22‏/10‏/2015

سجينة طهران


 

     كلمات متخمة بالجراح  .. مشاعر تفيض حزنا دفين .. كتبت بعد مرور ربع قرن على مرور المحنة .. في ديار الغربة .. بعيدا عن ثرى الوطن .. كتبت بعدما عجزت عن كبح جماح الذاكرة .. كي تنسى .. رعب اللحظات .. ما انفك يطاردها .. ( مارينا نعمت ) .. رواية "  سجينة طهران " .. تحكي قصة الثورة الاسلامية في ايران .. شاهد عيان .. عهد النقلة .. من حكم الشاه .. الى حكم الامام .    



    صورة عسيرة المتابعة . صوب الجنود بنادقهم نحو الحشود واطلقوا النيران ، فاخذ الناس يفرون .. ورأيت بعضهم يسقط على الارض . ألقى الجنود بالجثث فوق شاحنة عسكرية ، وللحظة ... اشعر بالالم والفزع ، لم استطع ان انطق ، ولا ان ابكي .. اخبرت نفسي ان ذلك ربما كان محض تخيل .. كانت عيناه مغلقتين وفمه مفتوحا قليلا ، وقميصه الابيض ملطخا بالدماء .. شعرت ان صخرة قد سحقت صدري .. تمنيت لو كنت معه لحظة وفاته عندما كان خائفا وحيدا .. نظرة خاوية ذاهلة ..  احاول ادراك الهوة القاتلة التي خلفتها الموت . والسقوط الرهيب في هاوية المجهول . والانتظار المفزع لأن تصطدم بالارض الصلبة وتتمزق اشلاء صغيرة .. الانكسار .. توقف عقلي ولم استطع التفكير .. الاسى الذي يجتاح نفسي يتزايد سريعا .. سيدمر روحي ويحولها الى عدم .. حزني فصلني عن العالم ، .. قلت بصوت مرتفع " لقد مات " ، ولدي امل في ان يساعدني قولها على فهم ما حدث .. يا للبشاعة .. حرقة في صدري .. انطلقت من حلقي صرخات حادة .. ازداد الامر سوءا .. لما يموت الناس ؟ لما ياخذ الموت احبابنا ؟ .         
     اقدر قيمة الحصول على فرصة بأن تقول وداعا .. نظرت حولي ، وبدا كل شاهد قبر كأنه غلاف كتاب اغلق الى الابد .. هناك الكثير من القصص التي لن تروى ابدا .. ما اخر شيء فكروا فيه قبل ان تغادر ارواحهم اجسادهم ؟    

  من حقهما ان يعرفا اين دفن ، ومن حقه ان يدفن في قبر لائق .   



    ظلت حرية التعبير قائمة بضعة اشهر بعد اندلاع الثورة ، صحف .. مناقشات سياسية .. جماعات سياسية محظورة في زمن النظام السابق ، لكنها ظلت تعمل سرا عدة سنوات .     ان المجاهدين كانوا ماركسيين ظلوا الطريق واعتنقوا الاسلام ... مسلمين اشتراكيين يؤمنون بأن الاسلام بوسعه ان يقود البلاد نحو العدالة الاجتماعية ويحررها من التغريب .     

   كلاهما اراد تحقيق العدالة للجميع وبناء مجتمع تقسم فيه الثروات بالتساوي ، ولكن اساليبهما اثبتت خطأها على ارض الواقع .. الشيوعية لم تنجح .. والخلط بين الدين والسياسة امر ينطوي على خطورة .. اي شخص ينتقد الحكومة الاسلامية سيعتبر مناهضا للإسلام ، ومن ثم عدوا لله .. لا يستحق هؤلاء الاشخاص الحياة ما لم يغيروا طريقة تفكيرهم .    

   قبلها .. لم تكن معتقدات الناس وإيمانهم مشكلة قط .. الان يبدو ان العالم قد انقسم تيارات مائجة .. ولم اكن اتفق مع اي منها .. لم انتم .. مما خلف لي شعورا بالوحدة والضياع ..  

  ملامح النضج المشوب بالحزن .. يقلق من كل شيء .. تتيح للجماعات السياسية ان تقول وتفعل ما تشاء حتى يتسنى تميز الاصدقاء من الاعداء .. عاجلا او اجلا سوف يلقون القبض على كل من فعل شيئا .  



      والدي يقرأ الصحف .. على وجهه نظرة جادة يطالبني فيها بعدم الازعاج .  

                توخي الحذر ....       

         قفز على الثورة .. ركل بقدمه الديمقراطية التي اجلسته على الكرسي .. مثل منديل ورق بال ادى وظيفته ، وما عاد له إلا صندوق القمامة  .  

    ترفق بهم القدر وتمكنوا من السلطة ، خرجوا ليذيقوا الويل مضاعفا للشعب الذي حررهم .. ولكل من يفكر في لفظ كلمة " لا" للفاشية باسم الدين .. ان تقول لا حين خنع الناس واطمأنوا بقولة نعم .. خطيئة سياسية .    

   الاحلام الموؤدة لجيل من الشباب شاخ قبل الاوآن .. مرهقة بالدموع .. الخوف افضع السجون على الاطلاق .   

   شلال الذكريات الحزينة .. حين لم تستطع ان تنسى كان الحل في ان تتذكر .. تجارب حبيسة ذهن موجوع بأثقال المحنة .. كيف انقلب مجتمع منفتح الى شرنقة منغلقة .. احادية التفكير حين يظن انه امتلك اليقين كاملا .. واحتكر الطهر .. حلق عصفور ثم اختفى في الشجرة .. الصمت والظلام سيان .. غياب الصوت والضوء .. الحاضر متوقفا او مجمدا ، والمستقبل مقتولا غامضا مشكوكا في امره .. تزاحمت الكلمات في ذهني بلا معنى ، ولم استطع تكوين جملة مفيدة .. موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا بؤسا .. لا يمكنني الصراخ ، فلا يوجد هواء كاف في رئتي .. رائحة الغبار احرقت انفي ، كتمت انفاسي كي لا اسعل .  



       اختفت كل الالوان ومظاهر البهجة .. الناس .. ينظرون للاسفل وهم يسيرون في الطريق كأنهم يتجنبون النظر الى بعضهم الى بعض والى المناظر المحيطة بهم .. كادت كل الجدران تعلوها شعارات تنمي الشعور بالكراهية .   

      فكل ما ارجوه في الحياة والموت ، روحا طليقة ، وشجاعة كي احتمل .   

       ان السحب المظلمة سوف تنقشع قريبا ..  

   " رواية " سجينة طهران " ..  رواية تفرض على المرء قراءتها .



....

