص . كانت الرصاصات تتطاير – وبشكل حتمي – كنت اصاب باكثرها سوءا .ولكن الشئ الذي كان اكثر اثارة للحيرة ، هو الهجمات العدائية دون مبرر يثيرها . فذات مساء اشتركت في مناقشة .. وبعد بضع دقائق من بداية المناقشة وصف "مانكويتز" كتاب " اللامنتمى " فجاة بانه مجموعة مختارة من الاقتباسات ، فأثار هذا القول الضحك ، ولما وجد " مانكويتز " انه يلقى التشجيع ، احتفظ بخط الهجوم طوال الأمسية . وفي اليوم التالي ظهر تحقيق في احدي صحف لندن المسائية يقول ان "مانكويتز " قد " لعب بولسون كما يلعب الأسد الطيب بفار صغير " .
وفي اليوم التالي طلب منى ان اظهر في التلفزيون لكى أناقش المسألة مع " مانكويتز " وقبلت ، واشتدت سخونة المناقشة ولكنها لم تتحول إلي وقاحة من اى نوع . وبعد ذلك سألت " مانكويتز " عمن كتب الكلمة التي نشرت في الصحيفة المسائية ، فاحمر وجهة ، ثم تنحنح بوهن وقال بسرعة " انا كتبتها " .
وطلب منى ذات مرة ان اتحدث مع اعضاء جمعية من المشتغلين بالأمور الروحية .. وفي كلمتى التي القيتها بعد تناول الطعام . قلت اننى قد تعبت من وصفي باننى المتحدث باسم جيل الشباب ، وانني لا امثل احد عدا نفسي ، وان " اللامنتمى " كان تعبيرا شخصيا ، واننى اشعر بالخداع اذا ما نظر اليه باعتباره تعبيرا عن موقف جديد معاد للمؤسسات القائمة .وفي اليوم التالي ظهرت صحيفة " ديلى اكسبرس " بعنوان يقول : " كولن ولسن يعترف بأنه مخادع " ونقل عنى اننى قلت : " ان اللامنتمى قد كتب بناء على قصد زائف تماما " .
بعد ستة اشهر من نشر اللامنتمى . كان الراى العام السائد بين المثقفين الانجليز ان كتاب اللامنتمى كان نوعا من الجنون مات ميتته الطبيعية .. واحسست بان كل صحفي في انجلترا قد اراد ان يلقي حجرا على الشاهد الحجرى الذى ينتصب على شهرتي الميتة . واشترك الامريكيون ايضا في هذه التسلية . فليس هناك من بلد اكثر من امريكيا تلهفا على إضفاء الشهرة على الناس ، وليس هناك بلدا اكثر منها ابتهاجا برؤية الشهرة وهى تسقط وتذوى .
بدا لى ان المثقفين انفسهم يحملون ميلا سريا الى التمتع بمباهج المحاكمات التى كان يقوم بها الغوغاء . ويطرح هذا السؤال الهام نفسه : لماذا ثار ضدى رد الفعل هذا ؟ اعتقد ان السبب لاعلاقة له بالكتاب ، وليست له بى سوى علاقة بسيطة ، ولم يكن له سوى علاقة بسيطة أيضا بما فعلته لى "ميكانيكية النجاح" .. فالناس جميعا يحملون كراهية قوية للنجاح . والمثقفون يحملون ضعف مايحمله الناس العاديون لهذه الكراهية. اننا نبتهج ابتهاجا غير منطقى عندما نرى الناجحون يسقطون من فوق قممهم ، ولو وجدت وسائل سحرية لجلب الكوارت للناجحين لتمسك بها الناس في ابتهاج. .. لكن نجاحى انا لم يكن له اساس تقريبا ، فليس هناك سوى القليل جدا من الناس من يستطيعون حقا ان يفهموا " اللامنتمى " الا بقدر ما يوجد من المؤهلين لفهم نظرية الكميمات ... هناك افتراض اساسي بين المثقفين مؤداه ان كل ما يحققونه من نجاح انما يحققونه بالخداع والمساومة .. لقد كان من الممكن ان يصبح الأمر اكثر من مجرد العبث ، لو ان استقبال " اللامنتمى " ادى الى ان يجعلنى اشعر بالراحة في هذا العالم الذي كان الكتاب هجوما عليه ... قررت ان جوابى يجب ان يكون هو الخروج من لندن .. وبدا لى هذا هو الحل المعقول ..واستطاع الانعزال في الريف ان يحل مشكلة النجاح الى درجة كبيرة ، ولم اسف على هذا ابدا ، ولكن الكتّاب الذين مازالوا يتوقعون مستقبلهم لابد ان يواجهوا هذه المشكلة . وليس من المتوقع لهم ان يحلوها بمثل هذه البساطة . انها مشكلة من نوع عجيب .
( 1 )كولن ولسون ، رحلة نحو البداية ، ترجمة سامى حشبة، دار الاداب ، بيروت .

مغامرة جان جاك روسو

قصة مغامرة الفيلسوف الفرنسى جان جاك روسو بنشر كتابه " رسائل من الجبل " . اختار ان يروى احداثها في مذكراته التي عنونها بـ "الاعترافات" . ( ت . اللجنة اللبنانية لترجمة روائع الثرات الإنسانى . والكتاب يحوى وبالخط الرفيع مايقارب سبعمائة صفحة . دوّن فيه من ادب السيرة الذاتية وعمق التجربة والمعاناة التى أثرت فى جل مراحل حياتة ، وبعدما جّد الناس فى أثره وطردوه من مقامه فى فرنسا فسويسرا فبروسية ).