بعض الحكي لاصآر معقود بالروح
تبقى معه زحمه مشآعر أسيره 
لاطايله مخرج ولا طايلهه بوح 
علّ وعسى كتمآنهآ يكون خيره
 شاعر خليجي  


26‏/07‏/2015

يا مريم .. صرخة وداع





     
     الماضي يتعايش مع الحاضر ويحترب معه .. الحاضر مفخخ مليئا بالانفجارات والقتل والبشاعة .. الحروب ، القحط ، القتل ، التشرد .. العراق ما بعد زوال الاستبداد .. والنهايات الدامية .
     الروائي  مسيحي الديانة .. ينقل صور من حواديث الطائفة وتاريخها بالعراق .. يستغرق في تفاصيل حكاوي الحياة اليومية والعلاقات مع الاصدقاء .. الحياة الهادئة .. يعيش سكينة الماضي البعيد ما قبل انقلابات العسكر .
    ظللت اقفز بين السطور متجاوزا حكاوي الطبخ اليومي ، وصديق عافته زوجته لإدمانه السهر والعودة متأخرا مخمورا .. وجلسات المجون الجماعية .. ونادل يهتف بقناني ملأى .. صفراء لا تنزل الاحزان ساحتها .. لو مسها حجر مسته سراء .. ورمضان ولى هاتها يا ساقي .. مشتاقة تسعى الى مشتاق .. والحملة الايمانية التي اغلقت فيها الحانات عام 1994 .. وعن وصف مسهب لصور فوتغرافية متناثرة للعائلة منذ زمن طويل ، يتأملها ويتذكر النهايات الحزينة .. بدءا من معاصري حركة حركة رشيد الكيلاني 1941 .. الى عصر الانقلابات العسكرية .. عبدالكريم قاسم .. عبدالسلام عارف ..  صدام حسين .. ومن يعتبر ان قدوم البعثيين عام 1963 والوحشية التي قتل بها عبدالكريم قاسم كانت نهاية الزمن السعيد . ومن يعتبر صعود صدام عام 1979 بداية النهاية .. الى الغالبية التي تحن لزمن الملكية  والوحشية التي قتلت بها العائلة المالكة .. وتمقت الانقلاب العسكري معتبرة اياه بداية السقوط الى الهاوية .
    تغير الناس زمن القحط والحصار وقد انشغل كل واحد بهمومه .. اليأس الذي ذاق مرارة السجن وقرر الابتعاد عن السياسة .. العيون تلاحقه .. ليعود مرة اخرى الى السجن بتهمة رشوة .. لمجرد ان مدير المؤسسة التي يعمل بها طلب اليه استلام ظرف من احد الاجانب . كتب عن الحادثة تقرير كلفه ثلاث سنوات سجن .. لم يكسره السجن لكنه اتعب عقله ، ظل هائما على وجهه الى ان وجد جثمانه على قارعة رصيف .. زوجته تواسي نفسها " السياسة لم تترك لها اي شيء " .. اخاها اعدم عام 1979 .. وزوجها فقد عقله . 
    استبداد البعثيين .. ونظرة الطائفة المسيحية لطارق عزيز وزير خارجية صدام المتهم بينهم بالمروق والغطرسة وارتكاب الجرائم ، كما هي النظرة الى ميشال عفلق المسيحي ومنظر الحزب ، والمتهم بأنه اسلم كما طارق عزيز .. والنهايات التي افضت الى صدور قرار اعدام طارق عزيز الاسير .
   الرواية .. تنبش تراب الاديان والسياسة وتقاطعاتها ..، يتحدث الكاتب بلسان المتكلم .. يرفض القبول بتلك النظرة المنحازة والحازمة في قرارها ، او لعلها المشبعة بالكراهية ، والمتقمصة لدور الضحية والشعور المتولد عن النظرة الدونية ، ووخز الالم الناجم الى حد كبير عن نعرة الاقلية وفقدان تساوي المواطنة.
       باللهجة العراقية العامية .. يرفض صخب الحديث : " احنا لا عندنا حرب ولا ميليشيا ولا بطيخ .. الاسلام انتشر بالسيف .. ليش الدين المسيحي شلون انتشر . بالحكي ؟ الحروب الصليبية وفتح امريكيا الشمالية والجنوبية اندبحوا بيها عشرين مليون بمباركة الكنيسة ".
       مواقف واستجابات تثير اسئلة وشكوك .. دلال التي جن بعشقها يوسف المسيحي .. احبها .. لكنها ما ان عرضت امر الزواج على والدها رفض . معربا عن اعتراضه على شخصه حتى وان اسلم .. يقف الدين حجر عثرة في طريق الحب .. جبال اجتماعية شاهقة الارتفاع يلزم تسلقها .
     سنين الحصار وثراء البعض من التجار .. وخسارة اخرون .. العدوان الثلاثيني وزمن الحرب ..غارات الطائرات الامريكية .. وقعقعة القنابل .. وانقطاعات الماء والكهرباء .. البنزين .. الهاتف .. الاحتماء بالسرادب والملاجئ كلما اشتد القصف .. هجرة الاقارب والاصدقاء .. وضياع وطن " بين ايران والامريكان والعربان ..  وهذوله اللي جو من برا وجابو وصخهم وياهم " .

 مخاوف القتل والدبح والتهجير ..  وام تكلى ترثي فلذة كبدها :
يا قرحة القلب والاحشاء والكبد .. يا ليت امك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد ادرجت في كفن .. مطيبا للمنايا آخر الابد
ايقنت بعدك اني غير باقية .. وكيف يبقى ذراع زال من عضد

     ايماءة بالنكتة وتوظيفها لابراز اطراف الصراع الداخلي .. يقال ان ثلاثة عراقيين ، سني وشيعي ومسيحي . وقع بيدهم مصباح علاء الدين السحري . سأل الشيعي الجني الذي يسكن المصباح .. اريد محو السنة عن بكرة ابيهم .. اجابه : لك ما تريد .. سأل السني ، ماذا تريد : طلب اليه هو الاخر محو الشيعة من الوجود .. اجابه : لك ما تريد .. سأل المسيحي طلبه .. اجابه : انجز طلبات الجماعة اولا .. وتعال .
     قصة السيدة مريم العذراء في القرآن ، وهز جذع النخلة ، ورفض الكنيسة للرواية القرآنية ، ودفاعه عن مصداقيتها ، وعن ورودها في اناجيل اخرى لا تعترف بها الكنيسة .
     ايمانه على طريقته : " لم اكن مهتما كثيرا باختلاف الطرق التي يسلكها البشر الى الله ، فالطريق بحد ذاته لم يكن يضمن طهارة اولئك الذين يمشون عليه . هناك دائما اخيار واشرار يملأون الطرق كلها ، وهناك من يظن ان لا طريق الى الله إلا طريقه هو "
     الحروب تقطع رؤوس البشر والنخل .. ما راح اطلع .. وين اروح واتبهدل بها العمر ..
      تمر ذكرى اللحظات السعيدة كجزر صغيرة تطفو على بحر عميق من الحزن .. ابتلع الاحبة .. يحملق في الفراغ الذي كان قد اخذ يملأ ايامه ..  اختطاف .. فدية .. زمن الغربة والاختناق والتشرد .. ما حدث بعد 2003 لا يشبه ما حدث قبل ذلك ، في ضراوته .. فرح بسقوط صدام كما والده الذي لم يثق بالامريكان .. لكنه توهم ، مثل الكثيرين ، بأن العراق سيتحول الى هونغ كونغ ، كما كانوا يقولون في الاخبار . ولم يكن يتصور انهم سيحولونه الى ما يشبه الصومال .. شاعت لغة الموت وعلا صوت الانفجارات .
      تختلط البدايات والنهايات . كل يبكي عراقه السعيد .. " يا مريم " عنوان الرواية .. واخر صرخة لمسجي على ارض الكنيسة التي تعرضت للتفجير من قبل متطرفين .. نداء مسيحي باسم السيدة العذراء .. مريم البتول .. قالها وغادر الحياة .
   " يا مريم " .. سنان انطوان .. رواية تحكي قصة العراق الجريح .. الكليم الحزين .. تفرض على المرء قراءتها .

24‏/07‏/2015

اعجام .. اعدام




   تشدني العبارات الدليقة الرنانة عندما اقرأ رواية ما ، كثيرا ما افضل قراءة رواية نالت من الشهرة ما يستدعي شغف قراءتها .. تشدني ايضا عبارة " الرواية الفائزة بجائزة كذا " .. تتنوع الجوائز ومصادرها ، كما رعاتها .. ويبدو ان الشطر الاخير هو مهم ايضا .. ودائما يفضي الى مدى تماهي الافكار المعالجة بالرواية مع وجهة النظر التي تتبناها الجهة مسبقا .. رواية " اعجام " للروائي العراقي والمترجم سنان انطوان فازت بجائزة البوكر العالمية .. ما شدني لقراءتها بحثا عن ضالتي في سراديب المعاناة العراقية .             
      اعجمت ابهمت .. مبهم الكلام .. واستعجم عليه ما يقرأه اذا التبس عليه .. اعجام قصة مخطوط  غير منقط الحروف عثرت عليه وزارة الداخلية العراقية  .. وتولت فك شفرته ..  يوميات طالب جامعي ارقه العيش تحت نير الاستبداد .. للقلم والبندقية فوهة واحدة .. يقرأ نصوص تنهق وتعوي للحزب العبثي (البعثي ) الحاكم على الصفحة الثقافية بالجريدة  .. يكتب خلسة يومياته بالجامعة .. عن ابوعمر ضابط الامن بالكلية ,, بلهجته السمرائية التي يبالغ بها لتقريبها اكثر من لهجة تكريت ( محط راس صدام ) .. وشهادة دكتوراه فخرية في  العقوق ( الحقوق ) تمنح للقاعد ( القائد ) الملهم  .. وعن الاغاني والشعارات التي كانت وزارة السخافة والابهام ( الثقافة ) تقصف بها جيله يوميا .. يتلاعب بترتيب الكلمات .. كي تصبح الاغاني السياسية اكثر واقعية .
      عن ثورات .. وفورات .. وشعارات  .. وهذا الحر والبؤس .. والانزعاج والتململ في العيون المتعبة .. وتحذيرات الجدة .. " انته شعليك بالحكومة ؟ " .
      يوميات من زمن الحرب .. يرفض المحرر الثقافي لصحيفة الجمهورية نشر نصه الحزين الذي يحكي مرثية ام تنتظر جثمان ابنها الوحيد .. ترسيخ مفهوم الوطن فوق الجميع .. ينشرون لمن يكتب مثلهم .. يطبل ويزمر .
   اشياء كثيرة تتهشم في بداخله  وقد قبض عليه .. واولج السجن .. اغتصاب .. ازدراء .. طقوس سادية  تعيش ذكراها ماثلة في ذهنه .. يعذبه الواقع المر .. ولا يجد مفر .. السفر ممنوع .. وفي الافق ظلام وقيود ومستقبل مجهول .. يمارس الرقابة الذاتية على افكاره واليات عقله .. يتذكر نكتة تتداولها الالسن خفية .. " رجل مصاب بالكآبة يذهب الى الطبيب النفساني يشكو الكآبة .. ينصحه بمخدر يبقيه نصف قرن نائما .. يتناوله وعندما يستيقظ بعد نصف قرن يجد الجموع تهتف لحفيد الرئيس " .
  يستعرض مشاهد درامية من زمن الحرب .. تقليد نوط الشجاعة لرجل قتل ابنه لانه رفض الالتحاق بوحدته العسكرية ..  ترويج لمفهوم الوطن فوق الجميع .. وداخل اسوار الجامعة يطلب اليه انجاز بحث .. لكن العنوان لا يجد قبولا لدى الاساتذة ..  بحث عن علاقة السلطة واللغة .. يرفض العنوان من قبل رئيس القسم .. ترفض سكرتيرة المكتبة اعارته كتب تخدم بحثه .. رويات اوريل " مزرعة الحيوانات " و " 1984 ) .. تعري الاستبداد .. كتب محظور تداولها او اعارتها .
      اغفاءة قلم يسعها ان تكتمل قبل ان تصطدم بصرخة .. وقد علمته التجربة عدم التسرع او التهور والصمت وتأخير ردود الافعال لأطول فترة ممكنة .
      تتوقف الدراسة بالجامعة .. ويحشر الطلبة قسرا للمشاركة بمسيرة تضامنية مع القاعد .. لمن لا يصفقون اثناء مهرجانات الاسفاف الخطابية وعندما يذكر اسم القائد والثورة .. " تبت اللقطات مصورة التفاف الطلاب حول قيادتهم ، وترسل الصور الى العالم اجمع .. ويتسابق المحللون والخبراء في تفسير سر حبنا للطغاة لشعوبهم المثقفة " .
     الانتماء للحزب .. تحذيرات لمن لا ينتمي بالحرمان من مواصلة دراساته العليا ..  خلف قضبان دونها قضبان  .. الماضي والحاضر يصطدمان ..  تسافر شظاياهما في كل اتجاه .. رفضه الصامت .. اذ الافكار والشعارات السياسية مثل الاحذية تستبدل بحسب المناسبة والارضية .
      هاجس الخوف يلاحق الجميع في كل مكان .. في الشارع والبيت .. " من الافضل ان تكون هناك صورة صغيرة للرئيس بالبيت لكي لا نعطي فرصة لاولاد الحرام ان يؤذونا " .
     يتذكر محنة شقيقه جميل الذي هرب من العراق عام 1969 بعد ان اعدموا صديقه بتهمة الماسونية .. وخافت زوجته ان يلاقى نفس المصير . بالرغم من انه لم يكن ماسونيا .
       يتأسى لحادثة زميلته التي تطرد من درس مادة الثقافة السياسية الملزم بدراستها الجميع ..  طالب الاداب كما طالب الطب البيطري .. كتيبات ومطبوعات  .. احاديث القائد  .. استاذ المادة يزعجه وضع  الطالبة وردة حمراء على ياقتها يوم 31 اذار ذكرة تاسيس الحزب الشيوعي المحظور.. يفهم على انه تعبير عن الاحتفال  .. وماذا بقى من الحزب .. قطع اربا اربا .. بنهاية السبعينات اعدم عشرين ضابطا بتهمة الانتماء .. والبقية بين السجون والمنافي .. حتى وردة حمراء كانت كافية لاثارة الرعب في اوصالهم .. اختبأ القمر خلف سحب سوداء .
      كان دجلة هادئا غير آبه بالعبث والموت على شاطئيه او بالقصور التي اخذت تطعن ضفتيه . يردد سؤال السياب .. أغابة من الدمع انت ام نهر ؟
      محنة المثقف .. تجسدها محنة شاعر الرافدين الجواهري الذي انتهى به المطاف شريدا عام 1980 بسبب موقفه من الحرب .. سأكتب جروحي . اتعثر في ظلام ما جرى .. وعندما هم بشراء نسخة من مجلة اليوم السابع وكيف فاجأه البائع بطلب المزيد من النقود .. تبين له ان كتيب يباع مرفق بالعدد يحوي خطاب الرئيس القائد .. رفض شراء العدد .. وحسرة في جواب البائع : " شنسوي يعني . همه يفرضونه علينه وماكو مرتجع "  .
     بيان اعلن بالتلفزيون الرسمي .. " منع اللغات الاجنبية واللهجات المحلية التي تشجع الانفصاليين والمندسين من اعداء الوطن . وتوقيع عقوبة الاعجام بكل من تسول له نفسه نشر الغموض والابهام " .. ووراء اسوار الجامعة الموحشة .. والزي الموحد ، ومنع اللحي .
   في الرياضة .. نادي الرشيد " بتاع الحكومة " .. وكيف يختار البعض الذهاب الى الملعب ليهتف ضد الرشيد ..
     لم تترك العقود السبع في جدته اثرا واضحا باستثناء الشعر الابيض .. ولا تزال على رأيها .." ليش اللي رحييجي رحيكون احسن ؟ هذا الشعب مينحكم إلا بالحديد ! " .
      " فكرت بالهدر وبالورق الذي يضيع ، وبالقرار الذي كان قد صدر قبل فترة ، والذي يحذر الناس من رمي الجرائد في القمامة لان صور القاعد كانت على الصفحة الاولى كل يوم ، وكان الناس يستخدمون الجرائد على موائد الاكل ولتنظيف الشبابيك .. اخالف القوانين باستمرار وانتقم على طريقتي الخاصة .. اختار الصفحة الاولى لأنها تحفل بالصور وبالافتتاحيات .. واسمح لشاربيه ان تمشطا استي " .
      عربدة انتهت به خلف جدران السجن .. وفي لحظة من لحظات القدر حدث انقلاب وذهب الطاغية .. قيل انه فر الى ليبيا  .. استلمت جماعة " العراق الحر " مقاليد الحكم .. وصدر عفو عام عن كل المحبوسين .. يشاكي نفسه .. يتسأل : "  كم كنت احلم بيوم كهذا !! ترى اين هو الان ؟ امازال يبتسم ابتسامته البلهاء ؟ ماذا سيفعلون به ؟ .. البعثيون ما زالوا يسببون المشاكل حتى وهم في غياهب السجون .
    ما احلى ان امشي دون ان تصفعني الجدران .. اعمار الطغاة قصار .. الاعجام او الاعدام اسمين للرواية اختارهما الكاتب في رمزية صححها بهامش الرواية .. الاول عنوان يفضي الى الخرس المزمن ، والثاني الى الخرس الابدي .