فى عام 1750 فازالمؤلف بجائزة " الأخلاق " من اكاديمية العلوم والآداب بديجون عن موضوعته :" فيما إذا ساهم تجدد العلوم والفنون فى تهذيب الأخلاق ؟" وكتب يقول " إنه بقدر ما كانت علومنا وفنوننا تتقدم نحو الكمال ، كانت اخلاقنا تفسد ، ونفوسنا تتعفن " وخاطب الفضيلة ، العلم الأسمى للنفوس البسيطة قائلا :" ألا يكفى من أجل تعلم قوانينك أن يعود المرء الى ذاته ، وأن يصغى لصوت ضميره أثناء صمت الشهوات " . وجوهر أطروحته الذى يثمتل فى القول بأن " النمو المتتالى للحاجات كان شرا ، وأن تكاثرها الذى لا ضرورة له تهورا كبيرا " . وكذا سؤاله حول " اصل الامساواة بين البشر ، وما إذا كان القانون الطبيعى يسمح بذلك ؟ " واراد لنا ان نرى إنسان الطبيعة الذى لم يكن طيبا ولا شريرا والمتحلى بفضيلة الشفقة التى هى شعور طبيعى ظابط لنشاط حب الذات . وكذا فى مقارباته للملكية الخاصة التى هى قبر المساواة ومنها قولته : " إن الشخص الأول الذى أستهدف ، بتسويره لأرض ما ، أن يقول هذه لى ، ووجد أناسا بسطاء ليصدقونه ، كان المؤسس الحقيقى للمجتمع المدنى ، كم من جرائم وحروب وقتل ، كم من بؤس وفضائع كان يمكن أن يوفرها على الجنس البشرى ذاك الذى كان يمكن أن يصرخ امام اقرانه ، وهو ينتزع الأوتاد او يطمر الحفر، قائلا : ان الأرض ليست ملكا لأى شخص ".ويمكن القول ان مؤلفه " العقد الإجتماعى " والذى حوى افكاره حول الحالة الطبيعية والحق الطبيعى قد نال إهتماما بالغا ، وإن مؤلفه " رسائل من الجبل " كان بمثابة القشة التى قسمت ظهر البعير .
,, صدر كتاب " رسائل من الجبل " كانت الضجة قد هبت ، فأحرق المؤلف ،. فما عتمت السنة اللهيب ان امتدت من جنيف .. برن .. فرساى .. نوشايتل .. ولاسيما في" فال دى ترافير" حيث ابتدأ بعضهم يعمدون الى مكايد مستترة يهيجون بها الشعب .. وإنى لاجرؤ على القول انه قد حق لى ان يحبنى شعب هذا البلد ، إذ كنت في الصدقات سخي اليد فلم أدع معوزا من حولى إلا أغثه ، ولا صددت أحدا ما أمكنني خدمته الخدمة العدل ، وربما أسرفت في مؤانستى الجميع ، ولكن بدلت جهدي للهرب من كل تمييز يوغر على الحسد . بيد ان ذلك باسره لم يمنع الاهالي– وقد أثارهم خفية من لست ادرى من هو – على ان ينبعثوا عليّ تدريجا حتى اهتاجوا وجاشوا ، ولا منعهم عن ان يهينونى علنا في جلية النهار .. فإذا اللذين اليهم احسنت اكثر ما يكون هم أشد الخلق إنهيالا عليّ , وحتى ان فيهم من كنت لا ازال أسدى اليهم فلم يتجاسروا على الظهور ، بل هيجوا غيرهم وكأنما هم ينتقمون من مذلة كونهم مدينون لى بالمعروف .. وأبيت ان أتيح للشعب مثل هذه العلة فينادوا بالكافر الزنديق . فلذلك رفضت ما سالنيه القس ، فأنصرف عنى مستاء وأفهمنى أن سوف أندم ...
لكن ماذا ؟ لقد وجب على أن أتكلم , فأهتدى الى الافكار والألفاظ والعبارات .. فما الذى كنت ارجو من نفسى وقد طالما شعرت بعييى عن الارتجال ؟ .. افهمنى انه إذا تعهدت بهجر القلم ، ساهلونى في شأن ما مضى .. تعقبنى القوم في الريف كأنى ساحر مشعود .. وربما رمونى بالحصى في بعض الاحيان ، وكنت إذا مررت امام البيوت كثيرا ما سمعت من يقول : هاتوا بندقيتى لأطلق عليه النار . غير انهم اكتفوا بالوعيد ، في ما يتصل بالاسلحة النارية على الأقل .