  تهب ذاكرتي علي بضراوة .. تقتلع الاسلاك الشائكة .. ( اعجام ) .. رواية تفرض على المرء قراءتها .

22‏/07‏/2015

مؤانسة ..



   
     امسية رائعة فريدة مزدانة البهاء .. جمعتني واحد الاصدقاء .. لحظات انس ومؤانسة .. حواديث حاضرة وسالفة .. سؤال وجواب .. عن الاسرة والاهل والاصحاب .. رمضان وبهجة العيد .. واحوال القريب والبعيد ، وما في حركة الافلاك من جديد .
نسمة رطبة خففت وطأة انقطاع الكهرباء .. جرجرت الحديث عن احتقان الاجواء.. وعن الشرق الكليم .. والجنوب الحزين .. والغرب السقيم .. والغربة في البلاد .. وهجرة الابناء والاحفاد .. والى اين يسير مركب الوطن .. واين بنا سائرون ؟ .. وأي شاطئ سترسو عليه عازمون ؟.. كل الشواطئ صخرية .. وفي الافق غيوم رعدية .. وزوابع ربيعية وصيفية .. الاشرعة مهترئة .. والرياح عاصفة .. الربابنة ينتحرون .. ودون بوصلة بنا يبحرون .. تاه اتجاه السير .. وتعذر التقدير .. لم نعد نعي الزمن .. ولا اي وجهة يغرب الوطن .. المركب يتداعى .. يغرق يتهادى .. الامواج في اهتياج .. والمسير فيه اعوجاج .
استمعت اليه بانصات .. وفي القلب اهات واهات .. حسرات وزفرات .. جروح ووخزات .. ابتلع الحروف والكلمات .. الحركات والسكنات .. الهمزات والنبرات .. الكسرات والشدات .. الفواصل والوقفات .. المركب غربت وما فات قد فات .
لم نتوانى في سلخ جلد من جلبه حظه العاثر .. كل اخذ نصيبه بالتمام .. وبكل اهتمام .. من غاب عن الانظار .. وما اليه صار .. ومن حجبته الاستار .. وقوارع الليل والنهار .. وتنائي الديار .. وأي وجهة جرفه التيار .. ومن لا زال محتار ؟
جمعتنا لحظات وايام .. لقاءات مضت وازمان .. انقضى عمر .. الوقت يمر .                

20‏/07‏/2015

مرسى فاطمة .. وجع ثورة شعب





   " مرسى فاطمة " رواية اخرى للروائي الارتري حجي جابر بعد رواية " سمرويت " الشهيرة .. مرسى فاطمة اسم الحي المدينة التي استقبلته ، وترعرع بعبق ازقتها وحاراتها بعدما ترك قريته في الارياف .. وحيث عرف قصة عشقه وغرامه " بسلمى " التي ظلت ترافق سردياته وخياله القصصي الرائع خلال الرواية بأكملها .. رحلة البحث عن سلمى واقتفاء اثرها وقد غابت عن الانظار .. وتجشمه المغامرة بالتنقل من هنا الى هناك .. يقتفي اثرها فيما يعتقد انها الجهة التي اختارت النزوح اليها .
   الرواية تعالج ما هو اهم من وجع فقد الحبيبة والزوجة ، وجع فقد الوطن اريتريا ، بعدما سطت الحركة الشعبية على مكتسبات ثورة التحرير والاستقلال عن اتيوبيا .. لتزيح جبهة التحرير واقطابها من على واجهة المشهد السياسي ، وتستأثر بمقاليد السلطة وصنع القرار .
    مرسى فاطمة .. قصة اوجاع المواطن الارتري الباحث عن فرصة للهروب خارج اسوار الوطن الزنزانة .. " لسنا ضد الوطن .. لكننا ضد استغلالنا باسم الوطن " .. . خيارا اريد له ان يكون نهاية التعب ، فصار اول منازله .. نهرب من الوجع اليه .. تتقلصالخيارات في لحظات اليأس .. لا اقسى من المفاضلة بين وجعين .. خيارا واحدا غارقا في المرارة  .
   المغامرة بالهجرة نحو البلد الجارة .. السودان .. كانت احدى محطاته في اللحاق بسلمى المفقودة .. رحلة مثخنة بالجراح .. يلتقي خلالها بأبنا جلدته .. يحكي آلامهم القاسية .. وضنك العيش بمخيمات الحجز الحدودية .. الى مخيمات اللاجئين الارتريين بارض السودان .. الى حكايات اخرون غامروا للحاق بوهم اخر عبر مصر وسيناء نحو اسرائيل .. حلمهم .. مجند بجيش اسرائيل .. فرصة تتداول على الالسنة لتصبح حلم موعود .
    يمضي الوقت وقد تغمس بالكدر .. يئد الاحلام في مقتبل البهجة .. يختنق الصدر تحت وطأة ما يجري .. سلمى تميل الى الطول ، سمرتها صافية وشعرها اسود كثيف ، على تخوم شفتها العليا شامة خفيفة ، ولها لثغة ساحرة في الراء .. تستحق كل هذه المغامرة المجهولة النهايات .. والتي اطلعته رحلة البحث عنها .. واللهات خلف اثرها ، على اوجاع اخرى لا تقل قسوة عن اوجاع طردت المواطن من وطنه .. عذابات التجنيد الاجباري تعادل مشاق التنقل في الخفاء عبر الحدود .. ومشهد الكالحين المعذبين .. مقايضتهم ببيع اعضاهم لمواصلة الرحلة نحو الهدف .. بل وتغيبهم وسرقة الكلى من احشائهم عنوة .. ولا تسل عن الالم المضاعف لتلك النسوة المغتصبات عند جميع المحطات .. ومن هن يعانين داء الايدز بالمخيمات .
   مرسى فاطمة .. قصة شعب نكب باسم الثورة والوطنية فاصبح مطاردا بلا وطن .. " بدأ صدري يختنق  تحت وطأة ما يجري ، فنهضت مذعورا وسعالي يتلاحق مع انفاسي المتقطعة .. متى ينهي هذا الليل زحفه البطيء ويغادر
 .. باتت رأسي ساحة حرب لأسئلة متناقضة ، لا ينتصر فيها طرف إلا بهزيمة الاخر .. يا الله .. ما اقسى ان تصبح كل القرارات مصيرية .
سأضع تعبي جانبا .. سارتدي تعبا اخر .. ساتقلب في ذاكرة حارقة
لا يترك الواحد منا وطنه ما لم يقم الوطن بذلك اولا . . روحي الهائمة في قيظ لا ينتهي .. اسقام الفقد وفواجعه .. ازمنة العتمة .. الملم شتاتصور المكان .. اسعى جاهدا لاطرد ارتباكي .. اهز جذوع الكلام .. وجعي يتعاظم فيبتلع قدرتي ..  هذا الفقد ينهش روحي ..   متكدسا بأوجاعي .. عمرا من التعب يجتاحني .. افتش عن طن ينهي صهيد اغترابي .. لقد بلغت حيرتي منتهاها .. قواي تتسرب .. انزلت اشرعتي .. وأحرقت مراكبي .. عتمة الليل تبدد سيل افكاري "


    هذا الحزن المعتق في عينيه .. في جسده النحيل .. وقد ارتطم وجهه بعتمة آخر النفق .. يضطره ثانية الى العودة للوطن .. الى مرسى فاطمة .. يعانق الجدران التي لا زالت تحتفظ بعبق روائح سلمى .. سلمى المفقودة الضائعة كما ضاع الوطن الحلم .. تتلاشى الاحلام .. وكمن اراد التخلص من وجع يده فقطعها .. يا لهذا الوجع .. وقد غدا كل شيء .
عابد