كان أشد ما آلمنى هو أن أرى أسر أصدقائى ، او من دعوا هكذا ، قد حالفوا مضطهدى فجهروا بمخالفتهم .وخلاصة القول ان كل من في البلاد من ذوى النجابة والالطاف قد اقبلوا يزورونى ، فاجمعوا على حضى والطلب الىّ ان أذعن للاعصار فاخرج . ولو الى حين من رعية لم يبق في وسعى الاقامة بينها على الامان والعز ، ولقد لاحظت ان حاكم القصر هالته سورة ذلك الشعب الغضبان ، فخشى ان تمتد اليه . فود لو ارتحل باسرع ما يكون ، فاكفية مشقة حمايتى .. وإذا ، فقد أدعنت لم اسف إلا قليلا ، فإن ضغينة الشعب كانت قد مزقنى مشهدها فبت لا أقوى على إحتماله
كان امامى غير معتزل واحد اختاره مسكنا . جزيرة "سان بيار" فكان ما اخترته جد موافق لطبعى المسالم ولمزاجي المتفرد الكسول ، حتى اني لأعده في الذ ماهمت به من طيبات احلام اليقظة . فخيل اليّ أن ساكون وأنا في تلك الجزيرة أبعد إنفصالا عن الناس ، وان ساكون من إهاناتهم على ما هو اوثق أمانا وان سيبيتون أعظم نسيانا لى . وخلاصة القول انه خيل اليّ ان ساغدو أسلس إنقيادا لحلاوة الفراغ ولعذوبة حياة التأمل ، فوددت حقا لو أنتفي الى تلك الجزيرة فلا يبقى لى إتصال بالبشر . والمؤكد اننى قد عملت جميع ما يمكنك أن تتصوره لكى أنجو من ضرورة هذا الإتصال .وكان مدار شأنى ضمان القوت .. فجاز بى "دوبيرو" تلك الصعوبة كلها .. فحل هو محل التجار الذين كانوا قد تولوا الاصدار لمجموع مؤلفاتى ثم تخلوا عنه .. أسلمته مذكرات العمر ، واودعته اورقي كلها .. شرطت عليه الايستعملها الا بعد وفاتى شرطا واضحا لا لبس فيه ، إذ تمنيت ان أنهى أيامى بسلام فأعود لا اذّكر بى الجمهور .
كتب على ان الشرف سيلجئنى ان أصد عنى جميع الموارد التى جعلها في تناولى حظى وعملى . وكتب علىّ ان اموت فقيرا كما عشت ... فودعت عصرى ومعاصرى وودعت العالم أريد الاعتزال في تلك الجزيرة بقية العمر .. المكان السعيد حيث الخلق نيام . وحيث هم اكثر عملا ، وحيث لا يعملون شيئا .. لم أطق حلقات الناس وقد تعطلوا وداروا في الفراغ ، وهاندا قد نشدت العزلة لا لامر إلا توخيا للفراغ . بيد انى على هذه الطينة جبلت ، فان يكن بها تناقض ، فانما سببه الطبيعة لا انا. فالفراغ الذي أحب ليس فراغ إمرئ مكسال ، مكتوف اليدين ، على شمول تعطل فكرا وعملا ، بل هو في نحو ما ، فراغ الطفل ما ينى في حركة لا تصنع شيئا ، وفراغ الأحمق يهدر وساعداه لا تعملان. فاني أحب إتيان التوافه فأبدا بألف شىء لست أكمل منها شيئا ، واحب ان أنطلق ذاهبا عائدا ، على حسب ما يخطر لى ، أبدل خطتى كل حين ، أتعقب بعض الذباب أينما حط وطار ، أبتغى ان اقتلع صخرة لكى أرى ما تحتها . .. لقد امسيت في عذاب ، وصعقتنى ضروب الاعاصير وأعيتنى الاسفار والاضطهادات .. بيد انى لم أفكر مرة في الأعمال التي كنت بسبيل الإقدام عليها .. إلا اطبقت علىّ المخاوف . وإذا كانت عظمة قصدى وروعته وفائدته قد الهبت شجاعتى ، فلقد أهمدها عجزى أن أبدل نفسى فدية هذا القصد .

مغامرة غارودى

قصة مغامرة الفيلسوف الفرنسي رجاء جارودي بنشر كتابه "الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية " .( نشر الكتاب بمعرفة دار الغد العربى بالقاهرة ) . الكتاب يتناول أشد الاساطير إنغلاقاً ، اسطورة تعرض اليهود للاضطهاد من قبل ألمانيا النازية . " الهولوكوست " .أتهمه اللوبي اليهودي في فرنسا بأنه معادي للسامية .. أعتذرت كبريات دور النشر الفرنسية عن نشر مؤلفاته ،. مما أرغمه على طباعة كتاب "الأساطير" على نفقته الخاصة .. إفتتاحية الكتاب " تنويه " يلخص فيه المؤلف مأساته:
" إنه بعد اكثر من نصف قرن صدرت خلاله كتبي عن أكبر دور نشر فرنسية ، فإني مضطر اليوم لأن أطبع هذا الكتاب على نفقتي الخاصة ، لأنني منذ عام 1983 قد خرقت أحد المحرمات عندما أنتقدت السياسة الاسرائيلية ، التي يدافع عنها الآن قانون " جيسوفايوش الغاشم " ( يقضى القانون بالسجن على كل من يشكك فى عدد الستة ملايين الذين يقال أن هتلر قد أبادهم ) الذي صدر في 13 يوليه 1990، والذي يعيد في فرنسا جريمة الرآي التي سادت عصر نابليون الثالث ، وجعلت قانونا قمعياً يعوض ضعف الحجج " .