20‏/06‏/2015

مذكرات الأمير عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة



    مذكرات اخر ملوك غرناطة الزيريين ابي عبدالله الصغير الذي سلم غرناطة الى الملكين الكاثوليكيين يوم 2 كانون الثاني 1492م ، تعطي صورة مخالفة للمعهود عن المعرفة بالاندلس والاندلسيين ، ولعلها - وهذا اهم - تساعد في فك شفرة الرقي المعرفي والخصب الثقافي . ومستوى وعي الامير بقضايا عصره .
      يكتب يومياته بعد ان عزل عن عرشه واصبح طريدا في العدوة الجنوبية ، حيث مدينة فاس .. خلجات نفس تتحسر على ملك قد ضاع .. " بعبق الذكرى الضائعة .. اربعا وستين سنة في فاس .. ولد في عرش آيل للغروب .. محن المحيط الذابل .. " شتمت على انني من ضيع المملكة ومع ذلك لم ينشغل احد بالحقيقة " .. " لم اكن لا الان ولا في اي وقت مضى من قرر المعارك  .. مات املي قبلي ، ما بقى لدي منه متواضع جدا "
     " مثل عصفور يستريح فجأة ثم يتلوى ويتمطى .. اتحدث عن اقدم هاجس للانسان .. هاجس ان يكون محميا .. كي لا بقى وحيدا ضائعا وسط الليل .. ومضة تعبر وتختفي .. جلبات غير مفهومة ، يختلط بعضها ببعض .. نهيق متطاول  لم يعد بالامكان كبحه.. عشرة كلاب تنبح والقرية ساكنة.. اشعر بوخزة في خاصرتي ، تصعد الى حنجرتي  تراني اكتب كي أؤجل الوداع ؟ ..  يؤكدون ان التاريخ يكرر نفسه ، وهذا ليس صحيح ، الذين يتكررون هم المؤرخون .. ان اي تاريخ لا يمكن ان يحكى قبل ان ينتهي  "
    احيانا كتبت وعدت الى ما كتبت ، واخرى عبورا ، كمن يتقيأ رغما عنه .. اشياء هي من الكثرة بحيث انني لن استطيع ان اعدها لك حتى ولو لم اسكت في حياتي .. بحر السياسة الهائج .. الحاكم الجيد يجب ان يكون اكثر الرجال علما وذكاء .. عظمة اي شعب تبرز في الاحترام الذي يكنه لأعدائه .
     نظرة الاندلسيين الى الدين ليس اكثر من مسألة طقوس .. " اخاف المتدينين الحقيقيين ، لانهم كثيرا ما يتحولون الى متعصبين . يذكر بالمرابطين وقدومهم الاندلس ، " فقد كانوا بالنسبة الى ثقافتنا وهدوئنا مثل المطرقة " .
في جواب للطبيب اليهودي ابراهيم عن سؤال الأمير ابي عبدالله الصغير اخر ملوك غرناطة   .. نستشف روح التعايش والتقارب ، بل الكتاب بمجمله يعطي صورة ايجابية للقبول بالاخر رغم الخلاف العقائدي الديني ، هذا المناخ الهادئ سمح  للعبقرية الاندلسية ان تزدهر ، وللابداع ان يتجلى في شتى انواع المعارف .  السؤال كان حول الأديان السماوية الثلاث ، ومناحي التناقض والاختلاف ؟
   يجيب الطبيب الذي يحتفظ بايات التوقير للامير الصبي : " ربما ليست هي المتناقضة ، وإنما نحن . من هنا يأتي خطر الهرطقة . فبعد ان نفي الشعب اليهودي الى بلاد بابل الذي لم يكن لنا فيه دور ، لأننا لم نكن أحرار ، .. برز بين اليهود الخوف من الذوبان والاندثار كشعب ، نظرا لأهمية المنتصرين .. الهلينية .. كانت غايتنا الأساسية هي الاستمرار والحفاظ على أنفسنا كشعب له مميزاته الخاصة وفردانيته . لذلك كان الإصرار على كل الأشياء ، على التحريمات ، وأوقفنا التطور .. لقد اثبت صحة مخاوفنا ، كان باستطاعتنا ان نقبل عقيدة المسيح لكن أتباعها اللطيفين جعلوها متناقضة مع الروح العبرية ، .. شعبي أضاع أرضه الموعودة . اضطررنا ان ندافع عن أنفسنا ، ان نجمع أنفسنا ، وان ننغلق حول حاخاماتنا : كان التلمود وطننا البديل عن ارض الوطن ، كما كانت سفار اد أي الاندلس ، منذ قرون كثيرة .  يا بني ، لقد اضطر الشعب اليهودي لان يقاتل على امتداد التاريخ كي يبقي نفسه . ديننا ليس عقائديا مثل المسيحية ، ولا ناظما للسلوك مثل الاسلام ، ديننا سياسي . صار مجرد سياسة . انتم والمسيحيون تعتقدون انكم تدفعوننا وتحصروننا في حي ، في جالية ، هذا ليس صحيحا : نحن الذين نحصر انفسنا ليحمي بعضنا ظهر بعض ، لنتحصن ، لاننا بحشرنا لأنفسنا ندافع عن أنفسنا بشكل أفضل من العدوى والتسلل ، ونصان بشكل افضل من التغير .. ان تكون يهوديا يا ابا عبدالله يعني ان تقاتل بلا هوادة كي تبقى كذلك بالطريقة الأكثر صرامة  .  ولأننا نحاول بأي ثمن ان لا نهضم ".
  الكثير من الحكم النابضة بتجربة حياة فريدة يدبجها بين السطور : " كانت في العالم سيدة وخادمتان ، الثقافة والسياسة والاقتصاد ، فاستطاعت الخادمتان ان تسرقا السيدة " الثقافة " مكانها لتحلا محلها ، ومهمتنا نحن المثقفين هي كيف نعيد السيدة الى مكانتها والخادمتين الى عملهما . ذلك و هاجس الروائي انطونيو غالا ..  العرب لم يغزوا الاندلس ، ولم يفتحوها عسكريا ، بل ثقافيا .. القوة تلغي ولا تقنع " .

    كتاب .. يوميات اخر ملوك غرناطة .. نافذة لتحري الاسباب الكامنة وراء زوال مملكة ومجد دام لاكثر من ثمانية قرون .. كتاب يفرض على المرء قراءته .

04‏/02‏/2015

- الشخصية الليبية .. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة


  