وفي لقائه بالمثقفين والمفكرين بالقاهرة عام 1996. يجيب على سؤال يستوضح تفاصيل الحملة الصهيونية عليه بعد صدور كتابه " الاساطير " فيقول :
رفضت كافة الصحف التي تشن حملة تشهير واسعة النطاق ، على مجرد نشر رد ، مع أن هذا حقي القانوني . وقد هوجم موزع كتبي من قبل العصابات الصهيونية الفرنسية وتم تشويه وجهه ، وأحرقت واجهات المكتبات التي تعرض كتبي ، فضلا عن الملاحقة في كل مكان والتهديد بالقتل . وأنتظر الآن محاكمة امام محكمة فرنسية في 13 نوفمبر القادم . هذه الحالة ليست حالتي فقط ففي السبعينات تم فصل البرفسور " روبيرفوريسون " من جامعة ليدن وتم إغتياله معنويا لأنه قدم بحثا علميا يقول ان عملية حرق اليهود في غرف الغاز في المانيا هي أكذوبة صهيونية ، وفي الثمانينيات عندما حصل الباحث " هنري روكوبه " على درجة الدكتوراه في جامعة " نانت " في موضوع غرف الغاز وشكك فيها سحبت منه الدكتوراه لاول مرة في تاريخ فرنسا وفصل الاستاذ الذي اشرف عليه بقرار من وزير التعليم ، وسبق لي ان قدمت للمحاكمة ثلاث مرات أوائل الثمانينيات بسبب مقال في " اللوموند " يدين الغزو الاسرائيلي للبنان .

مغامرة المهاتما غاندى

قصة مغامرة الزعيم الهندى " المهاتما غاندى " قصة جهاده مع نفسه وفى سبيل بلاده ، وقد اختار "اللاعنف" عنوانا لمسيرة كفاحه ونضاله ضد المستعمر الأجنبى
.في كتابه "الفكر الشرق القديم" ( ت. د. امام عبدالفتاح) يوجه المؤلف " جون كولر " الى أن هناك فلسفات شرقية لاتقل في عمقها ودقتها وأصالتها عن فلسفات الغرب .. ويذهب الى أن فلاسفة الغرب يتهمون في بعض الاحيان بأنهم يعيشون في أبراج عاجية , عندما يعكفون على مفاهيم مجردة بعيدة عن أرض الواقع . وفى ( مختصر) تحليله لفلسفة وتجارب المهاتما غاندى يقول :
ليس من الممكن فصل فلسفة غاندى عن حياته ، والتى كانت تجريبا مستمرا لوضع الافكار موضع التطبيق وتطويرها من خلال ذلك .. تصميم الزعيم الكبير على وضع رؤيته للحياة موضع التطبيق ..لا لتحويل مسار حياته فحسب ، وانما لتحويل مسار حياة الشعب الهندي باسره ، ولم يتزعزع إعتقاده قط بان الحقيقة والحب هما القوتان الاعظم إقتدارا ، والتان تؤثران في حياة البشر ، كما لم يتزعزع تمسكه بمبدا المساواة المطلقة لكل الاشخاص بغض النظر عن الدين او العرق او الجنس او المنبت .وقد كرس غاندى حياته للتجريب المتعلق بالنفس وللممارسة الموجهة الى إكتشاف الحقيقة وتنمية حب عميق للاخرين ، بل وحب الاشرار ، وكان شعاره محاربة الشر بكل قوته ، ولكن مع حب من يقترف الشر من اعماق قلبه ... الحب يتعين أن يقهر الكره ، وأن اللامقاومة ستقهر الشر... التصرف في توافق بحسب طبيعة المرء وهدفه وفي الوقت نفسه التصرف في توافق مع طبيعة كل الكائنات الاخرى وهدفها ... المرء يتعين عليه ان يكون متيقظا على الدوام ، وعلى حذر في مواجهة مطالب الكبرياء والطمع ، التى تتقدم بها الذات المتمركزة حول نفسها .إنه حب ينطلق من أعماق ذات المرء ، ويعبر عنها في الود والتعاطف والخدمة المتجردة من الذاتية للاخرين. .. العنف لا يدعو إلا الى المزيد من العنف ، ومن ثم يزيد من ضعف الفرد والمجتمع . غير أن الحب يدعو الى المزيد من الحب ، ويقوى كلا من الذات والاخرين".
-----------------
لقد اختار غاندى أن يروى لنا سيرة كفاحه فى كتابه " قصة تجاربى مع الحقيقة " ( ت . منير البعلبكى) وقد خط بقلمه تجاربه فى الحقل السياسى التى اصبحت معروفة لا فى الهند فحسب ، بل وفى ارجاء العالم المتمدن الى حد كبير . تجارب لم تتم فى الظلام ، ولكن فى وضح النهار كما يصفها بنفسه .
ومضات من كتاب :( قصة تجاربى مع الحقيقة )
***
طبيعى كانت لا تجيز أن أعمل في السر شيئا لست أجروء ، على عمله في الجهر .. ويقيني أن هذه الاشياء كلها راجعة الى لامقاومتى .
***
خاطبني القاضى الاكبر قائلا . يتعين عليك الان أن تنزع عمامتك يامستر غاندى يجب أن تخضع لقوانين المحكمة فيما يتصل بالملابس التى يرتديها المحامون الممارسون . وأدركت حدودى . فالعمامة التى الححت على الاعتمار بها في " دوربان " رضيت أن أخلعها نزولا عند أمر المحكمة العليا .. لأنى إذ أبيت الادعان للأمر لم يقبل مني ذلك ولم يبرر، ولكني أردت أن أحتفظ بقوتى لخوض معارك أعظم . يجب أن لا أضيع براعتى كمناضل في الالحاح على الإحتفاظ بعمامتى ، فقد كانت تلك البراعة جديرة بقضية افضل .. حين تكون في رومه فافعل كما يفعل الرومان .