     " الشخصية الليبية .. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة " كتاب صدر حديثا للاستاذ المنصف وناس ، جامعة تونس . حاول الباحث من خلاله تفكيك مكونات الشخصية القاعدية – حسب المفهوم الذي يستعيره – بهدف قراءة المشهد السياسي ما قبل فبراير 2011 ، وما بعدها ، "
    في التوطئة للكتاب يتساءل عن الخصائص البارزة المميزة لهذه الشخصية . ففي رأيه : " لا يمكن فهم جذور ( الانفجار الشعبي ) الذي حصل سنة 2011 اعتمادا على اعتبارات سياسية محض " . لينطلق من فرضية وحيدة يبني عليها مشروعه ، ألا وهي البداوة ، او البدونة خصيصة الشخصية الليبية . والتي هي " نظام متماسك من الاعراف والتقاليد والممارسات التراتبية ومن التبجيل لشيوخ العشيرة باعتبارهم حماة الديار وحراس راس المال الرمزي " . وهي ثقافة ذهنية قبل أي شيء اخر . قادرة على الصمود رغم اندثار القاعدة المادية او المرتكز الاقتصادي . وللتدليل على قوله يشير - فيما يخص الحالة الليبية – الى انها " قاومت على طريقتها ما سمي بالمشروع الثوري للنظام السابق ( 1969 – 2011 ) الذي انفق بسخاء من اجل تكوين قوى ثورية مقتنعة بهذا المشروع وخاصة في منطقة برقة والجنوب الليبي " . يعزو ذلك الى رغبة في اكساب النظام مقبولية سياسية من خلال تعبئة القبائل .
    يقفز هنا وهناك لرصف مبررات " التغير السياسي في الفاتح من سبتمبر " - حسب تعبيره - ، ويسترشد بفكرة عامة مؤداها ان " الثورة – يقصد انقلاب سبتمبر – انطلقت من فكرة اساسية .. ان البدو هم اكثر قابلية للثورة .. قياسا بالحضر .. الذين جرى اتهامهم بالطلينة .. بواسطة جيش الباندا .. ولعل اشهر باندا هي باندة عاكف التي اقتلعت سكان الجبل الغربي من جذورهم "
" وبمقتضى هذا المبدأ السياسي .. سيطر على مختلف مفاصل الدولة الليبية اشخاص من اصول بدوية غالبا ما تعاملوا مع الادارة على انها غنيمة ، فهيمن الاداء الارتجالي " . تجسده نماذج يستعيرها مثل " الثورة الثقافية " ، " خطاب زوارة " ، " " الثورة الادارية ".. انموذجا ، وبالطبع " الادارة ثورية " . تاويلاتها وتطبيقاته التي افضت الى امتلاك موارد الغنيمة والقوة وصولا الى السيطرة والغلبة القبلية . وهنا يعزو حالة الاحباط المجتمعي الناجمة عن تلك السلوكيات السلبية المترتبة ، الى الخطأ في التأويل .
   وفي سياق توضيح فكرة البدونة السياسية ، فلسفة النظام السابق ، يعتقد انها " تقوم على تدمير الدولة بكل هياكلها وعلى تشجيع الليبيين على المشاركة .. وتحقيق الديمقراطية المباشرة " . وانه لاحظ ميدانيا ، ان هذه الفلسفة لم يواكبها اقتناع فعلي من قبل الليبيين ، كما لم تكن الاليات المستعملة ناجعة . وأنها لقيت ترحيبا من البدو باعتبارهم غير مقتنعين اصلا بفكرة الدولة .
ثم يقدم فرضية ترجح " ان جذور الاخفاق السياسي والاقتصادي تكمن في هذه الفكرة الطوباوية " .. اذ اتخذ الاداء السياسي بموجب ذلك ، طابعا قبليا ، بل واضحى الحصول على الخدمات هو الاخر خاضعا للثقل القبلي والاجتماعي . فاستفادت " مصراته والبراعصة والعبيدات وبني وليد والقذاذفة والمقارحة واولاد سليمان والزنتان ، ولكن تضرر ، في مقابل ذلك ، الامازيغ والطرابلسية والعلالقه وزوارة وورشفانه – سهل الجفارة - والعجيلات والجميل ورقدالين والنوائل والصيعان والمشاشية والتبو والطوارق " . ولقد هدف النظام من خلال ذلك الى استمالة قادة وشيوخ القبائل للتأثير في قبائلهم ، لمنع تكون معارضات ، وتجنيد موالين . ما انتج " فراغا مؤسساتيا وسياسيا هائلا " .
يعرج على النظام الملكي ( 1950 – 1969 ) ، وشخصية البدوي التي " تحب بعمق وتكره كذلك بشدة " . وتفاعل الليبيين معه رغم تحفظات البعض في طرابلس ، والتحريض ضده ، وتشجيع الجيش للاطاحة به ، وفرح الليبيين بالحكام الجدد " فقد حظي التغير السياسي في الاول من سبتمبر بقبول شعبي ملحوظ .. ولكن سنوات قليلة بعد هذا التغيير ، بدأ القلق والملل السياسيان في الظهور .. وتنامت المعارضات بفعل الزمن الى ان انتجت تدريجيا ، 17 فبراير 2011 المدعوم من الوضع الدولي المشجع له " . يعزوه الى تراكم الاخفاقات والاحباطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . ثم " اعلاء ثقافة البدو على حساب الحضر على امتداد اثنين واربعين سنة " . البدونة القيصرية حسب تعبيره ، التي افضت الى " قمع كل التعبيرات الثقافية غير البدوية مثل المسرح والسينما والرسم والنحت " . وما نجم عنها من " تشظي ليبيا من الناحية البشرية الاجتماعية .. فتحولت ليبيا بفعل الواقع الى جغرافية شاسعة من العداوات ومشاريع الثأر المؤجلة " .
     ينتقل الى عرض مفارقة انتربولوجية ، " فالمنطق القبلي لا يسمح بالانحياز إلا الى الغالب ولا يغامر بالانحياز للمغلوب " . يدلل على ذلك باستدعاء مثال من القبائل التي اختارت الانحياز لانتفاضة 2011 . وبالنص : " لان تدخل الحلف الاطلسي جعل الامور واضحة منذ البداية وأكد ، بما لا يدعو مجالا للشك ، ان النظام القائم انذاك سيكون الخاسرر في هذه المعركة جراء تدخل الناتو واستعمال التكنولوجيا العسكرية المتطورة في عمليات القصف .. ولذلك ، فالانحياز للمغلوب لا يقبله المنطق القبلي .. فقبيلة الزنتان المتمركزة في الجبل كانت على علاقة وثيقة بالنظام السابق ، واحتضنت عدد من معسكراته ، ولكنها انحازت ، من باب الواقعية السياسية ، الى الشق الموعود بالغلبة ، كما انحازت من قبل ، وفي فترات محددة ، الى الاتراك .. فن بناء التحالفات .. حسب قاعدة الوصول الى الغنيمة قصد تحقيق الغلبة وهي فكرة يدعمها ايضا الباحث الليبي على عبداللطيف احميده " . ( لم يذكر ان التدخل الدولي والقصف جاء بعد شهر من الانتفاضة ) . فقد كانت هذه القبيلة حليفا للايطاليين وغيرت تحالفها بعد معركة القرضابية .. 1915 .. أي بعد غلبة المجاهدين الجيش الايطالي " .
     ياتي الباحث على ذكر عدد من القبائل والمناطق " التي طلينت " ، وخيارات تبادل مواقع الولاء انعكاسا لموقف خصمها القبلي .
    مفارقة انتربولوجية اخرى تكمن في كون الشخصية البدوية " نهابة وهابة .. تمارس السخاء ، لبناء تحالفات " . وكرمها ليس فعلا عفويا ، " وانما هو دين رمزي وفعلي متخلد بذمة الاشخاص المكرمين يتم استحضاره عند الحاجة وتوظيفه " .
       يستدعي الباحث الشعر الشعبي في كثير من الاحيان لتحديد خصيصة الشخصية الليبية وطابع البدونة ، فهي  لا تميل للعمل والجهد .. ملولة حالمة مترحلة  ، وفي حالة ضما دائم  . ( على ما شرب ما راق .. عطشان صوبه  مزال خاطري ) . ويعتبر ان اهم الاولويات في المرحلة القادمة لبناء شخصية منتجة ، " ثورة ثقافية حقيقية قادرة على تغيير الواقع نحو الافضل " . كما  يعتب على الرواية الشفهية ودورها في تدمير العلاقات القبلية ، وفي اعادة انتاج احقاد معينها ذاكرة دامية . في بيئة واهنة .
     الكتاب يصف مرحلة الثورة ( فبراير – اكتوبر 2011 ) بالازمة العميقة ، التي افضت الى تدمير البنيات الاجتماعية والى استحضار تاريخ مسكون بالتوترات والاحقاد والى اعادة انتاج ذاكرة دامية وتاريخ مأزوم .. قرأت بموازاة اللحظة قراءة للدكتور عبد السلام عماره . ملخصها : الكتاب " يعد محاولة جريئة لتشخيص الحالة الليبية الراهنة وما وصلت اليه الأوضاع في ليبيا من ترد وانحلال للدولة.. يأتي في ظروف حرجة وصعبة تمر بها ليبيا كثرت فيها التحليلات والاهتمامات الصحفية والاكاديمية ولكنها بقيت في عمومها في طور التوصيف والاخبار ولم تنفذ إلى عمق الأزمة.. أن هذا العمل يمثل محاولة جادة لاستخدام الحقل الامبريقي في فهم ما يحدث في ليبيا وبالتالي إيجاد العلاج الممكن لهذه المعضلة " .
      جدير بالذكر . ان الكاتب عاصر الحراك السياسي ما قبل فبراير ، واحد الذين سخروا سلاح الكلمة للدود عن النظام السابق . وتصدر فيما بعد جموع المناهضين للثورة والثوار ابآن تفجر ثورة السابع عشر من فبراير . ينقل عنه قوله : " ان ليبيا جغرافية الفراغ وليست مرشحة لحالة ابداع انساني " . ولربما لهذه وتلك ، لم يأتي على ذكر العهد الملكي إلا لماما ، ولم يتعرض لدوره في استيعاب تلك الذاكرة وتطويعها وصهرها في بوتقة وطنية ابتعدت بها عن العودة لتلك الذاكرة العصبية التي احياها نظام العسكر وجعلها مطيته في الانفراد بالسلطة .
عابد