***
كنت قد ذهبت في خطابي الى أن الحضارة الغربية على خلاف الحضارة الشرقية ، قائمة في الأعمم الأغلب على أساس القوة . و أمـطرونى بضروب الاسئلة . وأذكر أن الربان قال لى : لنفرض أن البيض نفدوا وعيدهم فكيف تلزم مبدأك القائل بالاعنف ؟ فاجبته قائلا : أرجو أن يمنحني الله الشجاعة والحصافة لكى أغفر لهم وأحجم عن مقاضاتهم .أنا لست حاقدا عليهم . كل مافي الامر إنى أرثى لجهلهم وضيق تفكيرهم . إنى أعلم انهم يؤمنون إيمانا صادقا بان ما يفعلونه اليوم هو حق وعدل . ومن أجل ذلك فلست أجد سببا يدعونى الى الحقد عليهم . وتبسم السائل ولعله تبسم في إرتياب .
***
لقد ادركت أن حماسة الانسان الاصلاحية نفسها ينبغى أن لا تدفعه الى تجاوز حدوده .
***
ان الرجل وعمله شيئان متمايزان . ففي حين يتحتم أن يقترن العمل الصالح بالاستحسان والعمل الطالح بالاستهجان ، فان فاعل العمل سواء كان خيرا او شرا ، يستحق دائما الاحترام او الشفقة تبعا لطبيعة حاله . إن قاعدة " ابغضوا الاثم لا الآثم " نادرا ما تطبق على الرغم من سهولة فهمها ، وهذا هو السبب الذى من أجله ينتشر سم البغض في العالم .
***
إنى في مجال " اللاعنف " " التبثل " " الاتملك " وغيرها من الفضائل الرئيسية . أعى أكمل الوعى نضالا موصولا من أجل تنميتهما.
( اللاعنف : اللااذى : أى إستبعاد كافة التصرفات التى تؤدى الكائنات الأخرى ، وكل الأعمال التى تقوم على الكراهية . الكلام ينبغى أن يسهم فى رفاه الآخرين . أن يدفع خير الآخرين قدما الى الأمام . والقضاء على الحالة الذهنية التى ترغب فيما يملكه شخص آخر ) .
لقد عد النقاد الكتاب واحدا من الكتب النادرة التى ختمت عصرا وبدأت عصرا ، والتى لا يجود الزمان بمثلها إلا بقدار ما يجود بمثل صاحبها.

مغامرة ابن تومرت



قصة مغامرة محمد بن تومرت .( و473 - ت 524 ) مؤسس دولة الموحدين بالغرب الاسلامي . كان عالما فقيها تنقل فى زياراته العلمية بالمشرق وانتهى الى بلاد المغرب ليعلن مرحلة الكفاح السياسى وبدء العمليات الحربية ضد دولة المرابطين آن ذاك. قال عنه ابن خلدون فى كتابه ( العبر ) :
" ما ظنك . برجل نقم على اهل الدولة ما نقم من احوالهم . وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادي في قومه ودعا الى جهادهم بنفسه ، فأقتلع الدولة من اصولها وجعل عاليها سافلها ، اعظم ما كانت قوة ، وأشد شوكة ، وأعز أنصارا وحامية ، وتساقطت من اتباعه نفوس لايحصيها إلا خالقها ، ممن بايعوه على الموت ، ووقوه بأنفسهم من الهكلة ، حتى علت على الكلم ، ودالت بالعدوتين من الدول ، وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره ، والتقلل من الدنيا ، حتى الولد الذى ربما تجنح اليه النفوس وتخادع عن تمنيه . فليت شعرى ما الذى قصد بذلك ".
وفى دراسة للمفكر المغربى د. على اومليل تناولت بالتحليل سلطة "اهل الفكر ".. ودعوى المثقفين انهم قادة الفكر وان لهم دورا حاسما في عملية الريادة و التغير الاجتماعي و السياسي .. اذ هم عادة يتاسون من عدم الاعتراف لهم بهذا الدور ، وانهم لا يؤثرون كبير ثاثير في واقع الامور ، وانهم ليسوا عنصرا فعالا في الثاثير في القرار السياسي ولا في الرآى العام . قال فى حق إبن تومرت :
" وصف محمد بن تومرت ، صاحب العقيدة التي تاسست عليها دولة الموحدين في المغرب بانه "عالم سلطان " . ولعل هذا كان يعني في ذهن القدماء شيئيين : اولا ، ان الرجل جمع بين السلطتيين العلمية والسياسية ، وهو جمع نادر لدي القدماء . فقد تحقق اذا في ابن تومرت حلم العلماء من قديم ، وهو ان يجمعوا بين العلم والسلطة ، وان يتحول العلم الى سلطة . ثانيا ، ان ابن تومرت قد جسد سيرة العالم الملتزم واجب "الحسبة " اي "الامر بالمعروف والنهي عن المنكر " ، اى فرض احكام الشريعة .ان رد المجتمع والسياسة الي الشريعة هو عند ابن تومرت واجب لا يقبل التفويت باى مبرر .. ولكي تنقاد السلطة الى الشريعة ، لم يدخل في حساب العواقب كما اعتاد غيره من الفقهاء الذين شرطوا شرط القدره حين التصدي لسلطان جائر ، و الا كان تحريض الفقهاء العامة إشعالا للفتنة ، بالاضافة الى تعريض النفس للهلاك (2) . اما ابن تومرت فعنده ان مراعاة القيام بامر الله اولى من مراعاة إراقة الدماء و ذهاب النفوس والاموال .. و النتيجة هي فرض سلطة الفقيه بالارهاب . وقد كان الامركذلك في عمليات التصفية الرهيبة التى سماها ابن تومرت "التمييز " والتي افنى فيها قبائل باسرها .
-----------------
(1) د. علي اومليل ، السلطة الثقافية والسلطة السياسية ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت .لبنان .(2) " ليس على العالم – حسبما ذهب اغلب الفقهاء – ان يثور على الحاكم حتى ولو تفاقم جور هذا الاخير . عليه ان يقدم اليه "النصيحة" على النحو الذي لا يثيره ولا يستثير رعيته . نفس المصدر ص 15

مغامرة شيخ الجبال



"شيخ الجبال " الحسن بن الصباح " زعيم طائفة سرية تنعت بالحشاشين . فى دراسة للكاتب الإنجليزى " أركون دارول" المختص بتاريخ الأديان والعادات والعبادات القديمة ، ضمّنها افتتاحية كتابه " تاريخ الجماعات السرية " ( ت. أ .عبدالهادى عبد الرحمن .) يسلط الكاتب الضوء على معتقد وتاريخ هذه الطائفة . مختصر تحليله يمكن إجماله فى الآتى :
في عام 1902 م . وقف رجلان على استحكامات قلعة " عش النسر" المقامة على الصخور المنحدرة لجبال فارس في العصور الوسطى . وكانا: الممثل الشخصي للإمبراطور ورجلا مقنعا يزعم بأنه ظل الله على الأرض . قال حسن بن الصباح : شيخ الجبال وقائد الحشاشين ، " اترون هؤلاء الأتقياء الواقفين يحرسون هنالك عند قمة البرج ؟ أنظروا " وقام بإشارة من يديه ، فجأة رفع الرجل ذو الملابس البيضاء يديه محييا، ورمى بنفسه ألفي قدم داخل السيل المزبد الذي يحيط بالقلعة .لدى سبعون ألف رجل وإمرأة في كل أسيا كل واحد منهم مستعد لتنفيذ أوامري : هل يستطيع سيدك " مالك شاه " أن يقول نفس الشى وهو يطلب منى أن أخضع لسلطته ؟ هذه إجابتى أذهب . قد يستحق مثل هذا المشهد المتطرف جدا فيلما من أفلام الرعب . لكنه في الحقيقة حدث كواقعة تاريخية .. فكيف أستمد الصباح هذا قوته الخارقة ؟ اوجد منظمة صمدت حولي ألف سنة أخرى . فمن كان الحسن هذا ؟ عاش " الحسن بن الصباح " أربع وثلاثين سنة بعد إقامته لقلعة " الموت " . في مناسبتين فقط ترك حجرته . ومع هذا حكم امبراوطورية خفيه ، عظيمة ومفزعة ، لم تكن لرجل قبله او في زمانه . هناك قوانين وقواعد للعمل ولنشر الإيمان ...القانون الأول : على المبشر أن يعرف خفايا النفس البشرية بطريقة يكون قادر بها على إختيار الأشخاص المناسبين لادخالهم في المنظمة ، ويمكن تلخيصه .. " لاترمي بالحب على الصخور" . القانون الثاني : يتعلق بإستخدام المداهنة وكسب ثقة عضو المستقبل . القانون الثالث : بث الشك في العقول من خلال المعرفة الأرقى . القانون الرابع : قسم الطالب أن لا يخون أيا من الحقائق التي كشفت له أبدا .كانت أيدى وعيون وأذآن الحشاشين في كل مكان ، وبمجرد أن يلتحق الشخص بالمنظمة ويكون كامل العضوية ، فإنه يمكن أن يرسل الى مكان بعيد الاف الاميال .. ويقيم هناك ويعيش فيه منتظرا اللحظة التي تأتيه فيها الأوامر .