02‏/02‏/2015

- موقف الدول الاوربية من الجنوب الليبي ( محاضرة )




 

   هذا المساء 2 / فبراير/ 2015 ، بمقر مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية ، كنا على موعد مع الاستاذ " ولفرم لأخر " من المانيا . في محاضرة بعنوان " موقف الدول الاوربية من الجنوب الليبي " .. محاولة لتفكيك الموقف الفرنسي بصورة خاصة . المحاضر استاذ بالمعهد الالماني للشؤون الدولية ، له العديد من المؤلفات والابحاث ، ويتأهب لمناقشة رسالته للدكتوراه حول " اطياف النخب السياسية في ليبيا ".

    استهل الباحث حديثه بالقول ، عندما نتحدث عن الموقف الاوروبي ، فإننا نعني موقف فرنسا التي تتصدر المشهد ، وتولي اهتماما بالغا بالشأن الليبي ، والجنوب بصفة خاصة .

   في الاونة الاخيرة نلحظ اهتمام الاعلام الغربي ، والفرنسي بصورة خاصة ، بتداعيات الاحداث والتحديات الامنية بالجنوب . نقرأ بوضوح تصريحات مسئولين فرنسيين عن قلق من تنامي التطرف بالجنوب ، لا تقتصر على صف وزير الدفاع الفرنسي لفزان بـ " عش الافعى " ، بل وتسريبات لرجال دولة ، ومخابرات دون ان يفصحوا عن هوياتهم .

   لا اعرف بالضبط حجم هذه المجموعات الخطرة ، ونطاق عملها ، لكن فيما يبدو ان الفرنسيين ليست لديهم معلومات ضافية ودقيقة ، وكل ما هناك معلومات تستقيها اجهزة الاستخبارات ، ولا استبعد ان تكون مصادرها كيدية ، قد تكون حكومات دول ، كالنيجر ، وتشاد ، يستغلون علاقاتهم لتوجيه دفة الترسانة العسكرية الفرنسية نحو اماكن يتوقعون ان تقض امنهم مستقبلا ، او مليشيات عسكرية ، او زعماء متمردين .. كل هذا وارد ، لكن ايضا في فرنسا هناك وجهات نظر لساسة ترفض التسرع في اتخاذ قرار التدخل العسكري . او بالاحرى ، لا يوجد موقف فرنسي موحد حول القرار . وهناك رغبة حقيقية بالتدخل تتمظهر في موقف المؤسسة العسكرية . وان حدث ذلك ، قد نشهد ضربات محدودة لطائرات بدون طيار تستهدف مواقع وشخصيات ، او ربما عمليات نوعية خاطفة للقوات الخاصة ، لساعات محدودة .

   وفيما ان كانت المعلومات دقيقة ، وانه بالفعل هناك مشكلة ، اعتقد ان هذا النوع من التدخل لن يكون كافيا ومجديا . بل سيغرق المنطقة في مشهد اخر اكثر خطورة ، وقد تنتج استراتيجيات جديدة خطرة للغاية ، خصوصا اذا ما اتخدت منحى دعم اطراف محلية ، اى دعم لطرف ما والزج به في مواجهة طرف اخر . وما ينجم عن الخطوة من تصعيد للصراعات بالمنطقة ، التي قد تستمر طويلا .

   من واقع لقاءات جمعتني بشخصيات قريبة من مصدر القرار ، لا وجود لمنحى الدعم لطرف محلي على حساب الاخر ، غير انه حسب المعلومات المتوفرة ، اعتقد ان فرنسا تميل الى دعم طرف دون اخر ، وهذا واضح في عرقلتها فرض عقوبات على شخصيات تنتمي لطرف ، في مقابل تأييدها ومطالبتها توقيع عقوبات على شخصيات تقود من الطرف الاخر .

   اعتقد ان زمن الاستعمار قد ولى ، ومع ذلك ، التدخل قد لا يكون مستبعد ، ففي بعض الاحيان ، لعبة الانتخابات الفرنسية الداخلية تفرض ذلك ، كما حدث في عهد ساركوزي ، وقد فعلها . عندها سيكون مناسبا طرح جميع المبرارات المتوفرة والممكنة ، تنامي نشاط التطرف بالمنطقة ، الانفلات الامني الذي قد يلتهم مصالح اقتصادية فرنسية هامة بالمنطقة ، كمحاجر اليورانيوم في ارليت شمال النيجر ، .. الخ . واذا عزمت فرنسا على التدخل فستتدخل . وهي متواجدة بمنطقة الساحل والصحراء بكثافة ، هناك قواعدها العسكرية ، وولاءات دول بالمنطقة تفسح لها مجال الحركة والمناورة ، بل وان الاخيرة هذه ، تتوجس ، وتدعو الى التدخل . لكن ايضا لا ننسى ان بقية الدول الاوربية لا تشاطر القرار الفرنسي ، ربما ايطاليا وهي الاخرى مهتمة اكثر من غيرها ، قد تتماهى في الامر الى حد ما ، لكني اعتقد ان المانيا ستتخلف عن الركب ، ولن تؤيد الاندفاع نحو الحل العسكري .

   هذه مجرد محاولة مني لقراءة الوضع الراهن ، اردت ان اشارك بها الزملاء هنا في مركز الجنوب الليبي ، وان استغل فرصة حضوركم لأنصت اكثر مما اجيب ، نريد ان نقترب معكم وبكم الى معرفة افضل حول الملف الجنوبي .

   تلا ذلك .. اسئلة متفرقة وجهت للباحث مباشرة ، عن الدور الامريكي ، التهويل الاعلامي ، ومحاولة احياء الحلم الفرنسي القديم ، وحوارات حول حرب الموارد ، والتدافع نحو افريقيا ، واستئجار الجيوش الافريقية لتنفيذ مهام فرنسية .. ودول افريقية اشبه ببيادق او احجار على رقعة الشطرنج .. فرنسا تعبث هناك وتستعيد مكانتها .. ومقولة زمن الاستعمار قد ولى التي يؤكدها الباحث .. قد لا تبدو دقيقة .