وفى دراسة للمؤرخ الإنجليزى " برنارد لويس " صدرت فى كتاب حمل عنوان " الحشاشون " ( ت .أ.محمد العزب) . تتبع المؤرخ بإسهاب تاريخ هذه الفرقة وأساليب تنفيدها لمخططاتها . ودورها على المسرح السياسى فى تلك الفترة . يمكن تضمين خلاصة ما اورده فى الآتى :
في عام 1332 عندما كان الملك فليب السادس ملك فرنسا يفكر في القيام بحملة صليبية جديدة .. وجد قس الماني يدعى بروكا ردوس أن من واجبه أن يضع رسالة يقدم فيها للملك النصح والإرشاد قبل أن يضطلع بهذا المشروع .أفرد جزأ هاما من رسالته للحديث عن الأخطار الغريبة التي تنطوي عليها مثل تلك الحملة الى الشرق .. من هذه الأخطار الحشاشين أنهم يبيعون أنفسهم .. ولا يلقون إعتبارا للحياة البشرية او النجاة . وهم يغيرون مظهرهم .. يحاكون الحركات والثياب واللغات والعادات والتصرفات التي تأتيها الامم والأقوام المختلفة .. يتعرضون للموت بمجرد أن يكشفهم الناس .. لست أعرف سوى وسيلة واحدة لوقاية الملك وحمايته .. أن يكون الشخص المسموح له بالاقتراب من الملك معروفا تماما .المعروف أن التضحية البشرية وطقوس القتل ليس لها مكان في الإسلام شريعة او تراثا او ممارسة ، ولكنها رغم ذلك قديمان وعميقا الجذور في المجتمعات البشرية ومن الممكن أن يظهرا في اماكن غير متوقعة تماما .. ففي كثير من الأزمنة والامكنة يوجد رجال طموحون يرغبون في الحصول على مساعدة العناصر العنيفة المتطرفة ، ربما كانوا لايشاركونهم عقائدهم بل لا يحبونها بالمرة ، ولكنهم يرون في الإمكان استخدامهم .إن حسن الصباح وحلفاءه قد نجحوا في إعادة تشكيل وتوجيه الرغبات الغامضة والغضب غير الهادف لدي الساخطين في ايديولوجيا ليس لهما نظير من حيث التماسك والنظام والعنف الهادف . في أى منظمة أخرى من قبل او بعد .. ولم تلبت مثلهم ووسائلهم أن وجدت من المقلدين .. وقد أمدتهم التغيرات الكبرى في عصرنا الحديث بأسباب جديدة للغضب ، وأحلام جديدة تبحث عن التحقق ، وأدوات جديدة للهجوم.
بيان السلطان السلجوقى إحتفالا بالنصر على الحشاشين وزعيمهم إبن وطاش بقلعة شاه ديزة 1107
في قلعة شاه ديزه ..باض الزيف وأفرخ ..هناك كان إبن وطاش الذى طارمنه صوابه في طريق الخطأ وضل والذى قال لرجاله أن الصراط المستقيم طريق زائف ، وجعل مرشدا له كتابا مليئا بالاكاذيب ، واباح سفك دماء المسلمين والاستيلاء على ممتلكاتهم .. أتبعوا أساليب الخيانة واوقعوا فرائسهم في حبالهم بالغدر والخديعة وقتلوهم بوسائل التعذيب المريعة والموت الفظيع . وما قاموا به من إغتيالات عديدة بدات بنبلاء البلاط ونخبة العلماء وما سفكوه من دماء زكية لاتعد ولا تحصى وغير ذلك من الجرائم البشعة في حق الإسلام .. إن لم يكن قد فعلوا اكثر من ذلك فقد كان من واجبنا أن نحارب دفاعا عن الدين وأن نركب السهل والصعب في حربنا المقدسة ضدهم حتى حدود الصين
رسالة الحشاشين الى صلاح الدين
يقال ان صلاح الدين بعث ذات مرة برسالة تهديد إلى رئيس الحشاشين فكان رده كالتالي :
" قرأنا خطابك وفهمنا نصة وفحواه ولاحظنا ما يحتوى عليه من تهديدات لنا بالكلمات والأفعال ، ووالله إنه لشئ يدعو الى الدهشة .. كثيرون قبلك قالوا مثل هذه الأشياء ودمرناهم دون ان يشفع لهم شفيع فهل تبطل الحق وتؤيد الباطل ؟ إذا كنت حقا قد أصدرت أوامرك بقطع راسي وتمزيق قلاعى في الجبال الصلدة ، فان هذه أمال وخيالات واهمة . اننا مضطهدون ولسنا طغاة ، محرومون ولسنا حارمين .. وأنت تعرف ظاهر احوالنا وقدر رجالنا وما يمكن ان يحققوه في لحظة واحدة ، وكيف يحبون الموت .. والمثل الشائع يقول إنك لا تستطيع ان تهدد بطة بالقائها في النهر . فخد كل ما في إستطاعتك إتخاده من إحتياطات دون الكوارت والفواجع ، فإنى هازمك من داخل صفوفك ، ومنتقم منك في مكانك ، وستكون كمن يدمر نفسه بنفسه .. عندما تقرأ خطابنا هذا فارتقبنا وترحم على نفسك .. واقرا اول " النحل" وآخر "صاد " "
.( اول النحل : أتى امر الله فلا تستعجلوه . وآخر ص : ولتعلمن نبأه بعد حين ) .

الشرق الاوسط الجديد

كتاب " الشرق الأوسط الجديد " تأليف السياسى الإسرائيلى المخضرم " شمعون بيريس ". كتاب يجب أن يقرأ من زاوية يغلب عليها الحذر والتمعن فى قراءة ما بين السطور " على رآى المترجم فى المقدمة " ، إنما يدس السم فى العسل ، وأن دعوته الظاهرية للسلام لا تخفى الإستراتيجية التوسعية التى التزم بها قادة إسرئيل والحركة الصهيونية حتى قبل قيام دولتهم على أرض فلسطين ، وهى إستراتيجية تعبر عن قناعة راسخة تقوم على ضرورة إستمرار الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة ، وإن أختلفت الوسيلة ، وتغيرت من دبابة الى بضاعة متقنة الإنتاج .
خلاصة
فجر السلام: -
" فرحتى فى أوسلو كانت مزدوجة ، فقد تصادف تلك اليلة أيضا عيد ميلادى السبعين .. وقتها قال لى أبو علاء ، ممثل منظمة التحريرالفلسطينية وهو يبتسم بجدارة : الإتفاقية هديتنا لك فى عيد ميلادك . قلت فى نفسى : يا لها من هدية ، هدية متميزة وغير متوقعة ، بل من المستحيل تقييمها ... سألنى صديقى المؤلف ( أموس اووز) قائلا : ألم يخطر ببالك يوما ما الذى سيحدث إذا ما قررت منظمة التحرير الفلسطينية التوقف عن المقاومة تماما ؟ وقتها شعرت أن المنظمة أخدت تفقد من نفودها .. فهل إنهيار المنظمة كان سيفيد إسرائيل ؟ ومثل هذا التساؤل إنما يثير تساؤلات مضادة وهامة ، مثل : إذا ما أختفى العدو الأكبر الذى حاربناه طوال هذه السنوات ، فمن سيحل محله ؟ وهل يمكن أن تكون حركة حماس البديل الأفضل ؟ وهل يترتب علينا التفاوض مع الاصوليين ؟ وعليه فإن واقع الأحداث والظروف الإقليمية السائدة ، قادتنا الى الخروج بنتيجة مؤداها أن من مصلحة إسرائيل القبول بدور للمنظمة على المسرح السياسى . كنت أول من طرح فكرة غزة .. وقطاع غزة أكثر من كونه منطقة جغرافية فهو مكان ملىء بالسكان الذين يعيشون حياة إقتصادية صعبة . الأمر الذى يجعله بؤرة للمشاكل .. فهى ليست مأهولة فحسب ، بل تسجل الرقم القياسى فى العالم من ناحية كثافة السكان ، المشكلة هى علاقتنا المقبلة بسكانها .. وفى النهاية يدفع كافة السكان هناك ثمن أى عمل عنف حتى ولو كان فرديا من خلال تطبيق قوانين إغلاق القطاع .. وبالنسبة لأريحا فيمكن القول بأنه لا يوجد فى محيطها المباشر مستوطنات تشكل عقبة فى المحادثات . وفى أوسلو توصلت إسرائيل الى أكثر من مجرد كلمات ، فقد حصلنا على تنازلات لم نكن نستطيع بدونها توقيع أى إتفاقية .. تنازلات أمنية ، وقضية إبقاء القدس خارج إتفاقية الحكم الذاتى ، والإبقاء على المستوطنات حيث هى ".
- على مفترق طرق
" المدرسة الدفاعية التقليدية لا تقدم حلولا للحقائق الجغرافية الحالية أو التهديدات التكنولوجية .. وفى عالمنا اليوم فإن تأمين مستوى معيشى عال يتطلب علاقات تجارية تنافسية ، وحدودا مفتوحة ، وإعتماد على العلوم والتكنولوجيا .. والقوة الحقيقية بل القوة العسكرية لم تعد توجد فى المعسكرات ، بل فى حرم الجامعة . وأصبح على السياسات أن تمهد الطريق ".
- لا منتصرون فى الحرب -
" يصف السير توماس مور فى كتابه " يوتوبيا " التأثير الذى تتركه حالة الطوارى المديدة على أبناء الأمة الغازية ..( مند آمد توجه هذا الشعب الى الحرب ليكسب مملكة أخرى .. وعندما غزوها وجدوا أن الإحتفاظ بها لا يقل صعوبة عن الحصول عليها ، فرعاياهم الجدد إما فى ثورة متصلة ، او أن الغزاة الأجانب يهاجمونهم ..) وتنبأ مور فى القرن السادس عشر ، أن تطور كهذا سيقود الملك آخر المطاف ، الى تقديم التنازلات حيال تلك المملكة ذاتها .. وبعد ستة وعشرين عاما من إنتصارات إسرائيل .. يمكن لنا إستخدام كلمات توماس مور للوصول الى بعـض الإستنتاجات عن علاقة دولة إسرائيل بالفلسطينيين ".
- مشكلة اللاجئين -
" الحظ لم يحالف العرب ، اسرائيل كسبت الحرب وبقى السكان المحليون فى الخارج . فهل يجب أن تعتبر إسرائيل مسؤلة عن حقيقة أن البلدان العربية لم تستوعب اللاجئين العرب بنفس روح التضحية والأخوة التى أبدتها اسرائيل تجاه لاجئى الحرب من اليهود ؟ يمكننا أن نستمر فى مناقشة هذه الأمور ، .. ولكن لا شئ سيحل هذا الجدل . وقد يستمرون فى الحديث عنها الى الجيل القادم .. لقد فر نحو ستمائة الف فلسطينى خلال حرب عام 1948 ، بينما أستوعبنا عدد مساويا من اللاجئين اليهود من البلدان العربية - حوالى ستمائة الف يهودى .. جرى إستيعابهم على الفور فى إسرائيل واصبحوا مواطنين .. فى حين أبقى اللاجئون الفلسطينيون فى مخيمات ولم تمنحهم أية دولة الجنسية بإستثناء الاردن .. وأنا شخصيا لا أتوقع من العرب أن يقبلوا بموقفنا من الأمور التاريخية . . والمطالبة " بحق العودة " يجب ان ينظر إليها مقابل هذه الخلفية التاريخية المعقدة . . وكما ذكرت سابقا ، فإن أى حكومة اسرائيلية لا يمكنها أبدا أن توافق على تنفيد هذا الحق الذى يتعارض مع حق اسرائيل فى تقرير المصير ".
(1) شمعون بيرس ، الشرق الأوسط الجديد ، ت. محمد عبد الحافظ ،الاهلية ، عمان